الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

يستفيد كل من الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد وجهات إنفاذ القانون من التدريب

 

ترجمة: أ.أماني أبوالعينين 

 

قد يواجه الأطفال والبالغون المشخصين باضطراب طيف التوحد ، كغيرهم، مواقف مع جهات إنفاذ القانون في طفولتهم أو في مرحلة البلوغ. قد يحدث هذا عندما يفصح الطفل/البالغ المشخّص باضطراب طيف التوحد عن تعرضه للإيذاء، أو عندما يُشاهد أو يُشتبه في تعرضه للإيذاء ويُبلغ عنه للتحقيق . في هذه المرحلة الحساسة من حياتهم، من المهم ليس فقط أن تمتلك جهات إنفاذ القانون، وخدمات الحماية، والمحقق الجنائي المؤهل، الموقف والمهارات والمعرفة اللازمة، بل من المهم أيضًا أن يكون لدى الطفل/البالغ معلومات حول أفضل السبل للتعامل مع الموقف الذي يجد نفسه فيه. سواء أكان طفلاً أم بالغًا مشخّصا باضطراب طيف التوحد، وسواء أُحضر للاشتباه في سوء سلوكه أو كضحية لسوء سلوك، فإن بعض الاستعداد ضروري، وإلا فقد تسوء الأمور بشكل خطير.

يلعب الإيذاء والصدمات النفسية دورًا هامًا في حياة الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد  وغيره من الإعاقات النمائية. في بحثهما الرائد حول الإيذاء بين الأطفال ذوي الإعاقة، نشر سوليفان وكنوتسون (2000) نتائج تشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة عمومًا يتعرضون للإيذاء بمعدل 3.4 أضعاف نظرائهم من غير ذوي الإعاقة. وفي عام 1994، أشارت مراجعة سوبسي للدراسات إلى أن البالغين ذوي الإعاقات النمائية يتعرضون للإيذاء بمعدلات تتراوح بين 4 و10 أضعاف معدل تعرض الأفراد غير المشخّصين. ونظرًا لعدم وجود مسح وطني، أجرى مشروع الإعاقة والإيذاء (بالاديريان، كولمان، وستريم، 2012) مسحًا للتعرف على مدى انتشار الإيذاء وعواقبه. وقد أسفر المسح، الذي جمع 7289 ردًا، عن نتائج مفادها أن أكثر من 70% من الأشخاص ذوي الإعاقة قد تعرضوا للإيذاء (بالاديريان، كولمان، وستريم، 2012). ومع ذلك، لم يتم الإبلاغ عن معظم حالات الإيذاء. وأشار المشاركون في الاستطلاع إلى أن السبب الرئيسي لعدم الإبلاغ هو الخوف من عدم اتخاذ أي إجراء. من بين المستجيبين الذين أشاروا إلى أنهم أبلغوا عن الإساءة، قال أكثر من النصف إنه لم يتم فعل أي شيء من قبل جهات إنفاذ القانون (تتوفر نتائج البحث الكاملة على موقعنا الإلكتروني www.disabilityandabuse.org ).

من واقع خبرتي التي تمتد لأكثر من 35 عامًا، لاحظتُ أن موظفي الشرطة/الشريف وموظفي خدمات الحماية لا يتلقون تدريبًا كافيًا للتعامل مع الأفراد ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية عند بدء عملهم. وقد طُلب مني مؤخرًا التحدث عن التدريب المُقدّم لموظفي خدمات حماية البالغين في مقاطعة لوس أنجلوس. علمتُ أنه خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تم الإعلان ثلاث مرات عن دورة تدريبية جديدة عبر الإنترنت. حضرتُ هذه الدورة، ووجدتُ أنها لم تتضمن عبارة “ذوي الإعاقات النمائية” إلا مرة واحدة، ولم يكن أي جزء منها موجهًا لهذه الفئة تحديدًا، بل كان التركيز مُنصبًا بالكامل على كبار السن. أما بالنسبة للمقاطعات الأخرى في كاليفورنيا، فلا علم لي بالأمر. لكنني أعلم أن قلةً من القائمين على مثل هذه الدورات التدريبية يُعربون عن أسفهم لنقص التدريب على المستوى الوطني. الوضع مشابه بالنسبة لجهات إنفاذ القانون. قبل عدة سنوات، حصلتُ على منحة لتقديم تدريب مجاني لضباط إنفاذ القانون في جميع أنحاء الولاية باستخدام منهج تدريبي معتمد من مجلس معايير تدريب ضباط إنفاذ القانون (POST). كان هذا التدريب مُخصصًا للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية، بما في ذلك التوحد. رفضت إدارة شرطة لوس أنجلوس تلقي هذا التدريب بحجة أنها “تتلقى بالفعل تدريبًا على الأمراض العقلية”. شعرتُ بخيبة أمل كبيرة. لم يفلح أي شيء قلته، مثل “التوحد ليس مرضًا عقليًا”، في إقناع مدير التدريب. وأكد رجال إنفاذ القانون الذين خضعوا للتدريب أنه سدّ ثغرة مهمة في استعدادهم للعمل مع الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد  وغيرهم من ذوي الإعاقات النمائية.

من الضروري لأي شخص يتعامل مع الجمهور، كرجال إنفاذ القانون وفرق الاستجابة الأولى، أن يكون على دراية بالأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية، بما في ذلك التوحد. أحد الشعارات التي أُحبها هو: “عندما تقابل شخصًا واحدًا مشخّصا باضطراب طيف التوحد… فقد قابلت شخصًا واحدًا مشخّصا باضطراب طيف التوحد!. كل شخص مختلف تمامًا! لذا، يمكن إجراء تدريب باستخدام النموذج المعتاد “هذه هي الاختلافات، وهذه هي أوجه التشابه”، ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فهناك حساسيات وقدرات وأساليب تواصل وأنماط تواصل فريدة، بالإضافة إلى مشكلات في العلاقات، وغيرها، تتطلب من الضباط مراعاة هذه الحساسية. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن العديد من المشخصين باضطراب طيف التوحد  يفكرون حرفيًا. فعندما لا يُكيّف الضباط تواصلهم بما يتناسب مع هذه السمة الفريدة والمتكررة، قد لا يُدركون أنهم لا يستخدمون لغة معبرة تعكس ما يريدون إيصاله حقًا. سيساعد التدريب الجيد على زيادة وعيهم بأن استخدام الأمثال والسخرية والمزاح والأوامر قد لا يُفهم بالطريقة نفسها من قِبل المستمع المشخّص باضطراب طيف التوحد. ينبغي أن يكونوا على دراية بالطرق المتنوعة التي يتواصل بها الأطفال والبالغون المشخصين باضطراب طيف التوحد ، وخاصة أولئك الذين لا يتحدثون.

أخبرتني إحدى الأمهات أن ابنها، عندما كان في العاشرة من عمره، اختفى فجأة بينما كانت في المطبخ وكان هو في الخارج. سارعت بالبحث عنه. اتصل أحدهم بقسم الإطفاء نيابةً عنها. رأت سيارة إطفاء من بعيد، فتوجهت إليها. عند وصولها، كان هناك شرطي. سألته إن كان قد عثر على ابنها. طلب ​​منها وصفًا له، فأعطته إياه، فأمرها بمرافقته. توجها إلى مكان كان فيه أحد رجال الشرطة قد احتجز ابنها وقيده. كان الشرطي قد استجاب لبلاغ من امرأة رأت الصبي يلعب ببعض الألعاب في فناء منزلها، وقالت إنها تعتقد أن الصبي (وهو في العاشرة من عمره!) كان يتعاطى المخدرات. لم يكونا بالقرب من فناء المرأة، لذا تعتقد الأم أن ابنها ربما يكون قد هرب عندما وصل الشرطي. عند وصولها إلى المكان، طلبت من الشرطي فك الأصفاد، ففعل. طلبت الأم من الشرطي كتابة تقريره، لكنه رفض. ركبت الأم وابنها السيارة للعودة إلى المنزل. في المنزل، أخبرها أن الشريف قد قبض عليه وسأله عن اسمه. ولأنه لا يتكلم ويستخدم جهاز تواصل مساعد (ألفا سمارت)، فقد سلم الجهاز للضابط. ألقى الضابط الجهاز على غطاء سيارته وطالب الصبي مجددًا بذكر اسمه. ولأنه لم يستطع قول “أنا لا يتكلم”، اعتبر الضابط صمته تمردًا أو علامة خطر، فقيده بالأصفاد ثم ضربه في أعضائه التناسلية بهراوته. دون سابق إنذار. دون سبب. ودون أن يدرك الضابط أن الصبي المشخّص باضطراب طيف التوحد قد امتثل تمامًا لأوامره. ولم يقدم أي اعتذار عن سلوكه غير المحترم وغير القانوني.

أشارت دراسة حديثة لى أن برنامجًا تدريبيًا لضباط إنفاذ القانون حقق نتائج أفضل بعد التدريب مقارنةً بما قبل التدريب، ولكنه لم يُفضِ إلى إتقان المادة، وهو ما كان من شأنه أن يُحسّن الأداء الميداني. كما تقترح الدراسة أن التدريب الأكثر فعالية يتجاوز مجرد مشاهدة فيديو مدته 13 دقيقة، ليشمل معلومات أشمل حول التوحد نفسه، وكيفية ظهور أعراضه، والأهم من ذلك، كيفية تعديل سلوك الضباط ليُلائم احتياجات الأطفال والبالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد .

لهذا السبب أنصح الآباء بتعليم أطفالهم عكس ما يُعلّم عادةً. بمعنى آخر، يُعلّم معظم الأطفال أن رجل الشرطة “صديقهم” و”موجود لمساعدتهم”. صحيح أن هذا الأمر ضروري، ويجب على جهات إنفاذ القانون تقديم المساعدة إذا ضل الطفل طريقه، على سبيل المثال، لكن الأمور تتغير مع تقدم الطفل في السن وبلوغه سن الرشد.

بسبب الاختلافات في السلوك أو المظهر أو استخدام اللغة، قد يشكّ الضباط في المحتجزين عندما لا يتواصلون بصريًا، أو يكتفون بإجابات مقتضبة من كلمة أو كلمتين، أو يهزون أجسامهم، أو يصدرون أصواتًا غير لفظية. تُدرك الشرطة هذه “الاختلافات” وقد تُسارع إلى تفسير هذا السلوك على أنه سلوك شخص متوتر أو تحت تأثير المخدرات أو الكحول أو يعاني من مرض عقلي. يجب توسيع نطاق أسباب فهمهم لهذا السلوك ليشمل التوحد… لكن هذا يستغرق وقتًا طويلاً. وخلال هذه الفترة، يعاني العديد من المراهقين والشباب، إذ أدت معاملتهم على أيدي ضباط إنفاذ القانون غير المدربين إلى نتائج وخيمة ومعاناة كبيرة للشخص المشخّص باضطراب طيف التوحد ولأفراد أسرته.

بهدف معالجة بعض هذه المشكلات، وبتمويل من منحة مقدمة من فرقة عمل قانون العدالة في كاليفورنيا، قام فريقنا في مشروع CAN-DO (مشروع التوعية بإساءة معاملة الأطفال وإهمالهم لذوي الإعاقة)، ​​التابع لجمعية Arc في مقاطعة ريفرسايد، كاليفورنيا، بتطوير برنامج تدريبي شامل لمدة يومين لضباط إنفاذ القانون، والعاملين في مجال الحماية، والمدعين العامين، وغيرهم ممن يتعاملون مع الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية، ثم قدمنا ​​هذا البرنامج التدريبي في جميع أنحاء الولاية لمدة عامين. إضافةً إلى ذلك، قمنا بتطوير قرصي DVD تدريبيين لضباط إنفاذ القانون/العاملين في مجال الحماية/المستجيبين الأوائل. كان الهدف من الأول تحسين أداء الضباط والمحققين الجنائيين في إجراء المقابلات، بينما كان الهدف من الثاني تحسين أساليب المستجيبين الأوائل، وقد بُني هذا الأخير على محتوى البرنامج التدريبي.

إلى جانب تدريب متخصصي إنفاذ القانون وخدمات الحماية، من الضروري تزويد أولياء أمور الأطفال والبالغين المشخّصين باضطراب طيف التوحد بمعلومات دقيقة حول واقع التعامل مع جهات إنفاذ القانون. فرغم حسن نوايا معظم الضباط، إلا أنهم قد يسيئون فهم سلوك المشخصين باضطراب طيف التوحد  دون تدريب، وقد يلجؤون إلى الاحتجاز بدلاً من خلق بيئة آمنة للتواصل معهم.

آمل أن يصبح التدريب المناسب والمُدقّق إلزاميًا قريبًا لمن يستجيبون لنداءات الاستغاثة. المواد التدريبية متوفرة، وكذلك مقاطع الفيديو التدريبية. الأمر ببساطة يتعلق بتقدير قيمة السكان بالشكل اللائق. ما الذي يتطلبه الأمر؟ على الأرجح، ستكون هناك حاجة إلى قوانين تدريبية إلزامية وممولة. حاليًا، مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 11 (قانون لإضافة المادتين 13515.26 و13515.27 إلى قانون العقوبات فيما يتعلق بمعايير تدريب ضباط السلام) معروضٌ للنقاش في كاليفورنيا لإلزام الضباط بالتدريب. لكن، لا يزال من غير المعروف كيف سيتم تنفيذ هذا التدريب.

في غضون ذلك، من الضروري أن يكون الآباء على دراية بالمخاطر التي تواجه أطفالهم. بالنسبة لمعظم الناس، يُعدّ دخول مجال إنفاذ القانون كمشتبه به تجربة جديدة تمامًا. لذا، ينبغي التعامل مع الأمر بحذر، وبالاستعانة بمحامٍ، لا سيما محامٍ مُلمّ باضطراب طيف التوحد وصعوبات التواصل التي قد تنشأ. ولأنّ العديد من المشخصين باضطراب طيف التوحد  لا يتحدثون ويستخدمون وسائل تواصل بديلة ومعززة، فمن الضروري أن تنظر جهات إنفاذ القانون إلى هذه الوسائل كاستراتيجيات فعّالة، على مستوى لغة الإشارة الأمريكية. كما ينبغي أن يكونوا على دراية بقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة (ADA) وأن يلتزموا بمتطلبات التيسيرات المنصوص عليها فيه. وبالطبع، ينبغي على الآباء والأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد  أن يكونوا على دراية بقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة وحقوقهم في التيسيرات في حال احتجازهم أو تعرضهم لأي اعتداء. ويُنصح البالغون المشخصين باضطراب طيف التوحد  بعدم الإدلاء بأي تصريح، وهو حقّهم، في حال احتجازهم، إلى حين وصول أحد الوالدين أو المحامي.

لقد تناول مشروع الإعاقة والإساءة هذه القضايا على مدى عقود، وطوّر العديد من المنتجات التي يمكن لأي جهة استخدامها. نحن ندافع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لضمان احترام حقوقهم عند التعامل مع خدمات الحماية ووكالات إنفاذ القانون. تتوفر معلومات حول الحصول على أقراص DVD التدريبية ومناهج إنفاذ القانون على الموقع الإلكتروني للمشروع.

سأناقش في مقال لاحق متى يكون الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد  مشتبه بهم ويخضعون للتحقيق من قبل جهات إنفاذ القانون، بالإضافة إلى التوصيات للأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد  وأفراد أسرهم.

مراجع

Both Individuals with Autism and Law Enforcement Benefit from Training

https://autismspectrumnews.org/both-individuals-with-autism-and-law-enforcement-benefit-from-training