ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
قد يمر بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد بحالات من الضغط الشديد أو فرط الاستثارة، تصبح خلالها قدرتهم على تنظيم الاستجابات الانفعالية والسلوكية محدودة بصورة مؤقتة. ويُستخدم في الأدبيات الإنجليزية مصطلح نوبة الانهيار (Meltdown) لوصف هذه الحالة.
ولا تُعد نوبة الانهيار تشخيصًا مستقلًا، بل حالة يصل فيها الطفل إلى مستوى مرتفع من الضغط الحسي أو الانفعالي أو المعرفي يفوق قدرته الحالية على التكيف والتنظيم. وقد تظهر في صورة بكاء أو صراخ أو زيادة في الحركة أو محاولة للابتعاد عن المكان، وقد تتضمن لدى بعض الأطفال سلوكيات مؤذية للذات أو الآخرين. وفي حالات أخرى، قد يظهر الضغط في صورة انسحاب أو انخفاض واضح في الاستجابة والتفاعل.
ما نوبة الانهيار؟ (Autistic Meltdown)
تحدث نوبات الانهيار عادة عندما تتجاوز المثيرات أو المتطلبات قدرة الطفل الحالية على التعامل معها. وقد يكون ذلك نتيجة مثيرات حسية مكثفة، أو تغيرات غير متوقعة، أو صعوبة في التواصل، أو متطلبات اجتماعية وانفعالية مرتفعة، أو تراكم عدة مصادر للضغط خلال فترة زمنية قصيرة.
ولهذا قد يبدو أحيانًا أن النوبة بدأت بسبب موقف بسيط، في حين يكون ذلك الموقف هو العامل الأخير ضمن سلسلة من الضغوط المتراكمة.
ولا توجد صورة واحدة لنوبات الانهيار لدى جميع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؛ فالمثيرات والعلامات المبكرة وشدة الاستجابة ومدة التعافي تختلف من طفل إلى آخر.
نوبة الغضب أم نوبة الانهيار؟ (Tantrum vs. Meltdown)
قد تتشابه نوبة الغضب (Tantrum) ونوبة الانهيار في مظهرهما الخارجي، فقد تتضمن كلتاهما الصراخ أو البكاء أو الرفض أو رمي الأشياء. إلا أن المظهر وحده لا يكفي لتحديد طبيعة السلوك.
ترتبط نوبة الانهيار غالبًا بحالة من الضغط أو فرط الاستثارة تتجاوز قدرة الطفل في تلك اللحظة على التنظيم. ولذلك يكون التركيز أثناءها على تقليل المثيرات، والمحافظة على السلامة، ومساعدة الطفل على استعادة التنظيم.
أما السلوك الذي يحدث بغرض الحصول على شيء معين أو تجنب مطلب معين، فقد تكون له وظيفة مختلفة تحتاج إلى تقييم منفصل.
ومع ذلك، لا ينبغي استخدام هذا التمييز بصورة جامدة، لأن السلوك قد يتأثر بأكثر من عامل في الوقت نفسه. ويُعد فهم الظروف السابقة للسلوك والسياق الذي حدث فيه أكثر دقة من الاعتماد على شكله فقط.
ما العوامل التي قد تسهم في حدوث نوبة الانهيار؟
تختلف العوامل من طفل إلى آخر، وقد تتغير لدى الطفل نفسه وفق حالته الجسدية والانفعالية والبيئية.
ومن العوامل المحتملة:
الأصوات المرتفعة أو الأماكن المزدحمة والمثيرات الحسية المكثفة.
التغير المفاجئ في الروتين أو الانتقال غير المتوقع بين الأنشطة.
عدم وضوح ما هو متوقع من الطفل أو ارتفاع المتطلبات الاجتماعية.
صعوبة التعبير عن الاحتياجات أو طلب المساعدة.
التعب أو الجوع أو الألم أو تراكم المواقف المجهدة خلال اليوم.
وقد يتحمل الطفل موقفًا معينًا في يوم، بينما يواجه صعوبة أكبر في الموقف نفسه في يوم آخر نتيجة تراكم التعب أو الضغوط أو المثيرات.
التعرف إلى العلامات المبكرة
قد تظهر مؤشرات على ارتفاع مستوى الضغط قبل الوصول إلى ذروة النوبة، مثل زيادة الحركة، أو المشي المتكرر، أو تغطية الأذنين، أو زيادة بعض السلوكيات التكرارية، أو تكرار الأسئلة وطلب الطمأنة. وقد يلاحظ أيضًا تغير في نبرة الصوت، أو انخفاض في الاستجابة، أو الانسحاب، أو محاولة مغادرة المكان.
ولا تظهر هذه العلامات بالطريقة نفسها لدى جميع الأطفال. لذلك من المهم أن تتعرف الأسرة والفريق التعليمي إلى المؤشرات الفردية الخاصة بكل طفل، وأن تتم ملاحظة الظروف التي تسبق حدوث النوبات بصورة متكررة.
الوقاية من تصاعد النوبة
تكون فرص التدخل أكبر عندما يتم التعرف إلى الضغط في مراحله المبكرة، قبل وصول الطفل إلى مستوى مرتفع من الاستثارة. ويبدأ ذلك غالبًا بتعديل البيئة وتقليل المثيرات التي يمكن التحكم فيها، مثل الضوضاء أو الإضاءة الشديدة أو الازدحام، مع إتاحة مكان أكثر هدوءًا عند الحاجة.
وقد يستفيد بعض الأطفال من أدوات حسية مناسبة لاحتياجاتهم الفردية، إلا أن استخدامها ينبغي أن يستند إلى استجابة الطفل الفعلية، وليس إلى افتراض أن وسيلة واحدة تناسب جميع الأطفال ذوي التوحد.
كما قد تساعد الجداول البصرية (Visual Schedules) والتنبيه المسبق بالتغيرات على تقليل الضغط لدى الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الانتقالات أو التغيير المفاجئ. ويمكن توضيح ما سيحدث لاحقًا باستخدام لغة مناسبة لمستوى الطفل، أو الصور والرموز، أو وسائل الدعم البصري الأخرى.
ومن الجوانب المهمة كذلك تعليم مهارات التنظيم والتكيف عندما يكون الطفل في حالة مستقرة، وليس أثناء ذروة النوبة. فقد يتعلم الطفل طلب استراحة أو مساعدة، أو الانتقال إلى مكان هادئ، أو التعبير عن انزعاجه من صوت أو موقف معين، أو استخدام إحدى استراتيجيات التهدئة التي سبق تدريبه عليها.
عند بداية التصاعد
عندما تظهر علامات واضحة على ارتفاع مستوى التوتر، يُفضَّل تقليل المتطلبات واللغة المستخدمة بدلًا من زيادة التعليمات والأسئلة.
وقد يكون من المناسب في هذه المرحلة تقليل المثيرات، وإعطاء الطفل وقتًا أطول لمعالجة المعلومات، واستخدام تعليمات قصيرة وواضحة، وتذكيره باستراتيجية سبق أن تعلمها، أو تقديم عدد محدود من الخيارات المناسبة.
وقد تصبح معالجة اللغة أكثر صعوبة مع ارتفاع مستوى الاستثارة، ولذلك قد تكون الإشارات البصرية أو التعليمات المختصرة أكثر ملاءمة من الشرح المطول.
أثناء تصاعد النوبة (Escalation)
مع زيادة شدة التوتر، قد تنخفض قدرة الطفل على معالجة المعلومات والاستجابة للتعليمات أو حل المشكلات. لذلك يُفضَّل أن يكون التواصل مختصرًا وواضحًا وهادئًا، مع تجنب النقاش المطول أو تكرار الأسئلة والتعليمات بصورة مستمرة.
وقد تؤدي كثرة المدخلات اللفظية إلى إضافة عبء معرفي في وقت يحتاج فيه الطفل إلى تقليل المثيرات. ويُفضَّل كذلك تجنب اللمس غير الضروري، خصوصًا إذا كان الطفل حساسًا للمس أو لا يفضل الاتصال الجسدي أثناء التوتر.
أثناء ذروة النوبة
عند وصول الطفل إلى مستوى مرتفع من الانهيار، تصبح الأولوية للسلامة وتقليل المثيرات، وليس لتعليم مهارات جديدة أو مناقشة أسباب السلوك.
وقد يتطلب ذلك إبعاد الأشياء التي يمكن أن تسبب إصابة، وتقليل عدد الأشخاص المحيطين بالطفل، وخفض مستوى الضوضاء والمثيرات، وتوفير مساحة آمنة، وتقليل الحديث إلى الحد الضروري.
كما ينبغي تجنب الجدال أو التوبيخ أو إضافة مطالب جديدة في هذه المرحلة. ولا يكون هذا الوقت مناسبًا لمناقشة العواقب أو مطالبة الطفل بتفسير ما حدث، لأن قدرته على معالجة المعلومات قد تكون محدودة بدرجة كبيرة.
وفي حال وجود خطر مباشر لحدوث إصابة خطيرة أو إيذاء شديد للذات أو الآخرين، ينبغي اتباع إجراءات السلامة المناسبة وطلب المساعدة الطبية أو الطارئة عند الحاجة.
مرحلة التعافي بعد النوبة
قد يستمر الإرهاق بعد انخفاض السلوك الظاهر، ولذلك لا يعني توقف الصراخ أو الحركة أن الطفل أصبح مستعدًا مباشرة للعودة إلى جميع الأنشطة أو لمناقشة ما حدث.
وقد يحتاج إلى فترة من الهدوء في بيئة منخفضة المثيرات، أو إلى نشاط مألوف وغير متطلب، قبل العودة تدريجيًا إلى الروتين المعتاد.
كما يُفضَّل تأجيل الأسئلة المطولة أو محاولة تحليل أسباب النوبة إلى أن يعود الطفل إلى مستوى مناسب من التنظيم والانتباه.
مراجعة ما حدث بعد التعافي
بعد استعادة الطفل لحالته المعتادة، يمكن مراجعة الظروف المحيطة بالنوبة بهدف تحسين الوقاية مستقبلًا، وليس بهدف اللوم.
ومن المفيد النظر إلى ما حدث قبل بداية التوتر، وما إذا كان هناك تغير في الروتين أو مثير حسي واضح، أو تعب أو جوع أو ألم، أو صعوبة في التعبير عن حاجة معينة. كما ينبغي تحديد أول العلامات التي ظهرت على ارتفاع التوتر، والإجراءات التي ساعدت على خفض التصاعد، وأي إجراءات ربما أسهمت في زيادته.
ويمكن تسجيل هذه المعلومات بصورة منتظمة للكشف عن الأنماط المتكررة وتطوير خطة دعم أكثر دقة.
ومن منظور سلوكي، فإن وصف الحالة بأنها «نوبة انهيار» لا يغني عن التقييم الوظيفي عندما تكون السلوكيات شديدة أو متكررة؛ إذ ينبغي دراسة السوابق والنتائج والمتغيرات البيئية ومهارات التواصل والتنظيم، إلى جانب العوامل الحسية والطبية والانفعالية المحتملة.
متى تكون هناك حاجة إلى دعم متخصص؟
يُنصح بالنظر في التقييم المتخصص عندما تصبح النوبات:
متكررة أو تزداد بصورة ملحوظة مقارنة بالسابق.
شديدة أو تستمر لفترات طويلة.
مصحوبة بإيذاء الذات أو الآخرين.
مؤثرة في انتظام الطفل في المدرسة أو مشاركته في حياته اليومية.
معيقة لقدرة الأسرة أو الفريق التعليمي على المحافظة على سلامته بصورة مناسبة.
وقد يشمل التقييم مهارات التواصل والتنظيم الانفعالي والعوامل الحسية والنوم والحالة الصحية، إضافة إلى البحث في وجود حالات مصاحبة، مثل القلق أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، ومراجعة المتطلبات البيئية والتعليمية المحيطة بالطفل.
ولا يوجد دواء مخصص لعلاج «نوبات الانهيار» نفسها. ولكن عندما توجد حالة طبية أو نفسية مصاحبة تسهم في زيادة الضيق أو التهيج، فقد يحدد الطبيب التدخل المناسب لهذه الحالة ضمن خطة علاجية متكاملة.
ختامًا
لا ينبغي النظر إلى نوبات الانهيار لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد بوصفها مجرد سوء سلوك أو رفض متعمد. ففي كثير من الحالات تكون مؤشرًا على أن المثيرات أو المتطلبات الحسية أو الانفعالية أو المعرفية تجاوزت قدرة الطفل الحالية على التنظيم.
وتبدأ الوقاية الفاعلة بفهم المثيرات والعلامات المبكرة، ثم تعليم مهارات التواصل والتكيف في الأوقات الهادئة، وتعديل البيئة عند الحاجة. ومع ارتفاع مستوى التوتر، يصبح تقليل المثيرات والمتطلبات والمحافظة على السلامة أكثر أهمية من تقديم التعليمات أو محاولة تصحيح السلوك في اللحظة نفسها.
وتختلف احتياجات الأطفال واستجاباتهم بصورة كبيرة، لذلك ينبغي أن تُبنى خطة الدعم على خصائص الطفل الفردية، والملاحظة المنظمة، والبيانات، والاستجابة الفعلية للتدخل، مع الاستعانة بالتقييم المتخصص عندما تكون النوبات شديدة أو متكررة أو مؤثرة في حياة الطفل اليومية.
المرجع:
How to De-Escalate an Autistic Meltdown
https://childmind.org/article/how-to-de-escalate-an-autistic-meltdown/





