الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تحليل السلوك التطبيقي ومهارات الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

يُعدّ اضطراب طيف التوحد (ASD) من الاضطرابات النمائية واسعة الطيف، حيث تختلف شدّته من حالات بسيطة إلى حالات معقدة تؤثر بشكل عميق في تفاعل الأطفال الاجتماعي وقدرتهم على التواصل. وغالباً ما يُظهر الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد مستويات منخفضة من التفاعل الاجتماعي، مع قدر من اللامبالاة تجاه الآخرين والبيئة المحيطة. ويظهر الاضطراب عادة قبل سن الثالثة، كما يشيع حدوثه بين الذكور أكثر من الإناث. ومن أبرز سماته السلوكية: التكرار النمطي في الأفعال، صعوبة التكيف مع التغييرات، والاستجابات غير المألوفة للمثيرات الحسية. ومع أنّ النظرة التقليدية كانت تفترض أن الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد غير قابلين للتدريب، إلا أن ظهور برامج متخصصة غيّر هذا الاعتقاد وفتح المجال لتطوير مهاراتهم بصورة ملموسة.

وقد صنّف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية – الإصدار الخامس (DSM-5) التوحد كاضطراب نمائي يُظهر خللاً في التفاعل الاجتماعي، التواصل اللفظي وغير اللفظي، إضافةً إلى الأنماط السلوكية المقيدة والمتكررة. وتستمر هذه التحديات عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤثرةً على العديد من الجوانب الوظيفية. ولأن غالبية الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات كبيرة في المهارات الاجتماعية والانفعالية ومهارات الحياة اليومية، فإن هذه المشكلات تنعكس مباشرة على تطورهم ونوعية حياتهم.

تشير المهارات الاجتماعية والانفعالية إلى مجموعة واسعة من القدرات والمعارف التي تمكّن الطفل من بناء علاقات فعّالة، وإدارة مشاعره، واتخاذ القرارات المناسبة، وحل المشكلات. وتشمل كذلك مستوى الوعي بالذات، القدرة على التعاطف، المرونة، والقدرة على الصمود. وتُعدّ جوانب القصور في هذه المهارات من أبرز التحديات التي تظهر لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، ما دفع الباحثين إلى التركيز على تعزيز التواصل الاجتماعي وتنمية المهارات الانفعالية كوسيلة أساسية لتحسين جودة حياتهم وحياة أسرهم.

وتُظهر دراسات عديدة أن الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يفتقرون غالباً إلى الوعي الانفعالي والقدرة على تنظيم مشاعرهم، مما يؤدي إلى استجابات غير مناسبة للمواقف المختلفة. كما أنهم يستخدمون استراتيجيات أقل تكيفاً في التنظيم الانفعالي، مثل إعادة التقييم المعرفي، ويعتمدون بشكل أكبر على أساليب التجنب. لذلك تُعدّ برامج تدريب مهارات التواصل جزءاً حيوياً في تحسين قدرتهم على بناء علاقات اجتماعية وتنظيم عواطفهم.

وعلى جانب آخر، يعاني الكثير من الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد – خصوصاً أولئك المقيمين في مؤسسات رعاية – من ضعف ملحوظ في مهارات الحياة اليومية، مثل العناية الذاتية والمهارات الاجتماعية العملية. وقد أظهرت الأبحاث أن أداء هؤلاء الأطفال في المهام اليومية أقل بكثير مقارنة بالأطفال النمائيين، مما يفرض على الأسر ومقدمي الرعاية مسؤولية أكبر لتقديم الدعم والتدخل المستمر.

يُعتبر تحليل السلوك التطبيقي (ABA) أحد أكثر الأساليب العلمية شيوعاً في فهم السلوك البشري وتعديله، إذ يعتمد على تحديد العوامل البيئية المؤثرة في السلوك وضبطها لتعزيز السلوكيات المرغوبة. ويستند ABA إلى أعمال بّي. إف. سكينر التي أكدت فاعلية تعديل المثيرات البيئية واستخدام التعزيز المنهجي. وقد أثبتت العديد من الدراسات قدرة ABA على تحسين السلوك الاجتماعي، والمهارات التواصلية، وتقليل السلوكيات غير المرغوبة لدى الأطفال في المؤسسات. كما دعمت التحليلات البعدية فاعلية ABA في تطوير اللغة، والمهارات الإدراكية، والسلوك التكيفي.

ورغم الانتشار الواسع لاستخدام ABA، إلا أنّ بعض الباحثين أشاروا إلى أن تأثيره قد لا يكون دائماً قوياً في الحد من أعراض التوحد لدى جميع الحالات، وأنه قد ينتج آثاراً غير مرغوبة في بعض الظروف. كما أوصت دراسات أخرى بدمج ABA مع نماذج معرفية وسلوكية لتعزيز فعاليته.

ويتمثل الهدف الأساسي من استخدام ABA مع الأطفال المقيمين في المؤسسات في تطوير المهارات الاجتماعية، والتواصلية، ومهارات الحياة اليومية، وذلك من خلال تعزيز السلوكيات المرغوبة وإضعاف السلوكيات غير المرغوبة. ويُنفّذ ذلك عبر التعزيز الإيجابي وتوفير بيئات تعليمية شبيهة بالبيئة الطبيعية لضمان تعميم المهارات. وقد أشارت الدراسات إلى الأهمية المتزايدة لـABA خصوصاً لدى الأطفال الذين يعاني أهلهم من ضغوط كبيرة، إضافةً إلى ندرة مهارات الاعتماد على الذات لدى الأطفال أنفسهم.

وترتكز الدراسة الحالية على إطارين نظريين رئيسيين:

  1. تحليل السلوك التطبيقي (ABA) بوصفه نظرية سلوكية تفسّر العلاقة بين البيئة والسلوك، وفقاً لمبادئ التعزيز والتحكم بالمثيرات.

  2. العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لمعالجة الجوانب الانفعالية والمعرفية المصاحبة للتوحد.

ويهدف الجمع بينهما إلى تطوير المهارات الاجتماعية والتواصلية ومهارات الحياة من خلال تعديل السلوك والعمليات المعرفية في آن واحد.

مبررات الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من الحاجة إلى معالجة التحديات الدقيقة التي يواجهها الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد في الجوانب الاجتماعية والانفعالية. فرغم كثرة الدراسات التي تناولت فاعلية ABA في تعديل المشكلات السلوكية، إلا أن الدراسات التي بحثت أثره في المهارات الاجتماعية والانفعالية لا تزال محدودة. ونظراً لأن صعوبات التفاعل الاجتماعي وتنظيم الانفعال تمثل محور الاضطراب، فإن فهم أثر ABA في هذه المهارات يُعدّ ضرورة بحثية ومهنية للارتقاء بجودة التدخلات المقدمة لهذه الفئة.

أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في جانبين:

الأول – أكاديمي: إذ تساهم في سدّ فجوة معرفية عبر تحليل الدور المحدد لـABA في تنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية.

الثاني – عملي: حيث تقدم نتائج يمكن أن تفيد المختصين والمعلمين والأسر في تصميم برامج تدخل فعّالة وموجهة.

وتخلص الدراسة إلى الفرضية التالية:

الـABA فعّال في تحسين المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد.

المنهجية

اعتمدت الدراسة على تصميم شبه تجريبي يضم مجموعة ضابطة وأخرى تجريبية، باستخدام تحليل التباين المصاحب. شملت العينة الأولية 60 طفلاً تراوحت أعمارهم بين 4 و11 عاماً. خضع 30 طفلاً للتدخل القائم على ABA لمدة 6 أسابيع بمعدل جلستين أسبوعياً (ساعة لكل جلسة). وأجرت أمهات الأطفال في كلا المجموعتين تعبئة مقياس «النزعات الاجتماعية والانفعالية لدى أطفال الروضة» قبل وبعد البرنامج.

النتائج

أظهرت النتائج تحسناً واضحاً في المهارات الاجتماعية والسلوكية والانفعالية لدى المجموعة التجريبية مقارنة بالضابطة. كما بينت الاختبارات الإحصائية أن أثر التدخل كان ذا دلالة إحصائية على مستوى .05. وظهرت تحسينات كبيرة في السلوك التكيفي، المهارات الاجتماعية، المهارات التواصلية، السلوكيات الغذائية، والقلق الانفصالي، بينما لم يظهر تحسن ملحوظ في مهارات الحياة اليومية.

المناقشة

تُظهر النتائج أن برنامج ABA يسهم بفاعلية في تطوير الكثير من المهارات الأساسية للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، مثل تنظيم الانفعال، فهم تعابير الوجه، مهارات الدور، مهارات الشكوى، والمهارات التواصلية. وقد ارتبطت هذه النتائج بما أشارت إليه دراسات عديدة أكدت قدرة ABA على تعليم المهارات الأساسية عبر التجزئة والتعزيز الفوري.

الخاتمة

تؤكد الدراسة فعالية ABA في تعزيز المهارات الاجتماعية والانفعالية والتواصلية، مع أثر واضح – وإن كان محدوداً – في مهارات الحياة اليومية. كما تؤكد ضرورة تدريب الوالدين والمتخصصين لضمان تعميم المهارات.

 

المرجع:

The effectiveness of applied behavior analysis program training on enhancing autistic children’s emotional-social skills

https://bmcpsychology.biomedcentral.com/articles/10.1186/s40359-024-02045-5?utm_source=chatgpt.com