ترجمة : أ.نوره الدوسري
يشير مصطلح وقت الشاشة إلى الوقت الذي يقضيه الشخص في النظر إلى شاشة جهاز إلكتروني مثل التلفاز أو الهاتف الذكي أو الحاسوب أو أجهزة الألعاب. وقد تم إجراء العديد من الأبحاث العلمية حول العلاقة بين وقت الشاشة والصحة النفسية، بما في ذلك الدراسات الطولية التي تتابع الأفراد عبر فترات زمنية طويلة. وقد ركّزت هذه الأبحاث بشكل كبير، خصوصًا، على كيفية تأثر الأطفال والمراهقين باستخدام هذه الأجهزة. وكانت النتائج متباينة؛ إذ وجدت العديد من الدراسات آثارًا سلبية على الصحة النفسية مثل الاكتئاب والقلق و”ضبابية الدماغ” أو التشوش الذهني. وفي المقابل، أشارت بعض النتائج الإيجابية إلى وجود فوائد محتملة مثل تعزيز الإبداع، وزيادة الشعور بالرفاه النفسي، وتحسين بعض الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدى البالغين.
النتائج النفسية المرتبطة بالعمر: الأطفال والمراهقون
تؤثر المشكلات النفسية على ما يقارب 10% إلى 20% من الشباب في جميع أنحاء العالم، ويُعدّ أواخر فترة المراهقة مرحلة حرجة لظهور هذه المشكلات. ففي هذه المرحلة العمرية، ينتقل الشباب من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، وغالبًا ما يكون الانتقال إلى الجامعة أو الحياة الأكاديمية الجديدة تجربة مليئة بالتحديات لكثير منهم.
في السنوات الأخيرة، شهد استخدام الأجهزة الإلكترونية ارتفاعًا كبيرًا بين فئة الشباب، وفي الوقت ذاته تراجع مستوى الصحة النفسية والرفاهية لدى المراهقين بشكل ملحوظ. وقد برز الإفراط في وقت الشاشة كسلوك يُحتمل أن يؤثر في الصحة النفسية. وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن العديد من المراهقين لا يلتزمون بالإرشادات الموصى بها بشأن وقت الشاشة، والتي غالبًا ما توصي بالحد منه إلى ساعتين يوميًا.
كما أظهرت الأبحاث أن زيادة وقت الشاشة ترتبط بصورة سلبية بتقدير الذات، وبزيادة خطر الإصابة بالسمنة. ومن غير المستغرب أن زيادة انتشار استخدام الشاشات ارتبطت بانخفاض مستويات النشاط البدني. وقد أدى ذلك إلى تقليل الوقت الذي يقضيه الأفراد في الهواء الطلق والتفاعل مع الطبيعة. وبعبارة أخرى، فإن وقت الشاشة قد حلّ محل ما يُسمّى بـ”الوقت الأخضر”، أي الوقت الذي يقضيه الإنسان في الطبيعة.
وقد ارتبط استخدام المراهقين للشاشات سلبًا بالصحة النفسية المتدهورة نتيجة عدة عوامل، من أبرزها:
التنمر الإلكتروني (Cyberbullying): وهو الإيذاء أو المضايقة عبر الرسائل النصية أو عبر الإنترنت، مثل المنتديات، ووسائل التواصل الاجتماعي، أو الألعاب الإلكترونية.
الاستخدام القهري للإنترنت: وهو الحالة التي يعجز فيها المستخدم عن التحكم في مقدار الوقت الذي يقضيه في استخدام الإنترنت.
كما يُطرح تساؤل مهم: هل استخدام التكنولوجيا سلبي بالكامل؟ إن أي نقاش حول الآثار السلبية للتكنولوجيا يجب أن يُوازن مع الجوانب الإيجابية. فالاستخدام الرقمي يُستخدم بشكل واسع في التعليم، إضافة إلى أن بعض الدراسات تشير إلى أن أوقات الترفيه أمام الشاشة قد تعزز الشعور بالرفاهية النفسية في عالم أصبح أكثر ترابطًا.
النتائج النفسية المرتبطة بالعمر: البالغون
تمت دراسة العلاقة بين الأنشطة المعتمدة على الشاشات ومستوى النشاط البدني لدى البالغين أيضًا. وفي هذا السياق، يُنظر إلى وقت الشاشة باعتباره مؤشرًا على السلوك الخامل أو قلة الحركة. وبالإضافة إلى السمنة، فإن زيادة السلوك الخامل ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. ومع ذلك، فإن تحديد تأثيرات وقت الشاشة على الصحة النفسية لدى البالغين يُعد أكثر تعقيدًا وصعوبة.
من المهم فهم العلاقة بين الصحة الجسدية والصحة النفسية وربطها بوقت الشاشة. وقد أشارت الدراسات إلى أن تقليل وقت الشاشة مع زيادة النشاط البدني قد يكون مفيدًا بشكل كبير، خاصة لدى الرجال. ومع ذلك، قد لا يكون هذا الأمر سهل التطبيق دائمًا في عالم يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا.
فالكثير من الأشخاص يعتمدون على التكنولوجيا في أعمالهم اليومية. على سبيل المثال، من الصعب تخيّل العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات دون استخدام الحاسوب. ومع ذلك، توجد أيضًا جوانب إيجابية، مثل تحسين التوازن بين الحياة والعمل. إذ إن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يتيح لكثير من الأشخاص فرصة العمل عن بُعد أو من المنزل.
وبحسب بيانات صادرة عن المكتب الوطني للإحصاءات في عام 2019، فإن 53% من الموظفين في قطاع المعلومات والاتصالات قد استفادوا من العمل عن بُعد، بينما لم تتجاوز النسبة 10% في قطاع خدمات الإقامة والطعام.
وقت الشاشة والصحة النفسية في عصر جائحة كوفيد-19
عندما تم إعلان الجائحة العالمية في مارس 2020، فرضت الحكومة في المملكة المتحدة إجراءات إغلاق شاملة على السكان بهدف الحد من انتشار الفيروس بشكل كبير. وقد سمحت الإرشادات بالبقاء في المنزل مع السماح بالخروج فقط لأغراض ضرورية مثل التسوق، والرعاية الصحية، وممارسة قدر محدود من النشاط البدني (30 دقيقة يوميًا).
وقد تمت دراسة تأثير هذه الإجراءات على العزلة الذاتية، خصوصًا فيما يتعلق بزيادة وقت الشاشة وتأثيره على الصحة النفسية والرفاهية. وقد أظهرت النتائج أن الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية قد يكون له تأثير سلبي على الصحة النفسية. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أهمية وجود توازن صحي.
خلال فترات الإغلاق، كان استخدام التقنيات الرقمية الوسيلة الأساسية للبقاء على تواصل اجتماعي وعاطفي بين الناس، إذ اعتمد الأفراد على هذه الوسائل للتواصل مع العائلة والأصدقاء ومتابعة العمل والدراسة.
الخلاصة
في النهاية، لا يزال موضوع وقت الشاشة وتأثيره على الصحة النفسية محل نقاش مستمر بين الباحثين. فمن ناحية، قد يؤدي الإفراط في استخدام الشاشات إلى آثار سلبية على الصحة النفسية مثل القلق والاكتئاب وتراجع الرفاهية العامة. ومن ناحية أخرى، فإن الاستخدام المعتدل والمدروس للتكنولوجيا يمكن أن يوفر فوائد تعليمية واجتماعية ونفسية مهمة، خاصة في عالم أصبح أكثر اعتمادًا على الوسائل الرقمية.
وبالتالي، فإن المفتاح الأساسي لا يكمن في رفض التكنولوجيا بشكل كامل، بل في تحقيق التوازن في استخدامها بما يحافظ على الصحة النفسية والجسدية في آن واحد.
المرجع
Screen Time and Mental Health https://www.news-medical.net/health/Screen-Time-and-Mental-Health.aspx





