ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يختلف تعلم القراءة عن اكتساب اللغة المنطوقة؛ فالطفل يتعلم الكلام من خلال الاستماع والتفاعل، بينما تتطلب القراءة تعلم نظام رمزي مكتوب وربطه باللغة التي يعرفها بالفعل.
ولكي يصبح الطفل قارئًا، يحتاج إلى التعرف إلى الحروف، وفهم العلاقة بينها وبين أصوات اللغة، وتعلم كيفية دمج هذه الأصوات لتكوين الكلمات. ومع الممارسة، تصبح عملية التعرف إلى الكلمات أكثر سرعة وتلقائية، فيتمكن الطفل تدريجيًا من توجيه انتباهه إلى معنى النص بدل استهلاك معظم جهده في محاولة قراءة كل كلمة.
وتختلف سرعة اكتساب هذه المهارات من طفل إلى آخر. فبعض الأطفال يتعلمون القراءة بسهولة نسبية، بينما يحتاج آخرون إلى تعليم أكثر مباشرة وتنظيمًا وتكرارًا، خصوصًا الأطفال الذين يواجهون صعوبات في القراءة أو لديهم عسر القراءة (Dyslexia).
القراءة مهارة مكتسبة
في المراحل الأولى من تعلم القراءة يحتاج الطفل إلى تمييز الحروف بصريًا، وربطها بأصواتها، ثم دمج هذه الأصوات للوصول إلى الكلمة.
وقد تكون هذه العملية بطيئة في البداية؛ فينطق الطفل أصوات الكلمة بصورة منفصلة قبل أن يتمكن من دمجها. ومع كثرة الممارسة، تصبح هذه الخطوات أسرع وأكثر تلقائية.
ومن المهم التمييز بين القدرة على فهم اللغة والقدرة على قراءة الكلمات. فقد يمتلك الطفل مفردات جيدة ويفهم القصص عند سماعها، لكنه يواجه في الوقت نفسه صعوبة في قراءة الكلمات المكتوبة.
العلاقة بين الحروف والأصوات (Phonics)
من المهارات الأساسية في تعلم القراءة معرفة العلاقة بين الحروف أو مجموعات الحروف والأصوات التي تمثلها، وهو ما يعرف باسم الصوتيات أو تعليم العلاقات بين الحروف والأصوات (Phonics).
وتساعد هذه المعرفة الطفل على قراءة كلمات جديدة لم يسبق له حفظها، من خلال تحليلها إلى أصوات ثم دمج هذه الأصوات معًا.
وتختلف هذه العملية عن تخمين الكلمة من الصورة أو سياق الجملة. فقد يساعد السياق في فهم المعنى، لكنه لا يحل محل القدرة على فك الكلمة المكتوبة.
ومع تطور مهارات القراءة، تصبح العلاقات بين الحروف والأصوات أكثر رسوخًا، فلا يحتاج الطفل إلى تحليل كل كلمة حرفًا حرفًا في كل مرة.
الوعي الفونولوجي والوعي الفونيمي
يشير الوعي الفونولوجي (Phonological Awareness) إلى قدرة الطفل على إدراك البنية الصوتية للكلمات والتعامل معها، مثل التعرف إلى القافية والمقاطع والأصوات.
أما الوعي الفونيمي (Phonemic Awareness) فيتعلق بصورة أكثر تحديدًا بالقدرة على إدراك الأصوات المفردة داخل الكلمات ودمجها أو فصلها أو تغييرها.
وترتبط هذه المهارات ارتباطًا وثيقًا بتعلم القراءة؛ لأنها تساعد الطفل على فهم كيفية تمثيل أصوات اللغة بالحروف المكتوبة.
عسر القراءة وتعلم الكلمات
قد يواجه الأطفال ذوو عسر القراءة صعوبة أكبر في تطوير القدرة السريعة والتلقائية على التعرف إلى الكلمات وربط الحروف بأصواتها.
وقد يحتاج الطفل إلى وقت وجهد أكبر لفك الكلمات، حتى عند تكرار قراءتها. ولا يعني ذلك ضعف فهمه أو قدراته العامة؛ فقد يكون قادرًا على فهم أفكار معقدة شفهيًا، بينما يواجه صعوبة واضحة عند قراءة النصوص.
ولهذا قد تكون القراءة أكثر بطئًا وإجهادًا لدى بعض الأطفال ذوي عسر القراءة، خصوصًا قبل اكتساب قدر أكبر من الطلاقة.
منهج اللغة الكلية (Whole Language)
من المناهج التي انتشرت سابقًا في تعليم القراءة منهج اللغة الكلية (Whole Language).
اعتمد هذا المنهج بدرجة كبيرة على تعرض الطفل للكتب والنصوص واستخدام معنى الجملة والصور والسياق للمساعدة على التعرف إلى الكلمات.
وقد يكون السياق مفيدًا لفهم النص، لكن الاعتماد عليه لتخمين الكلمات لا يضمن تطوير القدرة الدقيقة على فك الكلمات.
وقد يصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا لدى الأطفال الذين يواجهون صعوبة في القراءة، إذ يمكن أن يعتمد الطفل على الصور أو معنى الجملة للوصول إلى كلمة محتملة دون أن يكون قادرًا على قراءتها بصورة مستقلة.
القراءة المتوازنة (Balanced Literacy)
ظهر لاحقًا منهج القراءة المتوازنة (Balanced Literacy) الذي حاول الجمع بين مجموعة من المهارات المرتبطة بالقراءة.
ومن المكونات الرئيسة التي حظيت بالاهتمام:
الوعي الفونيمي.
العلاقة بين الحروف والأصوات.
الطلاقة القرائية.
المفردات.
الفهم القرائي.
وتوضح هذه المكونات أن القراءة لا تعتمد على مهارة واحدة فقط. فقد يستطيع الطفل فك الكلمات دون فهمها جيدًا، أو يمتلك فهمًا لغويًا جيدًا لكنه يقرأ الكلمات ببطء وصعوبة.
ومن الانتقادات التي وُجهت إلى بعض تطبيقات القراءة المتوازنة أن التعليم المباشر والمنظم للعلاقة بين الحروف والأصوات لم يكن كافيًا لبعض الأطفال الذين يحتاجون إلى تعليم أكثر وضوحًا وتدرجًا.
التعليم المنظم للصوتيات
Systematic Phonics Instruction
يعتمد التعليم المنظم للصوتيات على تدريس العلاقات بين الحروف والأصوات وفق تسلسل واضح ومتدرج.
ويبدأ عادة بالعلاقات الأبسط والأكثر شيوعًا، ثم ينتقل تدريجيًا إلى أنماط أكثر تعقيدًا، مع توفير فرص كافية للممارسة والمراجعة.
ويعني التعليم المنظم أن المهارات تقدم بصورة مباشرة ومقصودة، بدل الاعتماد على أن يستنتج الطفل القواعد بنفسه من خلال التعرض للنصوص فقط.
وقد يكون هذا النوع من التعليم مهمًا بصورة خاصة للأطفال الذين يواجهون صعوبات في فك الكلمات أو لديهم عسر القراءة.
ومع ذلك، فإن الصوتيات تمثل جزءًا من تعليم القراءة وليست العملية كاملة؛ فالطفل يحتاج أيضًا إلى تطوير المفردات والطلاقة والفهم واللغة.
لماذا تعد الطلاقة القرائية مهمة؟
تشير الطلاقة القرائية (Reading Fluency) إلى القدرة على قراءة النص بدقة وبسرعة وانسيابية مناسبة.
وفي بداية التعلم قد يستهلك فك الكلمات جزءًا كبيرًا من انتباه الطفل. فإذا اضطر إلى التوقف عند معظم الكلمات وتحليلها، فقد يصبح من الصعب الاحتفاظ بمعنى الجملة ومتابعة أفكار النص.
ومع زيادة الممارسة والتعرف السريع إلى الكلمات، يقل الجهد المخصص لفكها، ويصبح لدى الطفل قدر أكبر من الموارد للتركيز على الفهم.
ولهذا تمثل الطلاقة مرحلة مهمة في الانتقال من تعلم القراءة إلى استخدام القراءة من أجل التعلم.
كيف يصبح التعرف إلى الكلمات تلقائيًا؟
قد يبدو أن القارئ المتمكن يحفظ شكل الكلمات بصريًا، إلا أن التعرف السريع إلى الكلمات يرتبط أيضًا بالربط بين أصوات الكلمة وتسلسل الحروف التي تمثلها.
ويُعرف ذلك باسم الربط الإملائي (Orthographic Mapping).
ومع تكرار قراءة الكلمة وربط أصواتها بحروفها، يصبح تمثيلها أكثر رسوخًا في الذاكرة، ويتمكن الطفل من التعرف إليها بسرعة أكبر عند رؤيتها مرة أخرى.
ولهذا لا يعتمد التعرف التلقائي إلى الكلمات على الحفظ البصري فقط، بل يرتبط بمعرفة أصوات اللغة والعلاقة بينها وبين الحروف.
لماذا قد لا تُلاحظ بعض صعوبات القراءة مبكرًا؟
يمكن لبعض الأطفال الذين يمتلكون فهمًا لغويًا جيدًا استخدام سياق الجملة والصور والمعلومات السابقة لتوقع الكلمات أو استنتاج معنى النص.
وقد يجعل ذلك صعوبة القراءة أقل وضوحًا في السنوات الأولى.
لكن مع التقدم الدراسي تصبح النصوص أطول وأكثر تعقيدًا، ويقل الاعتماد على الصور والإشارات السياقية، وتزداد الكلمات الجديدة والأكاديمية، فتظهر صعوبات فك الكلمات بصورة أكثر وضوحًا.
ولهذا من المهم النظر إلى طريقة قراءة الطفل للكلمات نفسها، وليس إلى قدرته على فهم الفكرة العامة للنص فقط.
التعرف المبكر إلى صعوبات القراءة
يساعد التعرف المبكر إلى صعوبات القراءة على تقديم الدعم قبل تراكم الفجوات التعليمية.
ومن المؤشرات التي قد تظهر مبكرًا صعوبة إدراك القافية، أو التعامل مع أصوات الكلمات، أو دمج الأصوات، أو تعلم العلاقة بين الحروف وأصواتها.
ومع بدء التعليم المدرسي قد يظهر لدى بعض الأطفال بطء واضح في تعلم قراءة الكلمات الجديدة أو استمرار الحاجة إلى جهد كبير في فك الكلمات.
ويشير استمرار هذه الصعوبات إلى أهمية متابعة تطور القراءة وتحديد نوع الدعم التعليمي الذي يحتاجه الطفل.
ختامًا
تعلم القراءة عملية مكتسبة تجمع بين إدراك أصوات اللغة وفهم النظام الكتابي والقدرة على فك الكلمات وتطوير الطلاقة والمفردات والفهم.
ويمثل الوعي الصوتي ومعرفة العلاقة بين الحروف والأصوات أساسًا مهمًا في المراحل الأولى، بينما تساعد الممارسة المنظمة على جعل قراءة الكلمات أكثر سرعة وتلقائية.
ويحتاج بعض الأطفال إلى تعليم أكثر صراحة وتنظيمًا وتكرارًا، خصوصًا من يواجهون صعوبات في القراءة أو لديهم عسر القراءة. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يتكامل تعليم الصوتيات مع تنمية الطلاقة والمفردات والفهم، حتى ينتقل الطفل تدريجيًا من تعلم كيفية قراءة الكلمات إلى استخدام القراءة أداةً للفهم والتعلم.
المرجع:
How Kids Learn to Read
https://childmind.org/article/how-kids-learn-to-read/





