الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تحليل السلوك التطبيقي (ABA): رحلة من التأسيس إلى المعيار الذهبي والتحديات الحالية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تم تطوير تحليل السلوك التطبيقي (ABA) لأول مرة في ستينيات القرن الماضي استنادًا إلى نظريات السلوك، على يد الباحث أ. إيفار لوفاس، ولاحقًا اكتسب شعبية كبيرة كوسيلة تعليمية للأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد (ASD). يعتمد ABA على الفكرة الأساسية بأن السلوك يمكن تحليله وتعلمه وتعديله من خلال التعزيز الإيجابي، وهو ما شكل الأساس النظري للممارسات التي طورتها مشاريع لوفاس مثل مشروع التوحد الشاب، والذي ركز على تعزيز السلوكيات الاجتماعية الإيجابية وتقليل الحاجة لاستخدام وسائل تقييد الأطفال الذين يظهرون سلوكيات إيذاء الذات.

يهدف ABA إلى تحسين السلوكيات الاجتماعية الهامة باستخدام مبادئ تحليل السلوك النظري، ويُعرف بقدرته على تعزيز المهارات الاجتماعية، والسلوك اللفظي، والمهارات الحياتية، وتنظيم العواطف، والاستقلالية، والمهارات الإدراكية، وتقليل السلوكيات التحدية مثل العدوان وإيذاء الذات. لتحقيق هذه الأهداف، يستخدم ABA مجموعة متنوعة من الأساليب والتقنيات، بما في ذلك:

  1. التدريب بالتجربة المنفصلة (Discrete Trial Training): يتم فيه تقسيم المهارات إلى خطوات بسيطة وتدريسها في جلسات فردية.

  2. التنبيهات أو الإشارات (Prompts): تقديم تلميحات للطفل لأداء السلوك المطلوب.

  3. نظام النقاط (Token systems): منح الطفل نقاطًا يمكن استبدالها لاحقًا بمكافآت.

  4. القصص الاجتماعية (Social stories): استخدام قصص لتعليم المواقف والسلوكيات الاجتماعية لتسهيل الاستجابة المناسبة.

  5. برنامج TEACCH: يركز على التعاون بين الوالدين والمختصين لتطوير خطة فردية تلبي احتياجات الطفل مع تعليم منظم.

  6. نظام تبادل الصور للتواصل (PECS): نظام يعتمد على الصور كوسيلة للتواصل، طوّره بروندي وفروست عام 1985.

عادةً ما يكون الالتحاق ببرامج ABA مفيدًا للأطفال الذين يعانون من مجموعة متنوعة من الإعاقات النمائية مثل التوحد، وفرط النشاط مع نقص الانتباه، واضطرابات اللغة والتواصل، بالإضافة إلى تحديات سلوكية، اجتماعية، وإدراكية. ويُحدد اختيار البرنامج بناءً على احتياجات الطفل الفردية وتحدياته الخاصة.

مدة وخصائص برامج ABA

تشمل برامج ABA نموذجين رئيسيين وفقًا لمجلس اعتماد محللي السلوك (BACB): النموذج الشامل والنموذج المركز.

  • النموذج الشامل: مناسب للأطفال الذين يحتاجون إلى تدخل مكثف لاكتساب المهارات الأساسية. قد يستمر هذا البرنامج لعدة أشهر أو سنوات، ويشمل عدة ساعات يوميًا وعدة أيام أسبوعيًا، مع إشراف مستمر من محللي السلوك المعتمدين. عادةً ما تتراوح مدة هذا النموذج بين 20 إلى 40 ساعة أسبوعيًا.

  • النموذج المركز: يركز على سلوكيات محددة لا تتطلب تدخلًا مكثفًا. يتميز هذا النموذج بالمرونة وعدد ساعات أقل، عادةً ما بين 10 إلى 15 ساعة أسبوعيًا، وهو مناسب للأطفال الذين يحتاجون إلى تدخلات محددة بدلًا من تطوير مهارات شاملة.

تقييم التحسن في ABA

يقوم تقييم التحسن باستخدام أدوات تقييم متنوعة لمقارنة الأداء قبل وبعد التدخل، ويشرف على هذا التقييم عادةً محللو سلوك معتمدون (BCBAs) والفنيون المختصون. من أبرز أدوات التقييم:

  • نموذج دينفر المبكر (ESDM): للأطفال من عمر 12 إلى 48 شهرًا، ويركز على المعالم التنموية المبكرة مثل التفاعل الاجتماعي، الإشارة، واتصال العين.

  • برنامج تقييم مراحل السلوك اللفظي (VB-MAPP): لتقييم اللغة والسلوك اللفظي وتحديد المهارات المستهدفة للعلاج.

  • جدول ملاحظة التشخيص لاضطراب طيف التوحد (ADOS): المعيار الذهبي لتشخيص ASD، ويقيّم التفاعل الاجتماعي، والتواصل، واللعب.

تشير التقارير إلى أن ABA يمكن أن يؤدي إلى تحسينات كبيرة في الاتصال، والتفاعل الاجتماعي، والمهارات التكيفية، وإدارة السلوك، والتحصيل الأكاديمي. ومع ذلك، قد لا يكون مناسبًا لجميع الأفراد، خاصةً من لديهم إعاقات إدراكية شديدة أو حالات طبية تؤثر على المشاركة، كما يمكن أن تكون تكلفة العلاج وندرة المختصين حاجزًا أمام الوصول للخدمة.

مسار ABA ليصبح المعيار الذهبي

اكتسبت طرق لوفاس في تطبيق التعزيز الشرطي على السلوكيات التحدية للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد شعبية في سبعينيات القرن الماضي، خاصة بعد تأسيس مجلة Journal of Applied Behavior Analysis (JABA) عام 1968. تأسيس مجلس اعتماد محللي السلوك (BACB) عام 1998 ساعد في تنظيم الممارسة المهنية. على الرغم من وصف ABA بأنه فعال، لم يتم استخدام مصطلح “المعيار الذهبي” رسميًا من قبل مؤسسات مثل المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH) أو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP).

ساهمت قضايا قانونية رعتها أسر الأطفال ومنظمات مثل Autism Speaks في صياغة سياسات تلزم شركات التأمين بتغطية ABA باعتباره علاجًا “ضروريًا طبيًا”، ما أدى إلى تعزيز مكانته كخيار أساسي لعلاج ASD. قوانين مثل Affordable Care Act عام 2010 ساعدت في تسريع عملية تغطية ABA كخيار علاجي فعال.

النقد والانتقادات

واجه ABA انتقادات متعددة:

  • استخدام العقوبات: تاريخيًا، استخدم ABA إجراءات عقابية تتضمن أساليب مؤذية مثل الصدمات الكهربائية، والتي تم التوقف عنها لاحقًا.

  • كثافة التدخل: ساعات العلاج العالية (20–40 ساعة/أسبوع) يمكن أن تكون مرهقة للأطفال، مما يثير التساؤل حول مدى ملاءمتها التطويرية.

  • تثبيط السلوكيات التلقائية: استهداف “stimming” أو السلوكيات التلقائية قد يقلل من آليات التأقلم لدى الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد.

الاتجاه نحو ABA تقدمي

ABA التقدمي يركز على طرق غير مؤذية وغير عقابية لتعديل السلوك، ويشجع على قبول التنوع العصبي، مع تعزيز نقاط القوة لدى الأفراد، بدلاً من محاولة فرض السلوكيات النمطية. دعا نشطاء مثل Amy Sequenzia إلى إعادة النظر في ممارسات ABA التقليدية، مؤكدين على احترام طرق التفاعل الطبيعية لدى الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد.

هل ABA علاج قائم على الأدلة؟

على الرغم من الانتشار الكبير لاضطراب طيف التوحد (حوالي طفل من بين 36 طفلًا في الولايات المتحدة)، لا تزال خيارات العلاج المبنية على الأدلة محدودة. بينما أظهرت الدراسات المبكرة لوفاس فعالية التدخل المكثف (35 ساعة/أسبوع)، أشارت الدراسات الحديثة إلى أن 15 ساعة أسبوعيًا قد تكون فعالة أيضًا حسب العمر والقدرات الإدراكية، مما يمنح المرونة للعائلات.

ومع ذلك، هناك نقص في الدراسات الطويلة الأمد والمقارنة، وعدم وجود بيانات كافية حول تأثير ABA على جودة الحياة، وهو ما أظهره استعراض منهجي حديث شمل 770 فردًا، حيث لم يُقيَّم سوى 4% مقارنةً بتدخلات أخرى.

الخلاصة

ASD حالة معقدة ومتغيرة، مع تحديات في التشخيص وأدوات التقييم، وهو ما يستدعي إعادة النظر في فهمنا لاضطراب طيف التوحد ضمن منظور التنوع العصبي. على الرغم من أن ABA أثبتت فعاليتها في بعض المجالات، مثل تحسين السلوكيات المرتبطة باضطرابات أخرى كـ ADHD وODD، إلا أن هناك نقصًا واضحًا في الأدلة الطويلة الأمد لدعم ادعائها بتحسين جميع جوانب ASD.

تظل الحاجة قائمة لإجراء دراسات مستقبلية شاملة، مع مقارنة ABA بطرق أخرى، وقياس تأثيرها على جودة حياة الأفراد، لضمان اتباع أساليب علاجية قائمة على أدلة علمية قوية وأخلاقيات مهنية دقيقة.

 

المرجع:

A Critical Review of Applied Behavior Analysis (ABA): Trends & Gaps

https://www.preprints.org/manuscript/202410.0413?utm_source=chatgpt.com