الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

عالم بلا مشاعر: فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر و اضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. أماني أبوالعينين 

 

قبل أن نخوض في تعريف صعوبة التعبير عن المشاعر واضطراب طيف التوحد، أودّ أن أرسم لكم صورةً في أذهانكم. تخيّلوا أنكم تعيشون في عالمٍ تبدو فيه المشاعر وكأنها غير موجودة – لا توجد فيه مؤشرات واضحة للغضب أو الحزن أو السعادة. لدرجة أنه حتى تصنيف هذه المشاعر غير ممكن – واقعٌ محايدٌ حيث يبدو الجميع متشابهين ويتحدثون بنفس الطريقة. كيف سيبدو هذا العالم بالنسبة لكم؟

 

بالنسبة للأشخاص المشخّصين بالعجز عن التعبير عن المشاعر، فإن هذه الصورة ليست بعيدة عن واقعهم اليومي. فالأفراد المشخّصون بهذه الحالة لديهم مشاعر، لكنهم يجدون صعوبة في إدراك مشاعرهم أو مشاعر الآخرين. كلمة “العجز عن التعبير عن المشاعر” مشتقة من الكلمات: “lexis” التي تعني مجموعة من الكلمات، و”thymos” التي تعني الحالة المزاجية أو العاطفة، و”a” التي ترمز إلى النقص. باختصار، هو عدم القدرة على التعبير عن المشاعر أو الحالات المزاجية بالكلمات أو المصطلحات المناسبة. وقد تم تقديم هذه الحالة لأول مرة في مجال الطب النفسي من قبل بيتر إي. سيفنيوس في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

تتشابه بعض أعراض صعوبة التعبير عن المشاعر مع أعراض اضطراب طيف التوحد، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت صعوبة التعبير عن المشاعر شكلاً من أشكال اضطراب طيف التوحد. ستتناول هذه المقالة أوجه التشابه بينهما، وتحدد ما إذا كانت هناك أدلة كافية تدعم هذا الادعاء. إن فهم العلاقة بين اضطراب طيف التوحد وصعوبة التعبير عن المشاعر قد يساعد الآباء على فهم حالة أطفالهم بشكل أفضل، ويتيح لهم ممارسات تدخل أكثر فعالية لتحسين قدرتهم على تنظيم مشاعرهم.

ما هو مرض أليكسيثيميا؟

يُعرَّف اضطراب أليكسيثيميا بأنه عدم القدرة على إدراك أو تحديد المشاعر الشخصية. ويشترك الأفراد المشخّصون بهذا الاضطراب في عدم قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم لفظياً إما بسبب نقص الوعي بها، أو بسبب احتمال الخلط بين المشاعر المختلفة.

وُجد أن هذه الحالة تتداخل مع أعراض اضطراب طيف التوحد. وتُعدّ صعوبة التعبير عن المشاعر شائعةً جدًا بين الأفراد المشخّصين بهذا الاضطراب، وقد أُجريت دراساتٌ على مدى العقدين الماضيين للتحقق من العلاقة بينهما. لفهم هذا التداخل، دعونا نلقي نظرةً أعمق على أعراض صعوبة التعبير عن المشاعر.

ما هي أعراض صعوبة التعبير عن المشاعر؟

وفقًا لبوكيروس وآخرون (2018)، تشمل خصائص صعوبة التعبير عن المشاعر ما يلي:

صعوبة في تحديد المشاعر والتمييز بين المشاعر والأحاسيس الجسدية الناتجة عن الإثارة العاطفية

صعوبة في وصف المشاعر للآخرين

انخفاض القدرة على التخيل والتصور

نمط معرفي مرتبط بالمحفزات وموجه نحو الخارج

ضعف القدرة على فهم وجهات نظر الآخرين، بالإضافة إلى صعوبة فهم مشاعر الآخرين ووصفها.

يؤثر نقص الوعي العاطفي على قدرة الفرد على فهم حالته العاطفية الذاتية؛ إذ يجد صعوبة في تفسير أو تمييز المحفزات العاطفية اللفظية وغير اللفظية، كتعابير الوجه أو نبرة الصوت. وبالتالي، يفتقر إلى القدرة على تنظيم مشاعره. وبالمثل، قد يجد صعوبة في فهم مشاعر الآخرين، مما يؤدي إلى صعوبات في التفاعل الاجتماعي.

مستويات التنظيم العاطفي

مستويات التنظيم العاطفي الثلاثة هي:

الاستجابة الأولية الناجمة عن العواطف

كبح المشاعر يحفز

تعديل الاستجابات العاطفية

بيئتنا هي المصدر الرئيسي لأي محفزات، بما في ذلك المحفزات العاطفية. وتعتمد استجابتنا لهذه المحفزات على مدى قدرتنا على تنظيم هذه المدخلات العاطفية. يساعدنا التنظيم العاطفي على تصفية جميع المدخلات والتركيز على المهم منها حتى لا يثير الخوف أو التوتر.

يواجه الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد والعجز عن التعبير عن المشاعر صعوبة في تنظيم عواطفهم بسبب صعوبة تحديدها. وهذا بدوره يجعل من الصعب عليهم الانتباه إلى المعنى الدلالي لتلك المشاعر، لأنهم لا يستطيعون تحديد المحفز العاطفي وكيفية التعامل مع المشاعر الناتجة عند حدوثها.

هل فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر شكل من أشكال اضطراب طيف التوحد؟

كما ذُكر سابقاً، يُعاني الشخص المشخّص بالخَلَل العاطفي من صعوبة في التفاعل الاجتماعي وبناء العلاقات، وفهم نوايا الآخرين ومواقفهم، بالإضافة إلى صعوبة في تمييز تعابير الوجه، وفهم النبرات العاطفية للكلام، وحركات الجسم وتعبيراته، واتخاذ قرارات تراعي وجهات نظر الآخرين. في المقابل، يُعاني بعض الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد من هذه الصعوبات.

في كلتا الحالتين، تشمل السمات العرضية صعوبات في التواصل وصعوبات اجتماعية، في حين قد يواجه بعض الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد صعوبات في المعالجة المعرفية لعواطفهم، وتحديدها، ووصف مشاعرهم.

يُعدّ فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر شائعًا في اضطراب طيف التوحد لدى كلٍّ من الأفراد ذوي الأداء الوظيفي المنخفض والعالي، ولذلك فإنّ صعوبات التعرّف على المشاعر لا ترتبط بالقدرات العصبية الإدراكية. ومن أوجه التشابه الأخرى بين فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر واضطراب طيف التوحد مفهوم التعاطف، حيث وجدت بعض الدراسات أنّ مستويات التعاطف تبدو منخفضة.

تشير كل هذه التشابهات إلى احتمال وجود تداخل بين صعوبة التعبير عن المشاعر واضطراب طيف التوحد. مع ذلك، لا يوجد دليل قاطع على أن صعوبة التعبير عن المشاعر هي شكل من أشكال اضطراب طيف التوحد. لكن يبدو واضحًا أن صعوبة التعبير عن المشاعر قد تحدث لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد.

اضطراب طيف التوحد وفقدان القدرة على التعبير عن المشاعر: نظرية العقل

نظرية العقل هي مهارة اجتماعية معرفية تُعرّف القدرة على التفكير في الحالة الذهنية للآخرين وكذلك الحالة الذهنية للفرد نفسه. وتشمل الحالات الذهنية المشار إليها هنا: المشاعر، والأحاسيس، والمعتقدات، والأفكار.

بحسب نظرية جان بياجيه في النمو المعرفي، غالباً ما تكون أفكار الأطفال وتواصلهم أنانية، إذ يعجز الطفل عن رؤية وجهة نظر الآخرين، ويفترض أنهم يشعرون ويفكرون ويسمعون ويشعرون بالطريقة نفسها التي يشعر بها. ومع التقدم في السن، تتلاشى هذه السمات الأنانية، وتظهر نظرية العقل.

تُؤثر نظرية العقل على قدرتنا على فهم الآخرين، واستنتاج طرق تفكيرهم وشعورهم، وهذا أمر بالغ الأهمية لتطوير المهارات الاجتماعية. يُعاني بعض الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد و الأشخاص الذين يُعانون من صعوبة في التعبير عن المشاعر من هذه الصعوبة بسبب صعوبة فهم مشاعرهم ومشاعر الآخرين.

وهذا يؤدي إلى فهم أن الشخص الذي يواجه صعوبات في معالجة وتحديد المشاعر لا يفتقر بالضرورة إلى نظرية العقل، بل هو غير قادر على ذلك لأن معالجته العاطفية متغيرة، مما يجعل من الصعب تفسير حالاته العقلية وكذلك حالات الآخرين.

هل يمكن أن يكون الشخص مشخّصاً بفقدان القدرة على التعبير عن المشاعر دون أن يكون مشخّصاً باضطراب طيف التوحد؟

من المهم الإشارة إلى أن صعوبة التعبير عن المشاعر ليست اضطراب طيف التوحد، بل هي ببساطة اضطراب في معالجة المشاعر يتزامن مع اضطراب طيف التوحد. وصعوبة التعبير عن المشاعر مفهوم نفسي يُعرَّف بصعوبات في معالجة المشاعر، ولذلك لا ينبغي اعتباره تشخيصًا لحالة مرضية.

كما نعلم، يتميز اضطراب طيف التوحد بمجموعة متنوعة من السمات. وتختلف هذه السمات بين كل فرد ضمن اضطراب طيف التوحد، مما يُشير إلى وجود تباين كبير في الكفاءة العاطفية لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد. وبناءً على ذلك، يُمكن الاستنتاج أنه على الرغم من أن الأبحاث تُشير إلى أن صعوبة التعبير عن المشاعر قد تتزامن مع اضطراب طيف التوحد، إلا أن صعوبة التعبير عن المشاعر قد تحدث دون تشخيص اضطراب طيف التوحد، وأن ليس كل شخص ضمن اضطراب طيف التوحد يُعاني من صعوبة التعبير عن المشاعر. فقد تحدث الحالتان دون وجود الأخرى.

صعوبة التعبير عن المشاعر وحالات أخرى

وقد وجدت الدراسات التي تركز على علاقة فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر باضطرابات الأكل ارتباطًا بين الأفراد المشخّصين باضطرابات الأكل مقارنة بأولئك الموجودين في مجموعة تحكم “صحية”.

تبين أن الأفراد المشخّصين باضطرابات الأكل يواجهون صعوبة في تحديد مشاعرهم والتعبير عنها. ويعود ذلك إلى لجوء هؤلاء الأفراد، الذين يعانون من صعوبة في معالجة المشاعر، إلى ممارسات غير تكيفية كآلية للتكيف؛ وتشمل هذه السلوكيات الغذائية غير التكيفية التقيؤ، وتقييد النظام الغذائي، والإفراط في تناول الطعام.

يذكر نوفاكوفسكي وآخرون (2013) أنه عندما يُعلَّم الأطفال أن المشاعر سلبية (أي مخيفة أو غير مقبولة)، فإن ذلك يؤدي إلى الاعتقاد بأنه لا ينبغي التعبير عن هذه المشاعر. وعندما يشعر الشخص بهذه المشاعر، فإنها تُولِّد مشاعر ثانوية مثل الشعور بالذنب أو الخجل. ويتبع ذلك سلوكيات غير تكيفية للتكيف مع هذه التجارب.

وجدت الدراسة التي أجراها نوفاكوفسكي وآخرون أن الأفراد الذين يعانون من اضطرابات الأكل لديهم مستويات عالية من الصعوبة في تحديد ووصف مشاعرهم؛ ربما يرجع ذلك إلى نقص التنظيم العاطفي.

التدخلات لعلاج صعوبة التعبير عن المشاعر

تُعدّ العلاجات أو التدريبات التي تُعلّم الإشارات الاجتماعية وآداب التواصل مفيدةً لكلٍّ من اضطراب طيف التوحد والعجز عن التعبير عن المشاعر، حتى في غياب العجز عن التعبير عن المشاعر. إليك بعض النصائح والأفكار لتعليم طفلك التعرّف على المشاعر.

الوسائل البصرية المساعدة

استخدم صورًا بصرية معبرة عن المشاعر لتعليم طفلك التعرف على تعابير الوجه العاطفية.

علّم طفلك أنواع المشاعر المختلفة من خلال الصور، وتدرب على تقليد تلك التعبيرات بلغة الجسد.

العلاج السلوكي المعرفي للتعرف على المشاعر

يُعد العلاج السلوكي المعرفي علاجًا فعالًا في كثير من الأحيان لتنظيم المشاعر وإدارتها. وتساعد تقنيات العلاج المعرفي الأفراد على تحديد وتقييم المعتقدات والأفكار الخاطئة المتعلقة بالمشاعر.

يُعدّ الوعي التام جوهر العلاج السلوكي المعرفي لتعليم تنظيم المشاعر. فهو يُعلّم الناس كيفية تحديد مشاعرهم واستكشاف جوانبها من خلال أجسادهم.

بالنسبة للأفراد الذين يعانون من صعوبة التعبير عن المشاعر، هناك تقنيات محددة تساعدهم على التعرف بشكل فعال على المشاعر التي قد لا تكون واضحة لهم، والتعامل معها، والتعبير عنها بشكل متماسك، بالإضافة إلى تحسين قدرتهم على تذكر الذكريات العاطفية.

إعادة التقييم المعرفي

يهدف إعادة التقييم المعرفي إلى تغيير طريقة تفكيرنا لتعليمنا طريقة بديلة ومتكيفة للنظر إلى الموقف. بالنسبة للأطفال الذين يعانون من صعوبة التعبير عن المشاعر وكذلك اضطراب طيف التوحد، يمكن أن تساعدهم هذه التقنية على فهم أن المحفزات ليست بالضرورة مصممة لإلحاق الضرر بهم.

من خلال الجمع بين العلاج السلوكي المعرفي وإعادة التقييم المعرفي، يمكن للطفل أن يتعلم أن لكل من المشاعر، سواء كانت حزينة أو سعيدة أو غاضبة، غرضاً.

خاتمة

لا يُعدّ فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر تشخيصًا سريريًا بالضرورة، بل هو وصف لنمط من أنماط الشخصية التي قد تظهر لدى عامة الناس. وتزداد نسبة انتشار هذه الحالة بشكل ملحوظ بين الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد. وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة وثيقة بين فقدان القدرة على التعبير عن المشاعر وصعوبات معالجة المشاعر، وبين الاكتئاب والقلق.

قد يؤدي عدم القدرة على إدراك المشاعر الشخصية إلى الاكتئاب، وذلك بسبب عدم القدرة على تحديد وفهم الصراعات الداخلية على حقيقتها، والتعبير عنها أو شرحها للآخرين. لذا، فإن الشخص المشخّص بالخَلَل العاطفي أو اضطراب طيف التوحد، والذي يواجه صعوبات في تنظيم المشاعر أو التعرف عليها، قد يعاني من القلق والاكتئاب.

يواجه بعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد تحديات متنوعة في المهارات الاجتماعية والتحكم العاطفي، مما قد يُسبب لهم القلق أو السلوك العدواني. قد يعود هذا التحدي إلى صعوبة فهمهم للعالم المحيط بهم. في مجتمعنا، لا تزال تجربة الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد غير مفهومة تمامًا، ولذا لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله لزيادة الوعي والتقبّل لاضطراب طيف التوحد في مجتمعنا.

إذا كان هذا هو الحال، فقد لا يعاني الطفل بالضرورة من صعوبة التعبير عن المشاعر، بل يحتاج إلى التدريب والتعليم اللازمين لفهم العالم من حوله؛ بالإضافة إلى تعلم الإشارات الاجتماعية حتى يكون أكثر تكيفًا مع مواجهة حقائق مجتمع “طبيعي عصبيًا”.

مراجع

A World Without Emotions: Alexithymia and Autism

https://autismspectrumnews.org/a-world-without-emotions-alexithymia-and-autism