ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد عملية تقييم اضطراب طيف التوحد (ASD) من المهام المعقدة، خصوصاً في مجموعات سريرية مثل الأطفال المشخّصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، حيث تشير الدراسات إلى وجود تداخل كبير بين أعراض الاضطرابين، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التعايش بينهما. هذا التداخل يجعل من الصعب على الأطباء والباحثين التمييز بين الأعراض الناتجة عن ADHD والتي قد تتشابه مع مظاهر اضطراب طيف التوحد، وما إذا كانت هناك حاجة لتشخيص مستقل لـ ASD.
تهدف المراجعة المنهجية الحالية إلى تقييم مدى فاعلية أدوات التشخيص والفحص في استبعاد تشخيص اضطراب طيف التوحد بدقة لدى الأطفال المشخصين بـ ADHD. اعتمدت المراجعة على الدراسات التي بحثت في الخصائص النفسية القياسية لأدوات اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال في سن المدرسة ممن لديهم تشخيص مؤكد لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وقد تم تحليل البيانات المستخلصة من أدوات التقييم هذه بشكل سردي، مع تقييم احتمالية التحيز وقابلية التطبيق باستخدام أداة QUADAS-2، وهي أداة متخصصة لتقييم جودة الدراسات المتعلقة بدقة الاختبارات التشخيصية.
تم تحديد عشرين دراسة تناولت ثمانية أدوات للفحص والتشخيص، حيث أظهرت معظم الدراسات قدرة كافية لهذه الأدوات على تحديد من لا يعانون من ASD، رغم محدودية الأبحاث الخاصة بأداء أدوات التشخيص بشكل مباشر. ومن بين الأدوات، كانت “استبيان التواصل الاجتماعي” الأكثر استخداماً، وأظهرت نتائج متسقة من حيث الدقة النفسية عبر الدراسات المختلفة. ومع ذلك، أشارت تقييمات الجودة إلى وجود مخاطر عالية للتحيز في تكوين العينات، إذ أن نسبة كبيرة من الدراسات لم تمثل الفتيات بشكل كاف، كما قللت من تمثيل الأفراد الذين يعانون من صعوبات ذهنية. بالإضافة إلى ذلك، لم تعتمد العديد من الدراسات أفضل الممارسات التشخيصية، مثل التشخيص السريري الدقيق والاستقلالية في التقييم.
تشير النتائج إلى حاجة ملحة لإجراء مزيد من الأبحاث التي تركز على أداء أدوات ASD، مع إيلاء اهتمام خاص بالفتيات المشخّصين بـ ADHD والأفراد الذين يعانون من صعوبات إدراكية متزامنة. كما يجب أن تركز الدراسات المستقبلية على الممارسات المنهجية الصارمة، بما في ذلك الاعتماد على التشخيص السريري الدقيق واستخدام أساليب التقييم المعتمدة على التعمية لتقليل التحيز.
الروابط بين ADHD واضطراب طيف التوحد
تظهر الدراسات أن معدلات اضطراب طيف التوحد أعلى بين الأفراد المشخصين بـ ADHD مقارنة بالسكان العامين، حيث أظهرت بعض الأبحاث أن أكثر من نصف الأطفال المشخصين بـ ADHD يظهرون بعض سمات ASD، بينما يشخص جزء أقل منهم وفق معايير التشخيص الرسمية على أنهم يعانون من كلا الاضطرابين معاً. يفسر هذا التعايش المرتفع جزئياً بالأساس الوراثي المشترك بين الاضطرابين، بالإضافة إلى التشابه في المظاهر السلوكية. كما أظهرت الدراسات أن الفتيان والأطفال الذين لديهم معدل ذكاء أقل من المتوسط يمثلون نسباً أعلى في التعايش بين الاضطرابين.
تحديات التشخيص في حالة التعايش بين ADHD و ASD
تمثل عملية تقييم ASD لدى الأطفال المشخصين بـ ADHD تحدياً فريداً بسبب التداخل الكبير في الأعراض بين الاضطرابين. فكلاهما مرتبط بصعوبات في التواصل الاجتماعي، ومهارات التعرف على المشاعر، واختلافات في معالجة المحفزات الحسية. علاوة على ذلك، يظهر الأطفال المشخصين بـ ADHD صعوبة في تطبيق معرفتهم بالقواعد الاجتماعية بشكل فوري، وقد يتصرفون بطرق غير ملائمة مع أقرانهم، وهو ما قد يحاكي بعض مظاهر ASD. ومن جهة أخرى، يمكن تفسير العديد من السلوكيات المميزة للتوحد على أنها أعراض ناتجة عن ADHD. على سبيل المثال، صعوبة الحفاظ على محادثة قد تُفسر على أنها تحدٍ في التبادل الاجتماعي العاطفي (خاص باضطراب طيف التوحد) أو على أنها عدم الانتباه والمقاطعة المتكررة (خاص بـ ADHD).
عادةً ما يسبق تشخيص ADHD تشخيص ASD، ما يزيد من صعوبة التمييز بين الأعراض الزائدة عن المتوقع في ADHD والتي قد تستلزم تشخيص ASD إضافي. إلا أن الأدلة حول مدى دقة أدوات التشخيص والفحص في استبعاد ASD لدى الأطفال المشخصين بـ ADHD ما زالت محدودة. تشير بعض الدراسات إلى أن وجود ADHD يزيد من احتمال التشخيص الخاطئ لـ ASD عند استخدام أدوات الفحص الشائعة، حيث يمكن للسلوكيات المبالغ فيها أن ترفع درجات تقييم ASD حتى لدى الأطفال الذين لا يعانون من اضطراب طيف التوحد.
تحديات خاصة بالفتيات
تشخيص ASD لدى الفتيات المشخصات بـ ADHD قد يكون أصعب، نظراً لاختلاف عرض الأعراض بين الجنسين. الفتيات المشخصات باضطراب طيف التوحد عادة ما يظهرن صعوبات اجتماعية أقل في مرحلة الطفولة المبكرة، وأعراضهن المرتبطة بالسلوكيات المتكررة أقل وضوحاً مقارنة بالذكور. هذا يجعل من الصعب تمييز أعراض ASD عن الفروقات الاجتماعية الناشئة من ADHD.
الثغرات البحثية
على الرغم من الأدلة التي تشير إلى انخفاض الدقة التشخيصية لأدوات ASD، لم يتم حتى الآن مراجعة الأدبيات بشكل منهجي لتقييم مدى فاعلية هذه الأدوات في استبعاد ASD لدى الأطفال المشخصين بـ ADHD. بعض الدراسات ركزت على البالغين أو الأطفال الرضع، لكن القليل جداً تناول الأطفال في سن المدرسة، وهي مرحلة تظهر فيها تحديات الوظائف التنفيذية بشكل أكثر وضوحاً بسبب المتطلبات الدراسية والاجتماعية المتزايدة. غالباً ما تدمج الدراسات الحالية مجموعات المقارنة السريرية، مثل الأطفال ذوي صعوبات التعلم أو اضطرابات اللغة، مع ADHD، مما يجعل من الصعب فهم التحديات الخاصة بـ ADHD وحده. لذلك، فإن مراجعة أداء أدوات ASD ضمن عينات ADHD فقط أمر بالغ الأهمية لتسليط الضوء على تحديات التشخيص الفريدة لهذه المجموعة.
أهمية البحث
تُبرز هذه المراجعة كيف يمكن أن تؤثر أعراض ADHD على تقييم وتشخيص ASD. نظراً للتداخل الكبير في الأعراض بين الاضطرابين، فإن وجود أداة تشخيص ذات دقة عالية عند استخدامها على عينات مشخصة بـ ADHD يعزز الثقة في النتائج ويقلل من احتمالية التشخيص الخاطئ. تقليل الأخطاء التشخيصية يساهم بدوره في تحسين الوصول إلى التدخلات المتخصصة، ويقلل قوائم الانتظار للحصول على خدمات ASD، ويعزز دقة التقييمات لكل من اضطرابات النمو العصبي.
المنهجية
تم إجراء مراجعة منهجية للأدبيات باستخدام قواعد البيانات العلمية الكبرى مثل PubMed و PsycINFO و ERIC و Web of Science، مع التركيز على الدراسات التي تناولت علاقة ADHD بأدوات تشخيص ASD، بما في ذلك الخصائص النفسية والدقة في استبعاد الحالات غير المصابة. تم اختيار الدراسات التي تتعلق بالأطفال في سن المدرسة لتحديد مدى فعالية أدوات التقييم في هذه المرحلة الحرجة، حيث يبدأ التشخيص الدقيق لـ ADHD عادة، ويمكن لمهارات الوظائف التنفيذية أن تظهر بشكل واضح ضمن السياقات المدرسية والاجتماعية.
المرجع:
Performance of Autism Screening and Diagnostic Instruments Among
Children with ADHD: A Systematic Review
https://link.springer.com/content/pdf/10.1007/s10803-025-06857-1.pdf





