ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
كيف نعلم الأطفال التعبير عن احتياجاتهم والدفاع عن حقوقهم، ولماذا تُعد هذه المهارة مهمة؟
عندما يكون لدى الطفل إحدى صعوبات التعلم (Learning Disabilities)، يكون الوالدان عادةً أول من يتولى الدفاع عن احتياجاته التعليمية، من خلال التعاون مع المدرسة لضمان حصوله على الخدمات وأشكال الدعم اللازمة. وقد يواجه الطفل صعوبة في اكتساب مهارات أساسية، مثل القراءة أو الكتابة أو الرياضيات؛ مما قد يستدعي تقديم دعم إضافي، وتعليم مباشر ومنظم للمهارات، إلى جانب بعض التسهيلات التعليمية التي تساعده على التعلم والتقدم.
ونظرًا إلى أن صعوبات التعلم لا تكون ظاهرة في كثير من الأحيان، ولأن الوالدين لا يستطيعان دائمًا التحدث نيابةً عن الطفل، فمن المهم أن يتعلم الأطفال ذوو صعوبات التعلّم كيفية مناصرة أنفسهم. فهؤلاء الطلاب لا تقل قدراتهم العقلية عن قدرات أقرانهم، إلا أن الصعوبات التي يواجهونها في أداء مهام تبدو سهلة للآخرين قد تُفسَّر خطأً على أنها كسل أو رفض للتعاون. ويمكن لقدرتهم على توضيح احتياجاتهم والتعبير عنها أن تسهم في منع هذه التفسيرات الخاطئة أو تصحيحها.
ما المناصرة الذاتية؟ (Self-Advocacy)
المناصرة الذاتية هي قدرة الفرد على التعبير عن احتياجاته والدفاع عنها للحصول على الدعم الذي يساعده على النجاح. وفي سياق الأطفال ذوي صعوبات التعلم، تعني أن يكون الطفل قادرًا على توضيح طبيعة الصعوبة التي يواجهها، وكيف تؤثر في تعلمه، وما جوانب القوة والتحديات لديه بصفته متعلمًا.
كما تشمل المناصرة الذاتية قدرة الطفل على التعبير عن احتياجاته بطريقة واضحة ومناسبة وحازمة، ولا سيما عند التحدث مع البالغين، مع توضيح أشكال الدعم التي يحتاج إليها وأسباب حاجته إليها.
وترتبط المناصرة الذاتية بمفهوم تقرير المصير (Self-Determination)، الذي يشير إلى قدرة الفرد على المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياته، وفهم حقوقه واحتياجاته، والتعبير عنها.
وقد تظهر هذه المهارة عندما يذكر طالب معلمه بأنه يحتاج إلى وقت إضافي في الاختبار بسبب عسر القراءة (Dyslexia)، أو عندما يطلب استخدام الحاسوب في تدوين الملاحظات بدلًا من كتابتها يدويًا؛ لأن عسر الكتابة (Dysgraphia) يجعل الكتابة باليد أكثر صعوبة بالنسبة إليه. وقد يطلب الطالب الذي لديه عسر الحساب (Dyscalculia) استخدام الآلة الحاسبة.
وقد تتمثل المناصرة الذاتية أيضًا في قدرة الطالب على طلب المساعدة بصورة عامة، أو بدء حوار حول الصعوبات التي يواجهها. والهدف هو مساعدة الطلاب على التعبير عن احتياجاتهم بثقة، بدلًا من الشعور بالخجل أو الحرج منها.
تبدأ المناصرة الذاتية بمعرفة الذات
قبل أن يتمكن الطفل من مناصرة نفسه، يحتاج إلى فهم واضح لطبيعة احتياجاته والصعوبات التي يواجهها. فمعرفة الطفل بطريقة تعلمه، بما في ذلك الجوانب التي يجيدها والجوانب التي يجد فيها صعوبة، تُعد خطوة أساسية في تنمية قدرته على التعبير عن نفسه.
قد يشعر بعض الوالدين بعدم الارتياح عند إخبار الطفل بتشخيصه، إلا أن إخفاء هذه المعلومات لا يمنعه من ملاحظة الصعوبات التي يواجهها. فالطفل يدرك غالبًا أنه يجد صعوبة في أداء مهام ينجزها أقرانه بسهولة؛ ولذلك من المهم مساعدته على فهم أسباب ذلك بطريقة مناسبة لعمره.
وعندما يدرك الطفل أن لكل شخص جوانب قوة وتحديات، وأن صعوبات التعلم لا تعني انخفاض مستوى الذكاء، فقد يساعده ذلك على فهم تجربته بصورة أفضل، ويخفف من شعوره بالحيرة أو لوم الذات، ويعزز ثقته بقدراته.
ويمكن البدء في إجراء هذه الحوارات مع الأطفال منذ المراحل الأولى من التعليم الابتدائي، على أن تتناول المهارات التي يجيدونها، إلى جانب المهارات التي يواجهون صعوبة فيها. ومن المناسب البدء بتعزيز وعي الطفل بجوانب قوته، دون المبالغة في وصف جميع سماته أو مهاراته بأنها نقاط قوة، ثم الانتقال إلى مناقشة أهدافه، وطريقة تعلّمه، والتحديات التي يواجهها، والتسهيلات التي قد يحتاج إليها.
وقد يحتاج بعض الأطفال إلى دعم أكبر لفهم ملفهم التعلمي، أي طبيعة قدراتهم واحتياجاتهم والطريقة التي يتعلمون بها. ويُعد فهم الشخص لكيفية تعلّمه، وهو ما يُعرف بما وراء المعرفة (Metacognition)، جزءًا مهمًا من هذه العملية.
كما يسهم هذا الفهم في تنمية عقلية النمو (Growth Mindset)، التي تقوم على أن القدرات والمهارات ليست ثابتة، بل يمكن تطويرها من خلال الجهد والخبرة والممارسة والاستفادة من الأخطاء.
فهم الحقوق التعليمية
بعد أن يتعرّف الأطفال إلى احتياجاتهم، تأتي مرحلة مساعدتهم على فهم الحقوق والتسهيلات المتاحة لهم. وغالبًا ما يكون الطلاب في الصف الخامس وما بعده أكثر استعدادًا لمناقشة هذه الموضوعات؛ نظرًا إلى اهتمامهم المتزايد بمفاهيم العدالة والإنصاف. ومع ذلك، يمكن للأطفال الأصغر سنًا أيضًا تكوين فهم أساسي لأشكال الدعم التي يمكنهم الحصول عليها.
ومن المهم توضيح أن الحصول على الدعم اللازم لا يُعد غشًا أو تفضيلًا غير عادل. ففي النظام التعليمي الأمريكي، تُعد التسهيلات التعليمية حقًا قانونيًا، ويحق للطلاب ذوي الإعاقة الحصول على تعليم عام مجاني ومناسب (Free Appropriate Public Education – FAPE) بموجب قانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقة (Individuals with Disabilities Education Act – IDEA).
ويمكن توضيح مفهوم التسهيلات التعليمية من خلال مثال النظارات الطبية. فالنظارات تساعد الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الرؤية على الوصول إلى المعلومات بصورة أكثر تكافؤًا، ولا يُنظر إلى استخدامها على أنه يمنحهم أفضلية غير عادلة. وينطبق المبدأ نفسه على التسهيلات المقدمة للطلاب ذوي صعوبات التعلم.
ويستفيد الأطفال من معرفة الأدوات المتاحة لهم وكيفية استخدامها. وقد تشمل هذه الأدوات الوصول إلى مركز لدعم التعلّم، أو تلقي تدخلات فردية، أو الحصول على وقت إضافي في الاختبارات، أو استخدام الكتب الصوتية، أو تسجيل المحاضرات، أو استخدام سماعات عازلة للضوضاء، إلى جانب وسائل دعم أخرى.
كما ينبغي تعريف الطفل بالموارد المتاحة له، والأشخاص أو الجهات التي يمكنه التوجه إليها لطلب المساعدة. وإذا كان لدى الطالب برنامج تربوي فردي (Individualized Education Program – IEP) أو خطة القسم 504 (504 Plan)، فمن المهم تعريفه بالتسهيلات الواردة فيها وبحقوقه التعليمية، بما يتناسب مع عمره ومستوى فهمه.
التعبير عن الاحتياجات
تتحول المناصرة الذاتية إلى ممارسة فعلية عندما يتعلم الطالب كيفية التعبير عن احتياجاته وحقوقه. ويحتاج الطلاب إلى معرفة الشخص المناسب الذي يمكنهم التوجه إليه، وكيفية توصيل وجهة نظرهم بوضوح وفاعلية واحترام.
وقد يشعر بعض الأطفال بالخجل أو الوصمة عند لفت الانتباه إلى الاختلافات المرتبطة بطريقة تعلمهم، كما قد يشعرون بالتوتر عند التحدث إلى البالغين. وفي هذه الحالات، يمكن الاستفادة من النصوص الإرشادية، والتدريب العملي، ولعب الأدوار (Role-Playing) في بيئة آمنة.
فعلى سبيل المثال، يمكن تدريب الطالب على كيفية صياغة طلبه في رسالة إلكترونية، وكيفية توضيح أسباب احتياجه إلى أحد التسهيلات، وكيفية الاستجابة إذا لم يتفهم الطرف الآخر طلبه مباشرة. وقد يكون من المفيد التدرب على مجموعة من الاستجابات المحتملة، حتى وإن كانت المواقف السلبية التي يخشاها الطفل لا تحدث غالبًا.
ولا تقتصر المناصرة الذاتية على الفصل الدراسي، بل يمكن ممارستها في مواقف أخرى، مثل المعسكرات الصيفية أو الأنشطة والمواقف الاجتماعية. ولذلك من المفيد تدريب الطفل على التعبير عن احتياجاته في سياقات متنوعة.
وقد يكون الأمر بسيطًا مثل أن يقول: «لدي صعوبة في التعلم تجعل هذه المهمة أكثر صعوبة بالنسبة إليّ». ولا يحتاج الطفل إلى الإفصاح عن تفاصيل أكثر مما يتطلبه الموقف، بل يمكنه إبلاغ أصدقائه أو المشرفين بما قد يساعده، مثل الاتفاق على الخطط من خلال الرسائل النصية بدلًا من المكالمات الهاتفية، أو تعلم قواعد لعبة جديدة قبل المشاركة فيها.
دور الأسرة في دعم المناصرة الذاتية
على الرغم من أن كثيرًا من مواقف المناصرة الذاتية تحدث داخل المدرسة، فإن تنمية هذه المهارة تبدأ في المنزل. ويمكن للوالدين ومقدمي الرعاية تقديم نموذج عملي لكيفية التعبير عن الاحتياجات والدفاع عنها، سواء عند مناصرة أنفسهم أو عند مناصرة أطفالهم.
كما يمكنهم تعزيز فكرة أن التعبير عن الاحتياجات وطلب الأدوات اللازمة للنجاح أمر مقبول ومهم. وقد يتحقق ذلك من خلال حديث أحد الوالدين عن موقف طلب فيه تسهيلًا في مكان العمل، أو مناقشة موقف ذي صلة ورد في كتاب أو فيلم، أو من خلال التواصل مع المدرسة والدفاع عن احتياجات الطفل التعليمية.
ويُعد دعم الأسرة في تنمية مهارات المناصرة من العوامل المهمة في مساعدة الطفل ذي صعوبات التعلم. فعندما يتدرب الطفل على المناصرة الذاتية، يتعلم الوالدان أيضًا كيفية توضيح احتياجاته والتعاون مع المدرسة؛ وبذلك تتطور هذه المهارات لدى الطفل والأسرة بصورة متزامنة.
الممارسة المستمرة
لا تُعد المناصرة الذاتية مهارة تُعلم مرة واحدة ثم تُكتسب بصورة نهائية، بل تحتاج إلى وقت وممارسة متكررة، كما أن تطورها لا يحدث بالضرورة بصورة خطية.
فقد يتعلم الطفل في المرحلة الابتدائية بعض مهارات التعبير عن احتياجاته، ثم يحتاج عند انتقاله إلى مرحلة المراهقة إلى إعادة تعلمها وتطبيقها في مواقف أكثر تعقيدًا. وقد تتكرر عملية التعليم والتدريب عدة مرات مع نمو الطفل وتغير احتياجاته وبيئته التعليمية والاجتماعية.
وتختلف المناصرة الذاتية لدى الطفل في السادسة من عمره عنها لدى الطفل في مرحلة ما قبل المراهقة أو المراهق أو الشخص البالغ. فقد يكفي مع الأطفال الصغار تعليمهم كيفية التعبير لفظيًا عن أن إحدى المهام صعبة، ومعرفة الوقت المناسب لطلب المساعدة.
أما الأطفال الأكبر سنًا، فيمكنهم المشاركة بدرجة أكبر في تحديد احتياجاتهم والتعبير عنها واتخاذ القرارات المتعلقة بأشكال الدعم المناسبة لهم. وعندما يشعر الأطفال بأن احتياجاتهم مفهومة، تزداد احتمالية شعورهم بالتشجيع والدافعية نحو التعلم والتقدّم.
تنمية المهارات القيادية
إضافة إلى تعلم الطفل كيفية الدفاع عن احتياجاته، قد تسهم المناصرة الذاتية، بعد أن يكتسب الطفل قدرًا من الثقة في ممارستها، في تنمية قدرته على مناصرة الآخرين والمشاركة في تحسين البيئة المحيطة به.
فقد يبدأ الأطفال في ملاحظة احتياجات أقرانهم، والدفاع عنهم، ومشاركة معرفتهم بالأدوات والتسهيلات التعليمية المتاحة، أو مناقشة مسؤولي المدرسة بشأن الوسائل التي يمكن من خلالها تحسين البيئة التعليمية.
وعندما يدرك الأطفال أن الأفراد يختلفون في قدراتهم واحتياجاتهم، وأن لكل طالب تحدياته الخاصة، فقد يسهم ذلك في تعزيز شعورهم بالمسؤولية والقدرة على التأثير، على المستويين الشخصي والاجتماعي. كما يمكن أن يساعد هذا الوعي على بناء بيئات تعليمية أكثر شمولًا، يدعم فيها الأطفال بعضهم بعضًا بدلًا من ممارسة التنمر أو الإقصاء.
المرجع:
Learning Disabilities and Self-Advocacy
https://childmind.org/article/learning-disabilities-and-self-advocacy/





