ترجمة: أ. جنا الدوسري
اضطراب طيف التوحّد (ASD) يُعد من أكثر الاضطرابات النمائية العصبية انتشاراً وتعقيداً، وهو اضطراب يظهر في الطفولة المبكرة ويستمر مدى الحياة. يتّسم بوجود سلوكيات نمطية متكررة وصعوبات واضحة في التواصل والتفاعل الاجتماعي. لكن التأثيرات المرتبطة باضطراب طيف التوحد لا تتوقف عند الجانب الاجتماعي فقط، بل تمتد لتشمل جوانب النمو الحركي أيضاً. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يعانون من صعوبات في المهارات الحركية الكبرى والدقيقة، مثل ضعف التوازن، صعوبة تنسيق الحركات، وقلة القدرة على التحكم الإرادي، وهذه التحديات تبدأ بالظهور منذ مرحلة الرضاعة. ومع ازدياد معدلات انتشار اضطراب طيف التوحد عالمياً، أصبحت الحاجة لفهم وتطوير التدخلات الحركية أكثر أهمية من أي وقت مضى، نظراً لدورها المحتمل في تحسين جودة الحياة والمهارات الوظيفية لدى هؤلاء الأطفال.
ورغم توافر عدد من الأبحاث التي تشير إلى أن النشاط البدني والتدخلات الحركية يمكن أن تساهم في تحسين التطور الحركي لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أن الأدلة العلمية المنهجية حول هذا الموضوع لا تزال أقل مما ينبغي. ومن هنا جاءت هذه المراجعة المنهجية الواسعة التي هدفت إلى تحليل الدراسات المنشورة حتى 30 يوليو 2023 بهدف تقييم أثر التدخلات القائمة على النشاط البدني والمهارات الحركية على التطور الحركي.
المنهجية:
أُجري بحث شامل في قواعد بيانات أكاديمية كبرى شملت: CNKI، PsycINFO، PubMed، Web of Science، وGoogle Scholar، باستخدام مجموعة واسعة من الكلمات المفتاحية المرتبطة باضطراب طيف التوحد والنشاط البدني والتطور الحركي. كما جرى استخدام أسلوب تتبع الاقتباسات للبحث عن دراسات إضافية، وتم الالتزام بإرشادات PRISMA الخاصة بالمراجعات المنهجية والميتا-تحليل لضمان جودة الإجراءات. شملت معايير الإدراج أن يكون المشاركون أطفالاً بعمر 18 عاماً أو أقل، وأن تركّز الدراسات على تدخل حركي أو نشاط بدني، وأن تكون النتيجة الأساسية مرتبطة بالتطور الحركي أو اكتساب المهارات أو الاحتفاظ بها أو انتقالها. كما شُترط أن تعتمد الدراسات تشخيص اضطراب طيف التوحد بناءً على DSM-IV أو DSM-5.
بعد جمع الدراسات، جرى استخدام برنامج Rayyan لإزالة التكرار، ثم استخراج البيانات المتعلقة بالعمر والجنس وتصميم الدراسة ونوع التدخل ومدته وأدوات القياس والنتائج الرئيسة. واعتمد الباحثون تحليلاً نوعياً نظراً لتنوع تصميم الدراسات ومقاييس التقييم المستخدمة.
النتائج:
من بين 8908 دراسة تم تحديدها بشكل أولي، استوفت 57 دراسة فقط معايير الاختيار. بلغ مجموع المشاركين 1622 طفلاً وشاباً من مستويات اضطراب طيف التوحد II–IV، تتراوح أعمارهم بين 3 و17 سنة. وتنوّعت تصاميم الدراسات بين 20 تجربة عشوائية مضبوطة، و22 دراسة شبه تجريبية، و13 دراسة بمجموعات تجريبية واحدة، ودراستين فرديتين. أما جودة الدراسات، فقد قيّمها الباحثون باستخدام مقياس PEDro، وتبين أن الجودة العامة منخفضة إلى متوسطة.
استخدمت الدراسات أدوات قياس معتمدة وشائعة في تقييم التطور الحركي، مثل MABC، BOT-2، TGMD-2، وKTK، إضافة إلى اختبارات فردية لقياس التوازن والقوة والسرعة ومهارات كرة القدم أو كرة السلة. أما التدخلات، فقد توزعت على خمسة أنواع رئيسية:
- تدخلات النشاط البدني.
- برامج المهارات الحركية المنظمة.
- العلاج بركوب الخيل أو المحاكاة المشابهة.
- ألعاب الحركة الإلكترونية (Exergaming).
- برامج التربية البدنية الموجهة.
تراوحت مدة الجلسات بين 2 و120 دقيقة، بعدد جلسات أسبوعية بين 1 و7، واستمر بعضها لشهور وصلت إلى 48 أسبوعاً. كما نُفّذت التدخلات في أماكن متنوعة شملت المدارس، مراكز العلاج، الصالات الرياضية، وبرك السباحة، مع مشاركة مختصين مثل معلمي التربية البدنية، المعالجين الحركيين، المدربين، وأحياناً المتطوعين أو الأقران.
أظهرت معظم الدراسات نتائج إيجابية واضحة، إذ لوحظ تحسن في التوازن والتنسيق والقوة والمهارات الحركية الكبرى والدقيقة. كما أشارت ثماني دراسات إلى وجود تحسن في اكتساب المهارات أو الاحتفاظ بها أو انتقالها من موقف لآخر، وهو جانب مهم لفهم فاعلية التدخلات على المدى الطويل. ومن النتائج اللافتة أن الأطفال الذين لديهم ضعف أكبر في المهارات الاجتماعية استفادوا أكثر من التدخلات الحركية مقارنة بغيرهم.
المناقشة:
تعكس النتائج أهمية النشاط البدني والتدخلات الحركية كعناصر علاجية فعالة تعزز من التطور العصبي والحركي لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد. فالنشاط البدني يعمل على تنشيط مناطق الدماغ المسؤولة عن الحركة، ويحفز الارتباطات العصبية، ويُشرك الحواس المتعددة في عملية التعلم، مما يسهم في تعزيز الكفاءة الحركية. كما أكدت المراجعة الحاجة إلى تطوير أدوات قياس أكثر دقة وحساسية يمكنها التقاط التغيرات الصغيرة في المهارات الحركية، خصوصاً في البيئات التي لا تتوفر فيها أدوات تشخيص متقدمة.
وتبرز أهمية مراعاة الفروق الفردية عند تصميم التدخلات، سواء من حيث العمر أو مستوى الذكاء أو شدة الاضطراب أو القدرات الحركية الأساسية. فالاستجابة للتدخلات تختلف من طفل لآخر، ما يجعل التخصيص ضرورياً لتحقيق أفضل النتائج. كما شددت المراجعة على أهمية دمج الأسرة والمدرسة والمجتمع في تقديم التدخلات، حيث إن البيئة الداعمة والمتسقة تسهم في تعزيز فرص الاحتفاظ بالمهارات وتطبيقها في مواقف الحياة اليومية.
غير أن المراجعة كشفت أيضاً عن عدد من القيود، أهمها قلة الدراسات التي بحثت في الاحتفاظ ونقل المهارات، إضافة إلى التباين الكبير في طبيعة التدخلات وطول مدتها وأدوات القياس المستخدمة، مما يجعل المقارنة بين الدراسات أمراً معقداً.
الخلاصة:
تؤكد الأدلة أن التدخلات الحركية والنشاط البدني تُعد أدوات فعالة وأساسية في تحسين التطور الحركي لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، وأنها تسهم بشكل مباشر وغير مباشر في رفع جودة حياتهم اليومية وتعزيز استقلالهم الوظيفي والاجتماعي، بالإضافة إلى تحسين قدراتهم على المشاركة في الأنشطة الجماعية والتفاعل مع أقرانهم. وتدعو النتائج إلى تطوير برامج محلية شاملة تعتمد على الأنشطة الحركية والرياضات التقليدية، مع التركيز على التكييف الفردي لتلبية احتياجات كل طفل، وتعزيز التعاون المستمر بين الأسرة والمدرسة والمجتمع لضمان بيئة دعم متكاملة. كما أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من الدراسات المنهجية طويلة المدى التي تستكشف أثر هذه التدخلات على الاحتفاظ بالمهارات المكتسبة ونقلها إلى سياقات حياتية مختلفة، لضمان بناء برامج علاجية مستدامة وفعّالة تلبي الاحتياجات المتعددة للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد.
المرجع:
Effects of Motor Skills and Physical Activity Interventions on Motor Development in Children with Autism Spectrum Disorder
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11899540/





