ترجمة: أ. سوار الماجري
تُشكل ظاهرة الهروب والشرود المفاجئ (Wandering and Elopement) واحدة من أكثر القضايا خطورة وإقلاقاً لأسر الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (ASD)، لما تحمله من تهديد مباشر وحاد على سلامة الطفل وحياته. إن هذا السلوك لا يُصنف ميدانياً كنوع من العناد أو حب الاستكشاف الفضولي كما هو السائد لدى الأطفال النمطيين، بل هو سلوك معقد تكمن جذوره في استجابات عصبية، حسية، ونفسية خاصة بتركيبة التوحد. وتزداد شدة هذا الخطر و معدلات وقوعه بصورة ملحوظة خلال فصل الصيف ومواسم العطلات؛ حيث تنهار الجداول الروتينية اليومية وتكثر المخاطر البيئية المحيطة مثل أحواض السباحة والشواطئ وحركة المرور النشطة. إن الفهم الدقيق للآليات العصبية المسببة لهذا السلوك وتطوير استراتيجيات حماية وتأمين متعددة الطبقات يُعد أمراً مصيرياً لحماية هؤلاء الأطفال وضمان استقرار أسرهم.
الأسباب العصبية والسلوكية المباشرة لظاهرة الهروب
إن الشرود لدى الطفل ذوي اضطراب طيف التوحد هو فعل استجابي يفتقر إلى الإدراك الواعي بالعواقب والمخاطر. يرجع نشوء هذا السلوك إلى تفاعل مجموعة من العوامل العصبية والسلوكية:
الهروب من الحمل الحسي الزائد (Sensory Overload): يؤدي التعرض المستمر للمثيرات الحسية الحادة – كالأضواء الساطعة، الأصوات المفاجئة، الاكتظاظ، أو روائح محددة – إلى استنفار جهاز الطفل العصبي. يصبح الهروب السريع حينها استجابة وقائية تلقائية للابتعاد عن مصدر الإزعاج والبحث عن مكان هادئ يخفف من التوتر الحسي.
الاندفاع خلف اهتمامات مخصصة (Special Interests): يمتلك العديد من أفراد ذوي اضطراب طيف التوحد اهتمامات مركزة وشديدة الشغف بمثيرات محددة؛ مثل انغماسهم في مشاهدة انعكاسات المياه، أضواء السيارات المتحركة، أو تتبع كائن معين. يندفع الطفل نحو هذا المثير بتركيز كلي دون الانتباه للبيئة المحيطة أو المخاطر الطريقية.
ضعف قدرات التقييم والتوقع للمخاطر: يعاني معظم أطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من نقص في إدراك المفاهيم التجريبية للمخاطر؛ فهم لا يربطون بين الشارع المزدحم بالسيارات وبين خطر الدهس، ولا يدركون أن عمق المياه قد يؤدي إلى الغرق، مما يزيل حاجز الخوف الطبيعي الذي يمنع عادة باقي الأطفال من الشرود.
عجز التواصل والتعبير الوظيفى: عندما يواجه الطفل غير الناطق أو ذو القدرات اللغوية المحدودة مواقف تسبب له الخوف، الإجهاد، أو الرغبة في التغيير، فإنه يعجز عن إبلاغ المحيطين به شفهياً؛ فيكون التصرف السلوكي المباشر المتمثل في الهروب هو وسيلته الوحيدة للتعبير عن حاجته للابتعاد.
تفاقم مخاطر الشرود خلال فصل الصيف
تُظهر البيانات الإكلينيكية ارتفاعاً حاداً في حوادث الهروب والغرق خلال أشهر الصيف والعطلات المدرسية، وذلك نتيجة تغيّرات بيئية واجتماعية هيكلية:
انعدام البنية الروتينية المعتادة: تمنح البيئة المدرسية خلال أيام السنة درعاً حامياً قائماً على جدول زمني منظم ومحدد الساعات، بينما تُحدث العطلة الصيفية فراغاً روتينياً يرفع مستويات القلق والارتباك لدى الطفل، مما يدق ناقوس الهروب كاستجابة للتوتر.
الجاذبية الحسية للمياه وارتفاع معدلات الغرق: تُعد المياه المثير الحسي الأول المفضل لدى نسبة كبيرة من أطفال التوحد بسبب انعكاساتها البصرية وحركتها الإيقاعية. وتُظهر الإحصاءات الرسمية أن الغرق يمثل السبب الرئيسي والأول للوفيات الناجمة عن حوادث شرود أطفال التوحد خلال الصيف عند وصولهم لأحواض السباحة أو البحيرات.
التراخي الفيزيائي لمنافذ المنزل: يتزامن فصل الصيف مع كثرة فتح الأبواب و النوافذ لتهوية المنازل، وكثرة الزيارات الأسرية والإقامة في دور العطلات غير المؤقتة؛ مما يتيح للطفل فرصاً متعددة للتسلل إلى الخارج دون إثارة انتباه الرعاة.
الضغوط النفسية والاجتماعية الواقعة على الأسرة
لا يتوقف تأثير خطر الهروب على التهديد المباشر لحياة الطفل، بل ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية ونمط حياة الأسرة بأكملها:
حالة اليقظة المفرطة المزمنة (Hypervigilance): تعيش الأسر تحت إجهاد عصبي مستمر ناتج عن التفكير في إمكانية اختفاء الطفل في أي لحظة غفلة، مما يؤدي إلى الأرق، القلق المزمن، متلازمة الاحتراق النفسي لدى الوالدين.
الانكماش والعزلة الاجتماعية: تفضل الكثير من الأسر التنازل عن الخروج للرحلات، السفر، أو زيارة الأقارب لتفادي خطر فقدان الطفل في الأماكن المفتوحة أو غير المؤطرة، مما يعزل العائلة عن محيطها الاجتماعي الداعم.
خطة الوقاية والحماية الشاملة
لمواجهة خطر الشرود بشكل فعال، يجب إرساء خطة وقائية متكاملة تعتمد على التأمين البيئي، التكنولوجي، والسلوكي:
1. التأمين الفيزيائي والبيئي للمنزل
تركيب أقفال أمان ذات مزاليج مرتفعة على كافة الأبواب الخارجية والنوافذ، بحيث تكون خارج مدى وصول الطفل.
تثبيت أجهزة إنذار صوتية بسيطة على الفتحات والمنافذ تُصدر تنبيهاً فورياً بمجرد فتح الباب أو الشباك.
إحاطة أحواض السباحة المنزلية بأسوار مغلقة وأبواب ذاتية الإغلاق، واستخدام أغطية متينة ومقاومة للوزن فوق سطح الماء.
2. الاستعانة بالتكنولوجيا وأدوات التعريف
تزويد الطفل بأجهزة تتبع الجي بي إس (GPS) المدمجة في ساعات اليد، الأحذية، أو الملابس، والتي تتيح تحديد موقعه فوراً عبر تطبيقات الهواتف الذكية.
إلباس الطفل أساور معصم مقاومة للماء تحتوي على اسمه، أرقام التواصل الطارئة، وإشارة صريحة إلى كونه ذو اضطراب طيف التوحد وغير ناطق (إن وجد).
3. التدريب السلوكي والتأهيل المباشر
إلحاق الطفل ببرامج تدريبية متخصصة لتعليم مهارات السباحة والسلامة المائية كأولوية لحمايته من الغرق.
تطبيق استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي (ABA) لتطوير مهارات الامتثال لتعليمات التوقف، وتدريب الطفل على أساليب تواصل بديلة للتعبير عن الانزعاج الحسي قبل الوصول لمرحلة الهروب.
4. تفعيل الشراكة المجتمعية والمدنية
إبلاغ الجيران وسكان المحيط السكني بطبيعة حالة الطفل وتزويدهم بصورة حديثة له ورقم التواصل السريع للاتصال بهم فور مشاهدته فريداً.
تسجيل بيانات الطفل لدى مراكز الشرطة وفرق الطوارئ المحلية لتسريع وتيرة الاستجابة والبحث في حال وقوع حادثة شرود.
خاتمة وتوصيات مستقبلية
إن الشرود والهروب لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ليس مجرد سلوك عشوائي، أو ناتج عن العناد، أو دليلاً على تقصير وإهمال أسري، بل هو عرض عصبي وحسي معقد يتطلب تفهماً عميقاً، وعياً مجتمعيًا شاملاً، وتدخلاً منظماً وحازماً. وتتضاعف أهمية هذا الوعي خصوصاً خلال موسم الصيف والعطلات المدرسية؛ حيث تزداد المخاطر البيئية المحيطة، وتغيب الأطر الروتينية المحمية التي توفر الأمان اليومي للطفل.
إن حماية أطفالنا واستدامة أمانهم تستوجب تبني استراتيجية متكاملة تتجاوز الحلول الفردية المؤقتة إلى بناء شبكة أمان مستدامة قائمة على الأركان التالية:
التضامن والمسؤولية المشتركة: إن تضافر الجهود وتكامل الأدوار بين الأسر، المربين، والمجتمع المحلي يُشكل خط الدفاع الأول والضامن الأساسي لسلامة الطفل. لا يمكن عبء الوقاية أن يقع على عاتق الأسرة بمفردها، بل يتطلب مساندة مجتمعية واعية.
الدمج بين الوقاية التكنولوجية و التأهيل السلوكي: إن تطبيق أساليب الوقاية البيئية واستخدام أجهزة التتبع والتقنيات الحديثة، جنباً إلى جنب مع برامج التدريب السلوكي والتأهيل المباشر وتطوير مهارات التواصل، يقلل بشكل جوهري من فرص حدوث حوادث الشرود والهروب.
ضمان حق النمو في بيئة آمنة: إن الهدف الأسمى من كل إجراءات الحماية والوقاية هو خلق بيئة دافئة وآمنة تضمن للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد حقهم الأصيل في النمو والاستكشاف والاستمتاع بحياتهم دون تعريض سلامتهم وحياتهم للخطر.
ختاماً، إن الاستثمار في التوعية المجتمعية وتوفير أدوات الدعم والوقاية للأسر هو واجب إنساني ومجتمعي يكفل حماية هذه الفئة العزيزة وتوفير جودة حياة أفضل لهم و لعائلاتهم.
المرجع :
why-wandering-is-a-serious-risk-for-kids-with-autism-especially-in-summer





