الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تهيج الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ما بين الآليات العصبية والعلاجات الممكنة

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ مشكلات الاستثارة الانفعالية والانفعال الزائد لدى الأفراد الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد من أبرز التحديات التي تؤثر في حياتهم اليومية وفي حياة أسرهم. فهذا الاضطراب، المعروف بتنوعه الكبير واختلاف مظاهره من شخص لآخر، يتميز بصعوبات واضحة في التواصل الاجتماعي، إلى جانب أنماط سلوكية متكررة ومحدودة. ومع مرور الوقت، بدأ الاهتمام البحثي يتوسع ليشمل أحد الجوانب التي غالبًا ما تُهمَل، وهي التهيج والانفعال، لما يحمله هذا الجانب من تبعات نفسية واجتماعية قد تكون مرهقة للمشخصين ولذويهم.

ورغم أن التهيّج يُلاحظ لدى العديد من الأطفال والبالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد، فإن فهم أسبابه ظلّ موضوعًا معقدًا ومتعدد الأبعاد. فقد أشارت دراسات عديدة إلى أن التهيّج قد يرتبط بخلل في كيفية استجابة الدماغ لمواقف الإحباط أو عدم الحصول على مكافأة متوقعة، إضافة إلى استجابات غير اعتيادية للتهديد أو المواقف الضاغطة. كما كشفت أبحاث تصوير الدماغ عن مناطق محددة يبدو أنها تلعب دورًا في هذا النمط من السلوك، مما يدعم الفرضية القائلة بأن التهيّج في اضطراب طيف التوحد لا يمكن اختزاله في كونه انفعالًا مبالغًا فيه فحسب، بل هو انعكاس لتفاعل بيولوجي ونفسي معقد.

ولا يقتصر الأمر على العوامل العصبية فقط؛ فالجوانب البيئية لها دور مهم أيضًا. فالنشأة غير المستقرة أو التعرّض المتكرر للتوتر قد يسهمان في تشكيل أنماط سلوكية أكثر حدّة، ويزيدان من احتمالية ظهور ردود فعل انفعالية مضطربة. ولأن هذه السلوكيات قد ترهق الوالدين والمحيطين، فقد أصبح علاج التهيّج هدفًا أساسيًا في التدخلات النفسية والدوائية الخاصة بهذه الفئة.

ومن الناحية العلاجية، اعتمدت الهيئات الصحية على عدد من الأدوية التي أثبتت فاعليتها في تقليل مستويات التهيّج. وقد حظيت بعض هذه الأدوية بقدر كبير من الاهتمام والقبول، إلا أنّ آثارها الجانبية—خاصة تلك المتعلقة بالوزن أو الجوانب العصبية—دفعت الباحثين إلى استكشاف خيارات علاجية أكثر أمانًا. وظهر في هذا السياق اتجاهان بارزان: الأول يتعلق بالبحث عن أدوية بديلة أو داعمة للعلاج الدوائي الأساسي، والثاني يتمثل في تعزيز دور التدخلات غير الدوائية، مثل تدريب الوالدين، لما تتميز به من أمان وقدرة على تحسين البيئة اليومية للطفل.

ورغم كثرة الأبحاث، ظلّت النتائج المتاحة غير واضحة بما يكفي، وتفاوتت تقديرات فعالية هذه التدخلات؛ الأمر الذي جعل من الضروري إجراء مراجعات علمية منهجية تجمع الأدلة وتقيّم قوتها بدقة. وضمن هذا التوجه، أُجريت مراجعة منهجية شاملة مدعومة بتحليل تجميعي بهدف فهم الصورة الكاملة للتدخلات المستخدمة في علاج التهيّج لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد. غير أنّ هذه المراجعة السابقة وإن كانت ثرية بالمعلومات، فإنها لم تتناول مستوى اليقين في الأدلة ولم تشمل التدخلات غير الدوائية بالشكل الكافي.

وانطلاقًا من الحاجة إلى تقييم شامل، توجهت الدراسة الحالية إلى جمع وتحليل الأدلة من تجارب معشّاة مضبوطة تستهدف علاج التهيّج لدى الأشخاص من مختلف الأعمار والدرجات التشخيصية. وتميّز هذا العمل بأنه لم يضع قيودًا على نوع التدخل، مما أتاح مقارنة واسعة بين الأساليب الدوائية وغير الدوائية، إضافة إلى استخدام منهجية “GRADE” التي تقيّم درجة موثوقية الأدلة بدقة عالية، سواء كانت قوية أو ضعيفة، مع تحديد ما إذا كانت النتائج تستحق الاعتماد عليها في القرارات العلاجية.

واعتمد الفريق البحثي في منهجيته على إجراءات مراجعة علمية صارمة، بدءًا من تسجيل البروتوكول، مرورًا بعملية بحث شاملة في قواعد بيانات متعددة، وانتهاءً بفرز الدراسات بناءً على معايير محددة، حيث عمل أكثر من باحث بشكل مستقل لضمان الدقة وتقليل الانحياز. وشملت الدراسة تجارب ذات تصاميم متوازية تقيّم فعالية تدخلات موجهة نحو تقليل التهيّج، دون حصرها بنوع معيّن من العلاج، مما أتاح رؤية أشمل لمشهد التدخلات المتاحة.

ولأن الدراسات في هذا المجال تختلف في أساليبها ومنهجياتها، استخدم الباحثون تحليلاً قائماً على نماذج التأثير العشوائي، الذي يُعد الأنسب عند وجود تباين بين التجارب. وتم تحويل نتائج الدراسات المختلفة إلى حجم تأثير موحّد، بما يسمح بإجراء مقارنات عادلة بين التدخلات، إضافة إلى تقييم مدى قوة كل تدخل وقدرته على تخفيف التهيّج. ولأن الهدف من العلاج هو تقليل حدة السلوكيات المزعجة، جرى تعديل اتجاه نتائج التأثير ليكون ذا دلالة واضحة وسهلة الفهم: فكلما اتجهت القيمة نحو الانخفاض، كان ذلك مؤشرًا أفضل للتحسن.

وفي حال غياب المعلومات الإحصائية الكاملة من بعض الدراسات، استخدم الباحثون افتراضات محسوبة بعناية لتقدير القيم المفقودة، وهو إجراء شائع في التحليلات التجميعية يضمن عدم استبعاد دراسات ذات قيمة. كذلك تم استخدام أدوات إحصائية متقدمة للتحقق من حساسية النتائج ومن احتمالية وجود تحيز في النشر، وذلك عبر اختبارات بصرية وإحصائية.

ولتفسير النتائج بشكل أعمق، أجريت تحليلات إضافية تهدف إلى معرفة ما إذا كانت بعض العوامل—مثل سنة النشر أو عمر المشاركين أو حجم العينة—قد تؤثر في نتائج الدراسات، كما تم تقسيم بعض التحليلات بحسب أدوات القياس المستخدمة لتقييم التهيّج أو بحسب مستوى الانحياز في الدراسات، مما أتاح صورة أوضح وأكثر دقة.

وبعد تحليل آلاف المقالات، تم اختيار عدد محدود من الدراسات التي تطابق المعايير الصارمة الموضوعة مسبقًا. وتنوعت التدخلات التي شملتها هذه الدراسات بين أدوية أحادية، وأدوية داعمة يضاف فيها علاج آخر إلى العلاج الأساسي، وتدخلات غير دوائية، بالإضافة إلى مكملات غذائية. وقد شملت الدراسات آلاف المشاركين من فئات عمرية متعددة، كان أغلبهم من الذكور، كما هو معتاد في معظم دراسات اضطراب طيف التوحد نظرًا للانتشار الأعلى لدى الذكور.

وعند تحليل فعالية العلاجات الدوائية، ظهرت بعض الأدوية التي أثبتت فاعلية واضحة، وكانت قادرة على تقليل مستويات التهيّج بدرجة معتبرة وبدليل علمي قوي. وعلى الجانب الآخر، ظهرت تدخلات أخرى لم تحقق نتائج ذات دلالة واضحة، سواء بسبب ضعف الأدلة أو تباين نتائج الدراسات أو محدودية عدد التجارب المتاحة. وهذا التباين يشرح سبب اختلاف التوصيات العلاجية بين المراكز، ويؤكد أهمية الاستمرار في البحث عن خيارات آمنة وفعالة.

وتوضح النتائج أيضًا أن بعض الأدوية تُظهر فاعلية أكبر عندما تُستخدم منفردة، بينما لا تقدّم الأدوية الداعمة أو الإضافية تحسنًا ملحوظًا مقارنة باستخدام العلاج الأساسي بمفرده. كما تبرز أهمية عدم الاعتماد على النتائج الأولية للدراسات الصغيرة، فبعض التدخلات بدت واعدة في دراسات منفردة لكنها لم تثبت فعاليتها عند تقييمها ضمن تحليل تجميعي واسع.

وفي النهاية، تُظهر هذه المراجعة أن التعامل مع التهيّج في اضطراب طيف التوحد يحتاج إلى مقاربة متعددة الجوانب، تأخذ في الحسبان الفروق الفردية بين المرضى، وتوازن بين فعالية العلاج وسلامته، وتستند إلى أدلة قوية وموثوقة. كما تعكس أهمية التوسّع في الأبحاث غير الدوائية، خاصة تلك التي تعزز مهارات الأسرة وتفهمها لطبيعة السلوكيات.

وبذلك، تقدّم هذه المقالة رؤية شاملة مبنية على منهجية دقيقة لتحسين فهم التدخلات الممكنة للتهيج في اضطراب طيف التوحد، وتضع أساسًا يمكن الانطلاق منه نحو تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تحديدًا وفاعلية.

 

المرجع:

Pharmacological and non‑pharmacological

interventions for irritability in autism spectrum

disorder: a systematic review and meta‑analysis

with the GRADE assessment

https://link.springer.com/content/pdf/10.1186/s13229-024-00585-6.pdf