الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الذكاء العاطفي والتحكم بالانفعالات لدى الأهالي في تربية الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد 

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

يُعد الذكاء العاطفي من أبرز المفاهيم النفسية التي اكتسبت أهمية متزايدة في العقود الأخيرة، إذ يرتبط بالقدرة على فهم الذات وإدارة المشاعر وبناء علاقات إنسانية أكثر توازناً وفاعلية. وتزداد أهمية هذا المفهوم حين نتحدث عن الأهالي الذين لديهم أطفال من ذوي التوحد أو الاحتياجات الخاصة، حيث يعيش هؤلاء الأهالي تحديات يومية مضاعفة تتطلب صبراً واتزاناً عاطفياً، فضلاً عن حاجتهم إلى تطوير مهاراتهم في إدارة الانفعالات والتحكم بأعصابهم بما ينعكس إيجاباً على جودة حياة الأسرة بأكملها.

الذكاء العاطفي: المفهوم والأبعاد الأساسية

عرّف سالوفي وماير (1990) الذكاء العاطفي بأنه القدرة على إدراك المشاعر وفهمها وتنظيمها واستخدامها بطريقة تيسر التفكير والسلوك الفعّال. بينما قام غولمان (1995) بتوسيع المفهوم ليشمل خمسة أبعاد رئيسية: الوعي الذاتي، إدارة الذات، التحفيز، التعاطف، والمهارات الاجتماعية. هذه الأبعاد لا تُعتبر مجرد مفاهيم نظرية، بل هي أدوات عملية تساعد الأهالي على مواجهة التوتر، وبناء علاقة إيجابية مع أطفالهم، وإيجاد توازن داخلي يتيح لهم الاستمرار في رحلة التربية والعناية رغم ما تحمله من ضغوط.

الضغوط الانفعالية لدى أهالي الأطفال ذوي التوحد والاحتياجات الخاصة

تربية الأطفال المشخّصين بالتوحد أو الاضطرابات النمائية الأخرى غالباً ما ترتبط بارتفاع مستويات الضغط النفسي لدى الأهالي. فالأم والأب قد يواجهان صعوبات متكررة مثل السلوكيات النمطية، نوبات الغضب، ضعف التواصل اللفظي والاجتماعي، أو الحاجة المستمرة للإشراف. إضافة إلى ذلك، ينعكس المجتمع أحياناً بأحكام مسبقة أو نقص في الدعم، مما يزيد من شعور الأهالي بالعزلة.

هذه الضغوط إذا لم يتم التعامل معها بوعي عاطفي قد تؤدي إلى الانفعال الزائد أو الغضب أو الإحباط، وهو ما قد يترك أثراً سلبياً على العلاقة بين الأهالي والأطفال. هنا يظهر دور الذكاء العاطفي كآلية وقائية وعلاجية في الوقت ذاته، لأنه يزود الأهالي بأدوات تساعدهم على ضبط استجاباتهم الانفعالية وتوظيف مشاعرهم بشكل أكثر صحة.

كيف يساعد الذكاء العاطفي الأهالي على التحكم بالانفعالات؟

  1. الوعي الذاتي: إدراك الأهالي لمشاعرهم لحظة بلحظة، مثل الاعتراف بالإرهاق أو الغضب، يُعتبر الخطوة الأولى للتحكم بها. فالمشاعر غير المعترف بها تتحول غالباً إلى انفعالات غير مسيطر عليها.

  2. إدارة الذات: الذكاء العاطفي يمنح الأهالي القدرة على تهدئة أنفسهم قبل أن تتفاقم المشاعر. استخدام استراتيجيات مثل التنفس العميق، أو أخذ استراحة قصيرة، أو إعادة صياغة التفكير، يساعد في تحويل الانفعال إلى استجابة أكثر توازناً.

  3. التعاطف: فهم مشاعر الأطفال، حتى وإن لم يعبروا عنها لفظياً، يتيح للأهالي التعامل معهم برفق وصبر. فالتعاطف يُحوّل الموقف من صراع إلى فرصة للتواصل.

  4. المهارات الاجتماعية: قدرة الأهالي على التواصل مع المختصين أو مجموعات الدعم أو أفراد العائلة بشكل صحي يسهم في تخفيف الضغوط، مما ينعكس على قدرتهم في إدارة انفعالاتهم داخل البيت.

استراتيجيات عملية للتحكم بالأعصاب وإدارة المشاعر

  • التنفس العميق وتمارين الاسترخاء: تساعد على تقليل مستوى التوتر الفسيولوجي وتعيد التوازن للجسم والعقل.

  • إعادة التقييم المعرفي: بدلاً من التفكير في الموقف على أنه “كارثة”، يمكن للأهالي إعادة صياغته بوصفه “تحدياً مؤقتاً يمكن التعامل معه”.

  • تخصيص وقت للعناية الذاتية: تخصيص بضع دقائق يومياً لممارسة نشاط ممتع أو رياضة أو صلاة وتأمل يعزز قدرة الأهالي على الصمود.

  • توزيع المسؤوليات: مشاركة الأعباء مع شريك الحياة أو أحد أفراد العائلة يقلل من الضغط النفسي ويحافظ على التوازن العاطفي.

  • الالتحاق ببرامج الدعم النفسي أو التدريب على الذكاء العاطفي: هذه البرامج تمنح الأهالي استراتيجيات علمية للتعامل مع المشاعر وتبادل الخبرات مع أسر أخرى تواجه تحديات مشابهة.

الذكاء العاطفي كنموذج يُحتذى للأطفال

الأهالي الذين يمتلكون ذكاءً عاطفياً مرتفعاً لا يديرون فقط مشاعرهم، بل يقدمون نموذجاً عملياً لأطفالهم. فالأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة أكثر مما يتعلمون عبر التوجيه المباشر. عندما يرى الأطفال أن أهاليهم يواجهون الغضب بالهدوء أو الإحباط بالصبر، فإنهم يكتسبون تدريجياً أنماطاً مشابهة لإدارة انفعالاتهم. هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة لدى الأطفال ذوي التوحد أو الاحتياجات الخاصة الذين قد يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، حيث يصبح سلوك الأهالي بمثابة مرجع أساسي لهم.

العلاقة بين إدارة المشاعر وجودة الحياة الأسرية

أظهرت دراسات حديثة أن مستوى الذكاء العاطفي لدى الأهالي يرتبط بشكل مباشر بجودة الحياة الأسرية. فكلما كان الأهالي أكثر قدرة على التحكم بانفعالاتهم، كلما قلّت النزاعات داخل الأسرة وزادت القدرة على تقديم الرعاية المتوازنة للأطفال. كما أن إدارة المشاعر بفعالية تقلل من احتمالية إصابة الأهالي بالاحتراق النفسي أو الاكتئاب، مما يتيح لهم الاستمرار في تقديم الدعم طويل المدى لأطفالهم.

تحديات تواجه الأهالي في تنمية الذكاء العاطفي

رغم الفوائد العديدة، إلا أن تنمية الذكاء العاطفي لدى الأهالي ليست مهمة سهلة. إذ قد يقف أمامهم عوائق مثل: ضغوط الحياة اليومية، نقص الوعي النفسي، أو عدم وجود موارد كافية للتدريب والدعم. هنا تأتي أهمية المبادرات المجتمعية والمؤسسات المتخصصة في تقديم برامج إرشاد نفسي للأهالي تركز على إدارة الانفعالات وتطوير مهارات الذكاء العاطفي.

خاتمة

إن الذكاء العاطفي والتحكم بالانفعالات ليس رفاهية نفسية، بل هما ضرورة أساسية للأهالي الذين لديهم أطفال من ذوي التوحد أو الاحتياجات الخاصة. فالقدرة على إدارة المشاعر تمنح الأهالي قوة داخلية تساعدهم على مواجهة التحديات اليومية، وتخلق بيئة أكثر أماناً ودعماً للأطفال. عندما يتعلم الأهالي كيفية فهم ذواتهم وتنظيم انفعالاتهم والتعامل مع الضغوط بمرونة، فإنهم لا يحمون أنفسهم فقط من التوتر والإرهاق، بل يزرعون أيضاً في نفوس أطفالهم نموذجاً يحتذى به في التوازن العاطفي. وفي نهاية المطاف، يظل الذكاء العاطفي أداة إنسانية قيّمة تضمن للأسرة التماسك، وللأطفال نمواً أكثر صحة واندماجاً في الحياة.

المراجع

  • Goleman, D. (1995). Emotional intelligence: Why it can matter more than IQ. Bantam Books.

  • Salovey, P., & Mayer, J. D. (1990). Emotional intelligence. Imagination, Cognition and Personality, 9(3), 185–211. https://doi.org/10.2190/DUGG-P24E-52WK-6CDG

  • Hartley, S. L., & Schultz, H. M. (2015). Support needs of fathers and mothers of children and adolescents with autism spectrum disorder. Journal of Autism and Developmental Disorders, 45(6), 1636–1648. https://doi.org/10.1007/s10803-014-2318-0

  • Lai, W. W., & Oei, T. P. (2014). Coping in parents and caregivers of children with autism spectrum disorders (ASD): A review. Review Journal of Autism and Developmental Disorders, 1(3), 207–224. https://doi.org/10.1007/s40489-014-0021-x

  • Altiere, M. J., & von Kluge, S. (2009). Family functioning and coping behaviors in parents of children with autism. Journal of Child and Family Studies, 18(1), 83–92. https://doi.org/10.1007/s10826-008-9209-y

  • Brackett, M. A., Rivers, S. E., & Salovey, P. (2011). Emotional intelligence: Implications for personal, social, academic, and workplace success. Social and Personality Psychology Compass, 5(1), 88–103. https://doi.org/10.1111/j.1751-9004.2010.00334.x

  • Weiss, J. A., Cappadocia, M. C., MacMullin, J. A., Viecili, M., & Lunsky, Y. (2012). The impact of child problem behaviors of children with ASD on parent mental health: The mediating role of acceptance and empowerment. Autism, 16(3), 261–274. https://doi.org/10.1177/1362361311422708