ترجمة: أ. سوار الماجري
1. عرض الإشكالية
1.1 المعايير التشخيصية
يُصنّف اضطراب طيف التوحد (TSA) كحالة عصبية-نمائية (Neurodevelopmental condition) تتجلى إكلينيكياً عبر قصور ملحوظ في التواصل الاجتماعي، مقترناً بوجود أنماط سلوكية تكرارية ومجالات اهتمام مقيدة (APA, 2022). ويشمل مفهوم التواصل الاجتماعي في هذا السياق: آليات التبادل العاطفي والاجتماعي المشترك، وسلوكيات التواصل غير اللفظي، والقدرة على استيعاب وإدارة العلاقات البينية.
أما فيما يخص السلوكيات النمطية والاهتمامات المقيدة، فهي تظهر على هيئة حركات نمطية متكررة، أو إصرار مفرط على الالتزام بالروتين، أو اهتمامات محدودة للغاية وغير مرنة، بالإضافة إلى استجابات حسية غير مألوفة (فرط أو ضعف الاستجابة للمثيرات). ويُشترط للتشخيص أن تكون هذه الأعراض قد ظهرت في مرحلة الطفولة المبكرة، وأن تؤدي إلى اختلال وظيفي جوهري في حياة الفرد.
1.2 المفاهيم والمصطلحات
يختلف مفهوم اضطراب طيف التوحد باختلاف المنظور؛ فـ “النموذج الطبي” يعتبره اضطراباً، بينما يتبنى آخرون منظور “التنوع العصبي” (Neurodiversity) الذي يعتبر اضطراب طيف التوحد اختلافاً في الأداء الوظيفي وليس مرضاً. في هذا النص، سيتم استخدام مصطلح “اضطراب طيف التوحد (TSA)” تماشياً مع الهدف العيادي للكتاب.
1.3 التأثيرات والمسار النمائي
تظهر أعراض التوحد في الطفولة المبكرة وقد تؤثر على الأداء التكيفي (Adaptive Functioning) للفرد، والذي يشمل المهارات المفاهيمية، والاجتماعية، والعملية. يتسم اضطراب طيف التوحد بالتباين الشديد (Heterogeneity) في شدة الأعراض ومستوى الدعم المطلوب، والذي صنف في الدليل التشخيصي (DSM-5-TR) إلى ثلاثة مستويات. بدون تدخل مناسب، تميل شدة الأعراض إلى الاستقرار، وقد لا يصل الأداء التكيفي إلى مستوى أقرانهم.
1.4 معدلات الانتشار
تشير البيانات العالمية والكندية إلى أن معدل انتشار اضطراب طيف التوحد يقارب 2%. وهو أكثر شيوعاً لدى الذكور بمقدار 4 إلى 5 أضعاف مقارنة بالإناث.
1.5 الأسباب
لا يوجد سبب وحيد للتوحد، بل ينتج عن تفاعل بين عوامل جينية وبيئية.
العوامل البيئية: تم دحض العلاقة بين اللقاحات (مثل لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية MMR) واضطراب طيف التوحد بشكل قاطع علمياً. تشمل عوامل الخطر المحتملة: تقدم عمر الوالدين، التعرض لبعض الأدوية (مثل الفالبروات) أثناء الحمل، وتلوث الهواء، لكن دون إثبات علاقة سببية مباشرة.
العوامل الجينية: أثبتت دراسات التوائم وجود دور جيني قوي، لكنه لا يفسر الاضطراب بنسبة 100%.
علم التخلق: وهو تأثير البيئة على التعبير الجيني دون تغيير بنية الحمض النووي، ويعد مجالاً واعداً لفهم آليات تطور اضطراب طيف التوحد.
1.6 الاضطرابات المصاحبة
يعاني 70-80% من الأطفال والمراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد من اضطرابات مصاحبة ، وأهمها:
الإعاقة الذهنية (DI): تتباين التقديرات، لكن دراسات حديثة تشير إلى أن حوالي 55% لديهم معدل ذكاء (IQ) أقل من 70.
القلق: يعاني منه حوالي 22.5% إلى 79% من ذوي اضطراب طيف التوحد.
اضطرابات المزاج: مثل الاكتئاب، وتتراوح نسبتها بين 6% و 54%.
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD): شائع جداً، حيث تصل نسبته إلى 36-59%.
السلوكيات المشكلة: تشمل العدوانية وإيذاء الذات، وتصل نسبتها إلى 30%.
2. عملية التقييم (Assessment)
2.1 الكشف المبكر
يهدف إلى تحديد الأطفال الذين يحتاجون لتقييم معمق. من الأدوات الشائعة:
M-CHAT-R/F: للأطفال من 16-30 شهراً.
CARS-II: مقياس ملاحظة لتحديد شدة الأعراض.
2.2 التقييم التشخيصي
يفضل أن يتم بواسطة فريق متعدد التخصصات. المعيار الذهبي (Gold Standard) للتشخيص يتضمن استخدام أداتين:
ADOS-2: أداة ملاحظة شبه منظمة لتقييم التواصل والتفاعل الاجتماعي واللعب.
ADI-R: مقابلة مفصلة مع الوالدين حول التاريخ النمائي للطفل.
التقييمات التكميلية: تشمل تقييم القدرات الذهنية (مثل مقياس وكسلر WISC-V) والسلوك التكيفي (مثل مقياس فاينلاند Vineland-3).
2.3 التقييم الوظيفي للسلوك (FBA)
يهدف لتحديد العوامل البيئية التي تحافظ على السلوكيات المشكلة. هناك أربع وظائف رئيسية للسلوك:
الانتباه: الحصول على انتباه الآخرين.
ملموس (Tangible): الحصول على شيء ملموس أو نشاط.
الهروب/التجنب: تجنب مهمة أو موقف.
غير اجتماعي (حسي): استثارة ذاتية داخلية.
3. التدخلات (Interventions)
3.1 التدخلات السلوكية (تحليل السلوك التطبيقي – ABA)
تعتبر التدخلات القائمة على “تحليل السلوك التطبيقي” من أكثر التدخلات فعالية.
3.1.1 خفض السلوكيات المشكلة:
تحديد وظيفة السلوك أولاً.
الإطفاء (Extinction): وقف التعزيز الذي يحافظ على السلوك (مثل التجاهل إذا كان الهدف هو الانتباه).
التدريب على التواصل الوظيفي (FCT): تعليم الطفل طريقة مقبولة طلب ما يريد.
التعزيز التفاضلي (Differential Reinforcement): تعزيز سلوكيات بديلة أو غياب السلوك المشكل.
3.1.2 تعليم سلوكيات تكيفية: تستخدم استراتيجيات مثل:
التشكيل (Shaping): تعزيز التقريبات المتتالية للسلوك المستهدف.
التلقين (Prompting): تقديم مساعدة (جسدية، لفظية، بصرية) ثم سحبها تدريجياً (Fading).
التسلسل (Chaining): تقسيم السلوك المعقد إلى خطوات صغيرة.
النمذجة بالفيديو (Video Modeling): عرض فيديو للسلوك المطلوب ليقوم الطفل بتقليده.
3.1.3 التدخل السلوكي المكثف المبكر (ICI / EIBI): برامج مكثفة (30-40 ساعة أسبوعياً) للأطفال في سن ما قبل المدرسة، تهدف لتطوير المهارات في كافة المجالات. تشمل نماذج مثل نموذج “لوفاس” ونموذج “دنفر للبدء المبكر” (ESDM) الذي يدمج اللعب والعلاقات الاجتماعية.
3.1.4 نظام التواصل بتبادل الصور (PECS): برنامج لتعليم التواصل الوظيفي عبر 6 مراحل، يبدأ بتبادل صورة مقابل شيء مرغوب، ويتطور لتكوين جمل.
3.1.5 برنامج تيتش (TEACCH): نهج تعليمي منظم يعتمد على تنظيم البيئة مادياً، واستخدام الجداول البصرية، والروتين، واستغلال اهتمامات الطفل الخاصة لتعزيز التعلم والاستقلالية.
3.2 التدخلات المعرفية السلوكية (CBT)
تستهدف بشكل خاص القلق والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد (خاصة ذوي الأداء الوظيفي العالي).
التكييفات اللازمة: يجب تكييف الـ CBT لتناسب اضطراب طيف التوحد عبر: تبسيط اللغة، استخدام الدعم البصري، دمج الاهتمامات الخاصة، وزيادة مشاركة الوالدين.
علاج القبول والالتزام (ACT): تدخل من الموجة الثالثة للعلاج المعرفي السلوكي، يهدف لزيادة “المرونة النفسية” من خلال 6 عمليات (مثل التقبل، وفصل الذات عن الأفكار، والعيش في اللحظة).
4. نصائح موجهة للوالدين
التحرك فوراً: عند الشك بوجود صعوبات، يجب استشارة المختصين فوراً لأن التدخل المبكر يزيد من الفعالية.
تكييف البيئة: استخدام وسائل بصرية، وتأسيس روتين يومي لزيادة التوقع وتقليل التوتر.
ضمان الاتساق: التنسيق بين المنزل والمدرسة ومقدمي الخدمات لتوحيد أساليب التدخل.
الاعتناء بالذات: الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية للوالدين ضروري للاستمرار في دعم الطفل.
5. الخاتمة
أنتجت المقاربات السلوكية والمعرفية السلوكية العديد من التدخلات القائمة على الأدلة. بالنسبة للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، يتم التركيز على التعليم المنظم والتعزيز. أما التدخلات المعرفية السلوكية فتستخدم غالباً لدعم الصحة النفسية (القلق والاكتئاب). نظراً لتباين اضطراب طيف التوحد، يبقى التدخل الفردي (Individualization) وفقاً لنقاط قوة واحتياجات كل فرد هو المفتاح الأساسي للنجاح.
المرجع:
Les interventions cognitivo-comportementales auprès des enfants et des adolescents ayant un trouble du spectre de l’autisme avec ou sans déficience intellectuelle





