ترجمة: أ. نورهان مشي
1. المقدمة والخلفية النظرية والسريرية
تُشكل الصعوبات التي يواجهها بعض الطلاب في تعلم الرياضيات خطرًا مستمرًا على المشروع التعليمي في المدارس. وإن اللجوء إلى مؤسسات أو صفوف متخصصة (التعليم الخاص / التكيف المدرسي – Esp) لا يعني فقط الاعتراف بوجود صعوبات في التعلم، بل يقرّ أيضًا بوجود صعوبات في التعليم (Difficultés à enseigner) يواجهها المعلمون أنفسهم.
تُظهر الملاحظات الميدانية أن الصعوبات التي يواجهها طلاب التعليم الخاص في التعلم والتعليم لا تختلف جوهريًا عن تلك الموجودة في التعليم العادي (Ordinary Education – Eo). إلا أن بيئة التعليم الخاص أكثر حساسية وتأثرًا بآثار هذه الصعوبات، مما يجعل ديناميكية التفاعلات المعرفية (Interactions cognitives) ششة وعرضة للاضطراب.
تستند هذه الدراسة—المنشورة ضمن منشورات جامعة كيبك بواسطة باحثين من جامعات لوزان وجنيف وكيبك في مونتريال—إلى افتراض مفاهيمي مفاده أن كلمة “تعلم” (Apprendre) تحمل ازدواجية لغوية ودلالية؛ فالمرء يتعلم شيئًا لنفسه، وفي الوقت نفسه يُعلم (يتعلم) شيئًا لغيره. وبالتالي، فإن عملية التعليم هي عملية تفاعلية وتبادلية يتعلم فيها كل من المعلم والمتعلم شيئًا جديدًا من خلال التفاعل مع المعرفة.
2. الرياضيات ومظاهرها في الفعل التعليمي
تعتمد الديداكتيك (تعليمية الرياضيات) على النظر إلى الرياضيات من ثلاثة أبعاد متكاملة:
أبعاد الرياضيات الثلاثة في العملية الديداكتيكية
├── 1. مجال عالمي للمعرفة (Domaine universel): الأعداد، الأشكال، الخصائص، والبنيات[cite: 460].
├── 2. حقل للمعارف والتمثيلات (Champ de savoirs): الخوارزميات، التناظر، والدوال الحسابية[cite: 460].
└── 3. شكل من أشكال الذكاء البشري (Forme de l’intelligence): الفكر المنطقي-الرياضياتي.
الهدف الأساسي للتعليم هو توفير الوصول إلى هذا المجال الرياضياتي المعرفي. وفي التفاعل التعليمي، يفترض الباحثون أنه “في فعل التعليم نفسه، يلج كل طرف (المعلم والطالب) إلى مجال المعارف الرياضياتية”، ولكن بطريقته الخاصة وبحسب موقعه في العملية الديداكتيكية[cite: 461].
3. وظائف المعرفة الثلاث في الفعل التعليمي (Functions of Knowledge)
تؤدي المعرفة الرياضياتية ثلاث وظائف رئيسية متفاضلة ومكملة لبعضها البعض في العملية التعليمية:
جدول 1: وظائف المعرفة الرياضياتية الثلاث في الفعل التعليمي
وظيفة المعرفة (Fonction du savoir) | النمط والخصائص الديداكتيكية | دور المعلم والبيئة التعليمية |
1. الإدارة والمأسسة (Administration / Institutionnalisation) | رياضيات المناهج (Programmatiques): المعرفة ككيان خارجي منظم في برامج ومقررات. | التواصل بالمعرفة، إدارة الدراسة، وتقييم الفجوة بين أداء الطالب والهدف لتظل في حدها الأمثل. |
2. السياقية والتفويض (Contextualisation / Dévolution) | الرياضيات الوضعية (En situation): المعرفة الضمنية والمشفرة داخل المهام والبيئة. | تهيئة بيئة (Milieu) وموانع تدفع الطالب لبناء استراتيجيات حليّة بنفسه ودون توجيه مباشر. |
3. التفاعل المعرفي والتوجيه (Interactions de connaissances / Pilote) | رياضيات التفاعل التشاركي: التفاعل المباشر بين معرفة المعلم ومعرفة الطالب. | التدخل اللحظي للسيطرة على المفاجآت، وفهم تمثيلات الطلاب، وتعديل البيئة وفقًا لاستجاباتهم. |
4. أمثلة توضيحية وتحليلية من الميدان الديداكتيكي
4.1 مثال الطي: صنع مربع من ورقة مستطيلة
عند طلب معلم من طلابه صنع مربع عن طريق طي ورقة مستطيلة، تظهر عدة إجراءات:
الإجراء التقديري (بالعين) أو القياس بالمسطرة.
إجراء “طي الزاوية” (Pli du coin) بنسبة 45. يعتمد هذا الإجراء البسيط في ظاهره على خاصيتين هندسيتين: الأولى أن خط الطي يمثل منصف الزاوية، والثانية أن قطري المربع هما المنصفان لزواياه. عندما يتابع المعلم استجابات الطلاب (مثل محاولة بعضهم طي الورقة للنصف ظنًا منهم أنها ستعطي مربعًا)، يتنبه المعلم إلى التمثيلات الذهنية لدى الطلاب للفرق بين أبعاد المستطيل والمربع.
4.2 مثال مقارنة الأعداد باستخدام الآلة الحاسبة
في نشاط يتضمن كتابة أكبر عدد ممكن على الآلة الحاسبة لطلاب بعمر 7–9 سنوات في صف خاص:
تكتشف إحدى الطالبات (المعتبرة الأقل تقدمًا) عددًا من رقمين (76) وتسأل المعلم/الباحث: “هل هذا عدد كبير؟”.
يجيب الباحث مبتسمًا: “إنه كبير مثل عمر الجدة!”.
تعود الطفلة وتكتب (768) وتسأل: “مثل عمر من؟”، فيجيبها الباحث: “مثل عمر عدة جديات…”، فتسأله: “مثل الذين في المقبرة؟”. تُظهر هذه الحالة كيف قام الباحث باللحاق بتفكير الطالبة وتعديل المهمة المباشرة بدلاً من فرض المسار التقليدي، مما أتاح للطالبة فهم مفهوم كبر العدد ومقارنته استنادًا إلى إضافة الأرقام بالتدريج.
5. استثمار الرياضيات في وعبر تدريب المعلمين
تؤكد الدراسة أن نماذج التدريب التقليدية للمعلمين غير كافية ل إعدادهم للتعامل مع المفاجآت الديداكتيكية في الصفوف الخاصة. ولذلك، جرى تطوير حلقة بحث وتدريب (Séminaire d’initiation à la recherche) لمعلمي التربية الخاصة في كانتون فود (Vaud) بسويسرا:
يُمكّن هذا النموذج الميداني المعلم من التخلي عن إغراء “التعليم المكشوف/المباشر” (Enseignement ostensif)، ويمنحه أدوات لفهم الأخطاء وتحليل الاستراتيجيات غير المتوقعة للطلاب (مثل ابتكار خوارزميات جديدة للقسمة بأسلوب القطع الرقمي) وبناء التعلم بناءً عليها.
6. الاستنتاج (Conclusions)
تخلص الدراسة إلى أن معالجة صعوبات تعلم الرياضيات في التربية الخاصة لا تتطلب النظر إلى الطلاب من منظور النقص أو العجز السيكولوجي، بل تتطلب استجابة ديداكتيكية (Réplique didactique) ترتكز على فهم التفاعلات المعرفية بين المعلم والمتعلم والبيئة. إن تدريب المعلمين على استكشاف المعرفة الرياضياتية النامية في تفاعلاتهم اليومية مع الطلاب هو السبيل الأمثل لجعلهم يمتلكون المادة ويتغلبون على صعوبات تدريسها.
المرجع:
Répliques didactiques aux difficultés d’apprentissage en mathématiques : Le cas des interactions de connaissances dans l’enseignement spécialisé
https://shs.hal.science/halshs-01537807/document





