الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التدخلات المعرفية السلوكية مع الأطفال والمراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. نورهان مشي

 

1. تقديم المشكلة والأبعاد المفاهيمية

1.1 المعايير التشخيصية والتأطير النظري

يُعرف اضطراب طيف التوحد (Trouble du spectre de l’autisme – TSA) وفقاً للنسخة النصية المحدثة من الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين (APA, 2022) بأنه حالة عصبيّة نمائيّة تتجلى أساساً عبر بُعدين رئيسيين:

  1. صعوبات مستمرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي: وتشمل القصور في التبادل الاجتماعي-العاطفي، وعجز سلوكيات التواصل غير اللفظي، وصعوبة تطوير العلاقات Interpersonnelles وصيانتها وفهمها.

  2. أنماط سلوكية واهتمامات مكررة ومحدودة: وتظهر في الحركات أو الألفاظ النمطية المكررة، والتمسك الصارم بالروتين والطقوس، والاهتمامات الثابتة ذات الشدة غير العادية، بالإضافة إلى الفرط أو الخمول في الاستجابة للمدخلات الحسية البيئية.

تستوجب المعايير التشخيصية ظهور الأعراض في المرحلة النمائية المبكرة، وأن تسبب إعاقة دالة ومباشرة في الوظائف الحيوية واليومية للشخص، شريطة ألا تكون هذه الصعوبات مفسرة بشكل أفضل بالإعاقة الفكرية (DI) أو التأخر النمائي الشامل.

1.2 النمذجة والمصطلحات: النماذج الطبية مقابل التنوع العصبي

تتنوع وجهات النظر المفاهيمية المؤطرة للتوحد؛ حيث ينظر “النموذج الطبي” (Modèle médical) للتوحد كحالة مرضية أو خلل وظيفي محدد يحتاج إلى تقييم وتدخل لعلاجه. في المقابل، يرفض منظور “التنوع العصبي” (Neurodiversité) الفكرة الطبية القائمة على الوصم، معتبراً أن التوحد يمثل تبايناً عصبيّاً طبيعياً ضمن التنوع البشري، إذ لا يوجد أداء دماغ مفترض أنه “طبيعي” وآخر “غير طبيعي”، بل اختلافت وفروق في معالجة المعلومات والذكاء.

ينعكس هذا الاختلاف على المصطلحات المستعملة في الأدبيات الشفهية والكتابية:

  • مصطلحات الشخص أولاً (Person-first language): مثل “شخص لديه توحد” أو “شخص يعاني من TSA”، وتهدف إلى فصل الإنسان عن تشخيصه.

  • مصطلحات الهوية أولاً (Identity-first language): مثل “شخص توحدي”، وتؤكد أن التوحد جزء لا يتجزأ من هوية الفرد وكيانه الذاتي.

  • المصطلحات المحايدة: مثل “شخص على طيف التوحد.

ويرى مؤلفو الفصل الحاضر (Dufour, Préfontaine, & Lanovaz) أهمية احترام تفضيل كل فرد، مع اعتماد صيغة “شخص لديه TSA” في السياق المنهجي لهذا الفصل السريري الموجه للتشخيص والتدخلات السلوكية.

2. المسار النمائي، الأداء التكيفي، والانتشار الوبائي

2.1 الأداء التكيفي وحجم الدعم

إلى جانب الأعراض النمائية الأساسية، يؤثر التوحد بشكل مباشر على الأداء التكيفي (Fonctionnement adaptatif)، والذي يُعرف بأنه المهارات المكتسبة طوال العمر والتي تمكّن الفرد من الاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية. وتصنف الجمعية الأمريكية للإعاقات الفكرية والنمائية (AAIDD) هذه المهارات ضمن ثلاثة أبعاد رئيسية:

  1. البُعد المفاهيمي (Conceptuel): مهارات التواصل، الأكاديميات الوظيفية، والمسؤولية الذاتية.

  2. البُعد الاجتماعي (Social): المهارات الاجتماعية، تكوين الصداقات، والأنشطة الترفيهية.

  3. البُعد العملي (Pratique): أنشطة الحياة اليومية، العناية الذاتية، الاستقلالية، الأمان، واستخدام الموارد المجتمعية.

يحدد الدليل التشخيصي (DSM-5-TR) ثلاثة مستويات من الشدة بناءً على حجم الدعم المطلوب:

  • المستوى 1: يتطلب دعماً (Soutien).

  • المستوى 2: يتطلب دعماً كبيراً (Soutien substantiel).

  • المستوى 3: يتطلب دعماً كبيراً جداً (Soutien très substantiel).

دون تدخل ملائم ومبكر، تميل شدة الأعراض التوحدية إلى الاستقرار عبر الزمن، ويبقى الأداء التكيفي لأغلب الأفراد التوحديين أدنى من أقرانهم في المجتمع العام، مما يستدعي التكيف المنهجي في المدارس وبيئات العمل لتعزيز الإدماج والمشاركة الاجتماعية.

وتُقدر الدراسات الحديثة وجود نحو 78 مليون شخص على طيف التوحد حول العالم.

  • كندا: يوضح المسح الكندي لصحة الأطفال والشباب (2019) أن 1 من كل 50 طفلاً ومراهقاً دون سن 17 سنة يُشخص بالتوحد (حوالي 2%).

  • كيبك: تسجل البيانات انتشاراً قدره 1.7% لدى الأطفال والمراهقين.

  • الفروق بين الجنسين: يُشخص التوحد لدى الذكور بمعدل يتراوح بين 4 إلى 5 أضعاف الإناث.

3. السبب الإيتولوجي والتفاعل الجيني-البيئي

لا يوجد سبب واحد يفسر نشوء التوحد؛ إذ تجمع النماذج الحالية على أنه ينتج عن تفاعل معقد بين عوامل جينية متعددة وعوامل بيئية عبر آليات فوق جينية (Épigénétique).

3.1 العوامل البيئية وتفنيد المغالطات

أثبتت الأبحاث المستفيضة عدم وجود أي علاقة سببية بين التوحد واللقاحات، وخاصة لقاح الحصبة والنكاف والحمى النمساوية (RRO)، حيث تبين بطلان وتزييف الادعاءات السابقة. كما ثبت عدم وجود دور للمواد الحافظة مثل “الثيميروسال” (Thimérosal)، أو استخدام تقنيات الإخصاب المساعد، أو تدخين الأم أثناء الحمل.

تشمل العوامل البيئية المرتبطة إحصائياً بازدياد خطر الإصابة (دون ثبوت علاقة سببية مباشرة):

  • العمر المتقدم للوالدين عند الإنجاب.

  • تعرض الأم أثناء الحمل لعقار الفالبروات (Valproate – المخصص للصرع واضطرابات المزاج).

  • ارتفاع مستويات تلوث الهواء، والإصابة بالعدوى الفيروسية أثناء الحمل.

  • ارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل (Prééclampsie).

3.2 العوامل الجينية والإبيجينات (فوق الجينات)

أوضحت دراسات التوائم دور الجينات الفاعل؛ حيث تبلغ نسبة التوافق التشخيصي لدى التوائم المتطابقة (Monozygotes) ما بين 47% و96%، مقابل نسب أدنى لدى التوائم غير المتطابقة (Dizygotes). إن عدم وصول نسبة التوافق إلى 100% بين التوائم المتطابقة جينياً يبرهن على أن الجينات وحدها لا تفسر ظهور التوحد.

تؤكد المعطيات الحالية مشاركة مئات التباينات الجينية النادرة والشائعة دون وجود جين منفرد مسؤول بذاته عن الاضطراب. ويأتي دور الإبيجينات (Épigénétique) ليفسر كيف تؤثر العوامل البيئية على طريقة إظهار التعبير الجيني وتعديله دون تغيير السلسلة الأساسية للحمض النووي (DNA)، مما يفتح آفاقاً واعدة لاكتشاف المؤشرات البيولوجية (Biomarqueurs) المساعدة في التنبؤ والتشخيص المبكر.

4. المراضة المصاحبة (Comorbidités)

تُظهر البيانات أن 70% إلى 80% من الأطفال والمراهقين التوحديين يعانون من اضطراب نفسي أو نمائي المصاحب واحد على الأقل. وتزيد المراضة المصاحبة من تعقيد التقييم وزيادة مدته. فعلى سبيل المثال، يتأخر تشخيص التوحد بنحو 3 سنوات لدى الأطفال الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه المصاحب.

 

56.1 أجهزة أدوات الفحص المبكر والتقييم Diagnostic

  1. أداة M-CHAT-R/F: استبيان فرز موجه للأطفال من 16 إلى 30 شهراً يتكون من 20 سؤالاً بإجابة (نعم/لا) تعقبه مقابلة معيارية. يمتلك الاتساق الداخلي (Cronbach =0.79)؛ وتصل نسبة احتمال التشخيص بالتوحد عند إيجابية الفحص إلى 47.5% ونسبة احتمال وجود تأخر نمائي إلى 94.6%.

  2. مقياس CARS-2: أداة ملاحظة تقيم سلوكيات الطفل وتحدد مستوى الشدة بررتب اتساق داخلي تبلغ 0.90، ويُوصى باستخدامه مقترناً بأدوات أخرى لزيادة التحديد التشخيصي.

  3. أداة ADOS-2: تُعد المقياس المرجعي الذهبي للملاحظة المباشرة وتتكون من 5 نماذج شبه موجهة تختار حسب العمر والقدرات اللغوية من عمر 12 شهراً إلى البالغين.

  4. مقابلة ADI-R: المقابلة السريرية النمائية الموجهة للوالدين للتقصي عن تاريخ ظهور الأعراض منذ الطفولة المبكرة.

6.2 التقييمات التكميلية وتقييم السلوك التكيفي

  • اختبارات الذكاء: مقاييس وكسلر للأطفال والمرحلة ما قبل المدرسية (WPPSI-IV من 2.5 إلى 7.7 سنوات) واختبار (WISC-V من 6 إلى 16.11 سنة) لتقييم الفهم اللفظي، الأداء البصري المكاني، التفكير السيال، الذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة.

  • مقياس Vineland-3: المقياس المعتمد لتقييم السلوك التكيفي من عمر 0 إلى 90 سنة، وتقييم مجالات التواصل، مهارات الحياة اليومية، والتنشئة الاجتماعية.

6.3 التقييم الوظيفي للسلوك (Évaluation fonctionnelle du comportement – ÉFC)

يهدف التقييم الوظيفي للسلوك إلى تحديد المثيرات القبلية والظروف البيئية والنتائج المعززة التي تحافظ على استمرارية السلوكيات التحدية. وتتكون أساليب التقييم من ثلاثة أنماط:

  • التقييم غير المباشر: الاستبيانات والمقابلات الموجهة كاستبيان Hanley الوظيفي.

  • التحليل الوصفي المباشر: الملاحظة المباشرة للسلوك في البيئة الطبيعية.

  • التحليل الوظيفي التجريبي: تعديل وملاحظة المثيرات المعززة تجريبياً لتحديد السلوك التحدي.

تتنزل وظائف السلوك المشكلة تحت أربع فئات رئيسية:

  1. جلب الانتباه (Attention): الحصول على الاهتمام والتفاعل الاجتماعي.

  2. الحصول على مادي/نشاط (Tangible): الوصول إلى ألعاب، أطعمة، أو أجهزة إلكترونية.

  3. الهروب/الاجتناب (Évitement): التخلص من مهمة أو مطلب بيئي غير مرغوب.

  4. التعزيز الداخلي/غير الاجتماعي (Non sociale): الاستثارة الحسية الذاتية.

المرجع : 

Les interventions cognitivo-comportementales auprès des enfants et des adolescents ayant un trouble du spectre de l’autisme avec ou sans déficience intellectuelle 

https://umontreal.scholaris.ca/server/api/core/bitstreams/32f424d9-59a5-4320-a403-b90390415f8a/content