الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

اضطراب طيف التوحد: السمات النمائية، التحديات الحسية، واتجاهات التدخل العلاجي الحديثة

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يُعد اضطراب طيف التوحد (ASD) أحد الاضطرابات النمائية العصبية التي تتميز بصورة أساسية بوجود صعوبات واضحة في التواصل الاجتماعي، إلى جانب أنماط سلوكية واهتمامات مقيدة أو متكررة. ويُفهم هذا الاضطراب ضمن إطار تشخيصي حديث يركز على مجموعة من السمات الأساسية التي تظهر بشكل متفاوت بين الأفراد من حيث الشدة والتأثير، مما يجعل التوحد طيفًا واسعًا يضم درجات مختلفة من الاحتياجات والقدرات.

تتجلى الصعوبات المرتبطة بالتواصل الاجتماعي في عدة جوانب رئيسية، أبرزها ضعف التفاعل العاطفي والاجتماعي المتبادل. فالأطفال المصابون بالتوحد قد يواجهون تحديات في بدء أو استمرار الحوار الاجتماعي بالشكل المتوقع، كما قد تظهر لديهم استجابات اجتماعية غير نمطية، أو صعوبة في مشاركة الاهتمامات والمشاعر مع الآخرين. كذلك قد يلاحظ وجود قصور في القدرة على الانتباه المشترك، أو التعبير عن الانفعالات بطريقة تتناسب مع المواقف الاجتماعية.

إلى جانب ذلك، تظهر صعوبات في استخدام وفهم التواصل غير اللفظي، مثل تعبيرات الوجه، وإيماءات الجسد، ونبرة الصوت، وحركات العين. وغالبًا ما يكون هناك خلل في الدمج بين التواصل اللفظي وغير اللفظي، مما يؤدي إلى أنماط تواصل غير متناسقة أو يصعب تفسيرها من قبل الآخرين. كما يواجه العديد من الأطفال تحديات في بناء العلاقات الاجتماعية والحفاظ عليها، سواء مع الأقران أو في السياقات الاجتماعية المختلفة، حيث قد يجدون صعوبة في تكوين صداقات، أو في تعديل سلوكهم بما يتناسب مع المواقف الاجتماعية المتغيرة.

أما الجانب الآخر الأساسي في هذا الاضطراب فيتمثل في الأنماط السلوكية المقيدة والمتكررة. وتشمل هذه الأنماط تكرار الحركات أو الأصوات أو استخدام الأشياء بطريقة نمطية، إضافة إلى التمسك الشديد بالروتين ومقاومة التغيير حتى لو كان بسيطًا. كما قد يظهر لدى بعض الأفراد اهتمام شديد ومكثف بمواضيع محددة بشكل غير معتاد مقارنة بأقرانهم. ومن السمات المهمة أيضًا وجود استجابات حسية غير نمطية، سواء كانت زيادة مفرطة في الحساسية تجاه المؤثرات الحسية أو انخفاضًا في الاستجابة لها، وهو ما يُعرف بفرط أو ضعف الاستجابة الحسية.

تبدأ هذه السمات عادة في مرحلة الطفولة المبكرة، حتى وإن لم تكن واضحة بشكل كامل في جميع الحالات منذ البداية. ومع نمو الطفل وتزايد متطلبات الحياة الاجتماعية والتعليمية، تصبح هذه التحديات أكثر وضوحًا وتأثيرًا على الأداء اليومي. كما أن بعض الأطفال قد يعانون من صعوبات معرفية مصاحبة، رغم أن ذلك ليس شرطًا أساسيًا لتشخيص التوحد.

ومن الجوانب التي حظيت باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة مسألة المعالجة الحسية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. فقد تبين أن نسبة كبيرة منهم يعانون من صعوبات في معالجة المعلومات الحسية القادمة من البيئة المحيطة. ويمكن أن تتخذ هذه الصعوبات أشكالًا متعددة، مثل الحساسية المفرطة تجاه الضوء أو الأصوات أو اللمس، أو في المقابل ضعف الاستجابة للمثيرات الحسية بحيث لا يتم إدراكها أو الاستجابة لها بالشكل المتوقع.

وتشير الدراسات إلى أن هذه التحديات الحسية قد تكون شائعة بدرجة كبيرة بين الأطفال ذوي التوحد، إلا أن طبيعتها الدقيقة لا تزال غير مفهومة بشكل كامل. ويرجع ذلك جزئيًا إلى عدم وجود إطار تشخيصي موحد لفهم الاضطرابات الحسية لفترة طويلة، بالإضافة إلى صعوبة قياسها بشكل دقيق في السياقات السريرية. ومع ذلك، فإن إدراج بعض هذه الجوانب ضمن معايير التشخيص الحديثة يعكس الاعتراف المتزايد بأهميتها وتأثيرها على حياة الأفراد.

إن وجود هذه الصعوبات الحسية لا يمثل جانبًا ثانويًا، بل قد يكون له تأثير مباشر على جودة حياة الطفل وقدرته على التكيف. فعلى سبيل المثال، قد يعاني الطفل من انزعاج شديد تجاه الأصوات المرتفعة مثل بكاء الأطفال أو ضوضاء البيئة، أو قد يواجه صعوبة في تحمل بعض أنواع الملابس أو ملمس الطعام، أو الإضاءة القوية، أو حتى بعض الروائح. هذه الاستجابات قد تؤثر بشكل كبير على قدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية مثل العناية الذاتية أو الذهاب إلى المدرسة أو التفاعل الاجتماعي.

وفي المقابل، قد يظهر لدى بعض الأطفال ما يُعرف بالسلوكيات الحسية البحثية، حيث يسعون بشكل متكرر للحصول على مدخلات حسية معينة، مثل الحركة المستمرة أو لمس الأشياء أو التركيز المفرط على محفزات حسية محددة. وغالبًا ما يُلاحظ أيضًا ما يُعرف بسلوكيات “التحفيز الذاتي” أو التكرار الحركي، والتي قد تساعد الطفل على تنظيم استجابته للمثيرات البيئية أو التعبير عن احتياجاته الداخلية.

أما فيما يتعلق بالتدخلات العلاجية، فإن اضطراب طيف التوحد يُعالج من خلال مجموعة واسعة من الأساليب التي تختلف بحسب عمر الطفل ودرجة شدة الأعراض واحتياجاته الفردية. وتشمل هذه الأساليب التدخلات السلوكية، والبرامج التربوية، والعلاجات النفسية والاجتماعية، إضافة إلى بعض التدخلات الطبية أو التكاملية عند الحاجة. ولا يوجد حتى الآن علاج نهائي أو شافٍ للتوحد، كما لا يوجد إجماع عالمي على طريقة علاج واحدة تُعتبر الأفضل لجميع الحالات، وذلك بسبب التباين الكبير بين الأفراد.

تركز الأهداف العامة للعلاج عادة على تحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، وتقليل السلوكيات المقيدة أو المتكررة، وتعزيز الاستقلالية والقدرة على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية. كما يتم في كثير من الحالات التعامل مع الاضطرابات المصاحبة، مثل القلق أو صعوبات التعلم أو المشكلات السلوكية، من خلال تدخلات موجهة ومخصصة.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح هناك اهتمام متزايد بالتدخلات التي تستهدف الجوانب الحسية بشكل مباشر. هذه التدخلات تهدف إلى مساعدة الطفل على تنظيم استجابته للمثيرات الحسية المختلفة بطريقة أكثر تكيفًا، بحيث يتمكن من التفاعل مع البيئة بشكل أفضل. وقد تتضمن هذه التدخلات أنشطة حسية منظمة أو استخدام أدوات مثل الأوزان أو الوسائل التي توفر مدخلات حسية معينة، بهدف دعم التنظيم الحسي وتحسين الأداء الوظيفي.

وتُنفذ هذه التدخلات عادة من قبل مختصين مثل أخصائيي العلاج الوظيفي، أو من قبل المعلمين أو الوالدين أو مقدمي الرعاية، ضمن إطار علاجي متكامل. وغالبًا ما تُصمم هذه البرامج بشكل فردي بحيث تتناسب مع احتياجات كل طفل على حدة، مع التركيز على تحسين مهاراته اليومية مثل التواصل، والتفاعل، والقدرة على المشاركة في الأنشطة المختلفة.

ورغم انتشار هذه الأساليب، إلا أنها لا تزال غير موحدة بشكل كامل من حيث التعريف أو التطبيق، كما أن الأدلة العلمية حول فعاليتها تختلف من دراسة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن الاهتمام المتزايد بالجوانب الحسية يعكس تحولًا مهمًا في فهم اضطراب طيف التوحد باعتباره حالة متعددة الأبعاد، تتطلب تدخلات شاملة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب السلوكية والحسية والاجتماعية معًا، وليس فقط التركيز على جانب واحد منها.

وبشكل عام، يمكن القول إن فهم التوحد تطور بشكل كبير من كونه اضطرابًا يركز على السلوك الاجتماعي فقط، إلى كونه حالة معقدة تشمل التفاعل بين الدماغ والسلوك والإدراك والمعالجة الحسية. وهذا الفهم الأوسع ساهم في تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تنوعًا ومرونة، تهدف في النهاية إلى تحسين جودة حياة الأفراد المصابين وتمكينهم من التكيف والاندماج في بيئاتهم المختلفة بشكل أفضل.

 

المرجع:

Interventions Targeting Sensory Challenges in Children With Autism Spectrum Disorder—An Update [Internet].

 

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK448042/