ترجمة: جنا الدوسري
شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بالبحث عن وسائل فعّالة لدعم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، خصوصاً أن هذا الاضطراب يمسّ جوانب متعددة من النمو والوظائف اليومية، مثل التواصل، والمهارات الحركية، والسلوك الاجتماعي، إضافة إلى السلوكيات النمطية المتكررة. وفي ظل غياب علاج دوائي قادر على إزالة الأعراض بشكل كامل، بدأ التوجّه العالمي يميل نحو البحث عن بدائل تدخلية غير دوائية، ومن أبرزها الأنشطة البدنية التي أصبحت تُطرح كخيار واعد في تعزيز قدرات الأطفال وتحسين جودة حياتهم، سواء على المستوى النفسي أو الجسدي أو الاجتماعي.
في هذا الإطار، جاءت هذه الدراسة الشاملة لتقدّم تقييماً واسعاً لمجموعة كبيرة من التدخلات الرياضية والأنشطة البدنية، وذلك بهدف تحديد أيّها يُحدث التأثير الأكبر في مهارات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. اعتمد الباحثون على منهجية تُسمّى التحليل الشبكي للدراسات، وهي منهجية متقدمة تسمح بمقارنة عدد كبير من التدخلات حتى لو لم تُقارن مباشرة في الدراسات الأصلية. ما يميّز هذا النوع من التحليل أنه يمنح الباحثين قدرة على تصنيف التدخلات حسب فعاليتها، ووضع ترتيب عام يوضّح أي الأنشطة البدنية أكثر تأثيراً على كل جانب من الجوانب محل الدراسة، مما يساعد على تقديم توصيات عملية مبنية على الأدلة العلمية وليس على الاجتهاد الشخصي أو الانطباعات العامة.
كانت نقطة البداية في هذه الدراسة هي تحديد المشكلة الأساسية: الأطفال المشخصون باضطراب طيف التوحد غالباً ما يواجهون صعوبات حقيقية في المهارات الاجتماعية والتواصلية، إضافة إلى حركات نمطية وسلوكيات متكررة، فضلاً عن ضعف ملحوظ في المهارات الحركية الدقيقة والعامة. هذه التحديات قد تؤثر على حياتهم اليومية، اعتمادهم على أنفسهم، وقدرتهم على الاندماج في البيئة المدرسية والاجتماعية. ورغم أن العلاج السلوكي يُعدّ حجر الأساس في التعامل مع هذه التحديات، إلا أن نتائجه تختلف من طفل لآخر، ولا ينجح دائماً في تحسين كل الجوانب. ومن هنا برزت الحاجة للبحث عن تدخلات أخرى تُستخدم جنباً إلى جنب مع البرامج السلوكية التقليدية لتعزيز فرص التحسن.
اعتمدت الدراسة على مئات الأبحاث المنشورة خلال العقود الماضية، ثم تم اختيار أفضل الدراسات وأكثرها جودة. وبالنتيجة تم تحليل 37 دراسة اشتملت على أكثر من ألف طفل، وغطّت حوالي 17 نوعاً مختلفاً من الأنشطة البدنية. وقد شملت هذه الأنشطة مجموعة واسعة مثل:
- التاي تشي
- الكاراتيه وتقنيات الكاتا
- السباحة
- التدريب على المهارات الحركية الأساسية
- اليوغا
- التمارين الجماعية
- الأنشطة القائمة على الألعاب الحركية
وغيرها من الأنشطة المصممة خصيصاً لتناسب احتياجات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد في بيئات منظمة تهدف لإحداث تغيّر واضح في أداء الطفل.
ما يميز الدراسة أنها لم تكتفِ بقياس تأثير كل نشاط على جانب واحد فقط، بل درست أربعة محاور أساسية تُعدّ جوهر التحديات التي يواجهها الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد، وهي:
- المهارات الحركية
- المهارات الاجتماعية
- مهارات التواصل
- السلوكيات النمطية المتكررة
وبعد تحليل شامل للنتائج، كشفت الدراسة عن مجموعة من النقاط المهمة التي تُظهر أن لكل نشاط تأثيره الخاص والمميز:
أولاً: تحسين المهارات الحركية
أظهرت الأنشطة البدنية ـ خصوصاً الأنشطة القائمة على الحركات البطيئة والمنضبطة ـ دوراً واضحاً في تحسين التحكم الحركي والتوازن والقوة. وقد برز تمرين التاي تشي كأحد أفضل الأنشطة في هذا الجانب. التاي تشي يعتمد على حركات متدرجة ومنسقة تهدف إلى تحسين الانتباه، الوعي بالجسم، والتنفس العميق، مما يساعد الأطفال على الربط بين الحركة والإحساس الجسدي بطريقة تدريجية تسمح لهم بتطوير مهارات لم يكن من السهل اكتسابها عبر الأنشطة اليومية التقليدية.
ثانياً: تحسين التواصل
من بين جميع الأنشطة، ظهر أن التدريب على المهارات الحركية الأساسية يقدم فائدة كبيرة في تعزيز مهارات التواصل. وهذا ما فاجأ بعض الباحثين في البداية، لكنه أصبح مفهوماً عند تفسيره. فالطفل عندما يتعلم حركات أساسية مثل الجري، القفز، رمي الكرة، أو التوازن، يشعر بثقة أعلى وبقدرة أكبر على التفاعل مع الآخرين. هذه الثقة تفتح له باباً أكبر للتواصل، لأن الطفل يشعر بأنه قادر على الإنجاز، وهذا ينعكس مباشرة على رغبته في التعبير والتفاعل اللفظي وغير اللفظي.
ثالثاً: تحسين المهارات الاجتماعية
في هذا الجانب تحديداً، جاءت نتائج تقنيات الكاتا في الكاراتيه لتُظهر تأثيراً واضحاً ومختلفاً عن باقي الأنشطة. الكاتا تعتمد على تكرار سلسلة من الحركات في بيئة شديدة التنظيم، مع وجود مدرب يوجه الطفل خطوة بخطوة. هذا الإطار المنضبط يساعد الطفل على فهم الإشارات الاجتماعية، والاستجابة للتعليمات، والتفاعل في نشاط جماعي، وكلها مهارات أساسية يحتاج إليها الطفل ليطوّر قدراته الاجتماعية.
رابعاً: الحدّ من السلوكيات النمطية
تُعد السلوكيات النمطية من أصعب التحديات التي تواجه الأخصائيين والأهل. وقد وُجد أن الكاراتيه وتقنيات الكاتا كانت من أكثر التدخلات فعالية في تقليل هذه السلوكيات. السبب يعود إلى أن التسلسلات الحركية المنظمة تُعطي للطفل بديلاً حركياً منظماً يخفف من حاجته إلى التكرار اللاإرادي أو السلوك النمطي، خصوصاً أن هذه الأنشطة تتطلب تركيزاً عالياً واتباعاً لحركات محددة.
منهجية علمية دقيقة
اعتمد الباحثون على أدوات إحصائية متقدمة لفحص الاختلافات بين التدخلات وتحديد مدى قوة الأدلة. كما تمت مراجعة جودة الدراسات ومصادر التحيّز المحتملة، واستخدام طرق تصنيف دقيقة تُعرف باسم “سوكرا” لتحديد ترتيب التدخلات من الأكثر إلى الأقل فعالية. هذا الأسلوب أعطى الدراسة مصداقية علمية عالية، وجعل نتائجها قابلة للاستخدام العملي المباشر في البيئات العلاجية.
ماذا تعني هذه النتائج عملياً؟
تؤكد هذه الدراسة أن الأنشطة البدنية ليست مجرد وسيلة لرفع النشاط البدني أو تحسين اللياقة فقط، بل هي أداة علاجية متعددة الفوائد يمكن أن تُحدث فرقاً ملحوظاً في حياة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. ويمكن للأخصائيين والمعلمين وأولياء الأمور استخدام هذه النتائج لتصميم برامج متوازنة تجمع بين:
- أنشطة لتحسين المهارات الحركية
- أنشطة لتعزيز التواصل
- أنشطة لدعم المهارات الاجتماعية
- تمارين للتحكم بالسلوكيات المتكررة
وبشكل عام، تعد هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق للتأثيرات المتنوعة للرياضة على الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وتفتح المجال أمام تصميم برامج أكثر تخصيصاً وفاعلية تعتمد على الأدلة العلمية وتُلائم احتياجات كل طفل على حدة. ويساهم هذا النهج في تعزيز قدرة الطفل على التكيف، وبناء مهارات تساعده على مواجهة تحديات الحياة اليومية بثقة واستقلالية أكبر. كما يتيح للمعالج فهماً أعمق لطبيعة الصعوبات التي يمر بها الطفل، مما يضمن توجيه التدخل بشكل أكثر دقة وفاعلية، ويزيد من فرص تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة مع مرور الوقت.
المرجع:
The Effects of Physical Activity Interventions in Children with Autism
Spectrum Disorder: a Systematic Review and Network Meta‑analysis
https://link.springer.com/content/pdf/10.1007/s40489-023-00418-x.pdf





