ترجمة: أ. نورهان مشي
1. المقدمة والخلفية النظرية والسريرية
يُعتبر اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD) من الاضطرابات النمائية العصبية المعقدة التي تتسم بوجود قصور جوهري ومستمر في مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، مصحوباً بأنماط سلوكية واهتمامات وأنشطة مقيدة وتكرارية. وتتنوع مظاهر االقصور التواصلي لدى الأفراد المشخّصين لتشمل صعوبات جليّة في التواصل غير اللفظي (مثل غياب التواصل البصري، والإيماءات، والإشارة إلى الأشياء) والتواصل اللفظي (مثل العجز عن بدء المحادثات التفاعلية أو الاستمرار فيها أو إنهائها بشكل مناسب). وتؤكد الأدبيات والدراسات المسحية أن نسبة تراوح بين 50% إلى 59% من الأطفال والمراهقين المشخّصين باضطراب طيف التوحد هم أفراد غير ناطقين (Nonverbal)، مما يعوق قدرتهم على التعبير عن متطلباتهم واحتياجاتهم اليومية الأساسية بأساليب تقليدية.
ويرتبط هذا العجز التواصلي ارتباطاً وثيقاً بظهور وتفاقم السلوكيات المعيقة والمشكلات السلوكية الحادة (مثل العدوانية، وإيذاء الذات، والضرب، والهروب)؛ حيث يلجأ العديد من الأطفال غير الناطقين في البيئات المدرسية والأسرية إلى السلوك المعيق كوسيلة فردية وغير تكيفية للتعبير عن رغباتهم أو التخلص من المهام المجهدة. ومن هنا، تُشكل استراتيجيات وتدخلات التواصل المعزز والبديل (Augmentative and Alternative Communication – AAC) ركيزة علاجية وتأهيلية جوهرية؛ إذ تسهم في إحلال وسائل تواصل وظيفية بديلة محل السلوكيات المعيقة، مما يقلل من الاضطرابات السلوكية ويُعزز من المهارات التكيفية والاندماج الاجتماعي والأكاديمي.
تنقسم أنظمة التواصل المعزز والبديل (AAC) إلى وسائل تقليدية وأخرى حديثة:
وفي السنوات الأخيرة، أحدثت الأجهزة الإلكترونية المحمولة المتاحة للجمهور (مثل أجهزة iPad و iPod Touch العاملة بنظام iOS) تحولاً جذرياً في بيئة أجهزة توليد الكلام (SGDs). وتتميز هذه الأجهزة الذكية بمجموعة من المزايا الميدانية مقارنة بالوسائل التقليدية:
القبول الاجتماعي المرتفع (Social Acceptance): حيث يفضل الأفراد استخدام أجهزة إلكترونية شائعة يتداولها أقرانهم النمطيون بدلاً من حمل أجهزة طبية خاصة تسبب الوصمة الاجتماعية.
انخفاض التكلفة المادية (Affordability): مقارنة بأجهزة توليد الكلام المخصصة الباهظة الثمن.
سهولة الحمل والتنقل (Portability).
وفرة التطبيقات التفاعلية المتخصصة (AAC Apps): التي تتيح خيارات واسعة للتخصيص البصري والصوتي.
تهدف هذه الدراسة المنهجية القائمة على التحليل البَعدي (Meta-Analysis) إلى تقييم أثر استخدام الأجهزة المحمولة (iPad و iPod Touch) وتطبيقاتها التفاعلية في تطوير المهارات التواصلية لدى الأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد والإعاقات النمائية، واختبار مدى استدامة هذه المهارات، وتعميمها الميداني، ودرجة قبولها الاجتماعي لدى المعلمين وأولياء الأمور.
2. منهجية البحث والتحليل البَعدي (Methods)
أُجري مسح إلكتروني محدد ومتقاطع للمصادر والأدبيات العلمية عبر قواعد البيانات المتخصصة (EBSCOhost و ERIC) لتحديد الدراسات المصممة وفق أبحاث الحالة الواحدة (Single-Subject Research Designs).
معايير الشمول وإجراءات حساب حجم الأثر (PND)
خضعت 15 دراسة علمية محكمة (نُشرت بين عامي 2011 و2014) للتحليل البَعدي الشامل. وتم قياس حجم أثر التدخلات باستخراج نسبة النقاط غير المتداخلة (Percentage of Non-overlapping Data – PND) بين مرحلتي الخط القاعدي (Baseline) والتدخل (Intervention)، استناداً إلى التدرج المعياري المعتمد لـ Scruggs et al:
حجم أثر مرتفع جداً (High Effect): PND من 91% إلى 100%.
حجم أثر متوسط (Moderate Effect): PND من 71% إلى 90%.
حجم أثر ضئيل (Minimal Effect): PND من 50% إلى 70%.
عدم وجود أثر (No Effect): PND أقل من 50%.
3. نتائج التحليل البَعدي والأدلة العلمية (Results)
شملت الدراسات الـ 15 المشمولة ما مجموعه 52 مشاركاً (45 ذكور و7 إناث) تراوحت أعمارهم بين 3 و23 سنة (بمتوسط عمر 8 سنوات و4 أشهر). وشكّل الأفراد المشخّصون باضطراب طيف التوحد النسبة الكبرى من العينة (61%)، إضافة إلى التوحد المقترن بالإعاقات الفكرية (23%)، والإعاقات النمائية الفردية المتنوعة (9%).
الدراسة والباحثون | خصائص العينة والتشخيص السريري | الأجهزة والتطبيقات المستعملة | السلوك التواصلي المستهدف | حجم الأثر الإجمالي (PND) |
Achmadi et al. (2012) | 2 ذكور (13 و 17 سنة) توحد. | iPod Touch مع تطبيق Proloquo2Go. | الطلب والتشغيل المتقدم للأجهزة (Manding). | مرتفع جداً / متوسط: المشارك الأول: 92% المشارك الثاني: 68%. |
Kagohara et al. (2012a) | 2 ذكور (13 و 17 سنة) توحد وإعاقات حادة و ADHD. | iPod Touch مع تطبيق Proloquo2Go. | تسمية الأشياء والمسميات (Tacting). | مرتفع جداً: PND تراوح بين 79% و 98%. |
Kagohara et al. (2012b) | 1 ذكر (13 سنة) توحد وإعاقة حادة. | iPad مع تطبيق Proloquo2Go. | تسمية الصور وإطلاق الكلمات. | مرتفع جداً: PND = 100% لتسمية الصور عبر الأيباد. |
van der Meer et al. (2011) | 4 مشاركين (13–23 سنة) توحد وإعاقات متعددة. | iPod Touch مع تطبيق Proloquo2Go. | الطلب والاستجابة للسؤال (Manding & Intraverbal). | متوسط إلى مرتفع: PND = 57% إلى 100% (استبعاد مشارك لعدم التقدم). |
van der Meer et al. (2012a) | 4 أطفال (6–13 سنة) توحد وإعاقات نمائية. | مقارنة بين: iPod Touch, PECS, والإشارات اليدوية. | مهارات الطلب والتعبير. | مرتفع جداً: تفوق الأيبود بـ PND = 76%–100% على الإشارات اليدوية. |
van der Meer et al. (2012b) | 4 أطفال (5–10 سنوات) توحد وإعاقة نمائية. | مقارنة بين: iPod Touch والإشارات اليدوية MS. | مهارات الطلب والتفاعل اللفظي. | مرتفع جداً: تفوق الأيبود بـ PND = 81%–100% على الإشارات اليدوية. |
van der Meer et al. (2012c) | 2 أطفال (4 سنوات) توحد وتأخر نمائي. | مقارنة بين: iPad, PECS, والإشارات اليدوية. | مهارات الطلب التعبيري. | مرتفع جداً: تفوق الأيباد بـ PND = 100% مقارنة بالإشارات. |
van der Meer et al. (2013) | 3 أطفال (10–17 سنة) توحد وإعاقات نمائية. | مقارنة بين: iPad, iPod, PECS, والرموز اليدوية. | الطلب والاستجابة الشفهية المحددة. | مرتفع جداً: تفوق الأيباد والأيبود بـ PND = 73%–100%. |
Sigafoos et al. (2013) | 2 أطفال (4 و 5 سنوات) توحد. | iPad مع تطبيق Proloquo2Go. | الطلب وخفض العدوانية والضرب. | مرتفع جداً: نجاح في اكتساب الطلب وخفض الضرب والسلوك المعيق. |
Flores et al. (2012) | 5 أطفال (8–11 سنة) توحد وإعاقات حركية وفكرية. | مقارنة بين: iPad (تطبيق Pick-a-Word) والتواصل المصور. | مهارات الطلب والتسمية. | مرتفع جداً: تفوق الأيباد بـ PND = 50%–100% وتفضيله من المعلمين. |
Lorah et al. (2013) | 5 أطفال (3–5 سنوات) توحد. | مقارنة بين: iPad (تطبيق Proloquo2Go) ونظام PECS. | مهارات الطلب التعبيري. | مرتفع جداً: حقق الأيباد PND = 100% لجميع المشاركين مقابل PECS. |
Couper et al. (2014) | 9 أطفال (4–12 سنة) توحد وإعاقات نمائية. | مقارنة بين: iPad, iPod, PECS, والإشارات اليدوية. | مهارات الطلب متعدد الاستجابات. | متوسط إلى مرتفع: تفوق الأجهزة الذكية لغالبية الأطفال مقابل الأساليب التقليدية. |
Ganz et al. (2013) | 1 طفل (4 سنوات) توحد واقتدار لغوي محدد. | iPad مع تطبيق PECS Phase III App. | التسمية والتمييز الاستقبالي للصور. | ضئيل: PND = 34% بسبب صعوبات التمييز بين المثيرات الكثيرة. |
Strasberger & Ferreri (2013) | 4 أطفال (5–12 سنة) توحد وإعاقات فكرية. | iPod Touch مع تطبيق Proloquo2Go. | الطلب والتفاعل الاجتماعي الأقراني (Intraverbal). | مرتفع جداً: PND تراوح بين 73% و 92% مع نجاح التعميم للصف. |
3.1 البرمجيات وتجهيزات الواجهات والتطبيقات المعتمدة
أظهر التحليل البَعدي الاعتماد على أجهزة محددة وتطبيقات برمجية متخصصة:
الأجهزة المعتمدة: نُفذت 6 دراسات باستخدام جهاز iPod Touch المدمج داخل مكبرات صوتية (iMainGo 2) لرفع مستوى الصوت وإيضاح النطق، و6 دراسات باستخدام جهاز iPad، و3 دراسات جمعت بين استخدام الجهازين معاً.
التطبيقات البرمجية المستعملة: اعتمدت غالبية الدراسات (12 دراسة من أصل 15) على تطبيق Proloquo2Go™ لتوليد الكلام، بينما استخدمت دراستان تطبيق PECS Phase III App، واستخدمت دراسة واحدة تطبيق Pick-a-Word.
طبيعة الواجهات والأيقونات: تراوحت الشاشات المعروضة بين شاشات أحادية المستوى وشاشات متعددة الصفحات والمجلدات (مثل مجلدات الأطعمة والألعاب). واحتوت الشاشات على عدد من الأيقونات والرموز يتراوح بين 2 إلى 18 أيقونة رمزية.
4. المناقشة والتفسير العلمي والسريري (Discussion)
أكدت نتائج هذا التحليل البَعدي أن التدخلات القائمة على استخدام أجهزة الأيباد والأيبود كأجهزة ناطقة ومولدة للكلام (SGDs) تُعد استراتيجية عالية الفاعلية والنجاح في تطوير مهارات التواصل الوظيفي لدى الأطفال والمراهقين المشخّصين باضطراب طيف التوحد والإعاقات النمائية؛ حيث حقق 76% من المشاركين (35 مشاركاً من أصل 46) تحسناً كبيراً إلى متوسطاً في قدراتهم التواصلية والتعبيرية.
العوامل المؤدية لنجاح أجهزة iOS كأجهزة تواصل:
التغذية الراجعة الصوتية الفورية (Voice-Output Feedback): يُوفر الإخراج الصوتي الاصطناعي استجابة سمعية فورية تُعزز الارتباط بين الرمز واللفظ وتدعم التعلم الاستقبالي والتعبيري.
انخفاض العبء المعرفي والحركي (Lower Cognitive & Motor Demands): يُعد الضغط على الأيقونة المصورة على شاشة لمسية أسهل بكثير من تشكيل الإشارات اليدوية المعقدة (Manual Signs) أو سحب وتبادل البطاقات الورقية في نظام (PECS).
تفضيل الأفراد وتفوق الأجهزة على الأنظمة التقليدية: في الدراسات التي قارنت بين أجهزة iOS والأنظمة التقليدية (PECS و MS)، أظهر المشاركون ميلاً واضحاً وسرعة اكتساب أكبر لصالح أجهزة الأيباد والأيبود.
الانخفاض المباشر للسلوكيات المعيقة: أثبتت النتائج أن منح الطفل وسيلة تواصل رقمية فعالة وسريعة أدى إلى انخفاض السلوكيات العدوانية والضرب؛ نظراً للحد من التوتر الناتج عن العجز عن التعبير عن الرغبات.
التعميم والصيانة والقبول الاجتماعي (Generalization, Maintenance & Social Validity)
تعميم المهارات (Generalization): أظهرت الدراسات التي قسّمت التقييم الميداني قدرة الأطفال على استخدام أجهزة الأيباد للطلب والتعبير في مواقف جديدة ولأدوات مختلفة (مثل تعميم طلب الألعاب إلى طلب الأطعمة والأنشطة الصفية).
الصيانة والاحتفاظ (Maintenance): حافظ جميع الأطفال المشاركين في الدراسات التي تابعت الأداء (11 دراسة) على قدراتهم التوافقية واستخدام الأجهزة في فترات المتابعة الممتدة بعد انتهاء التدخل.
القبول الاجتماعي (Social Validity): أبدى المعلمون وأولياء الأمور تقييماً إيجابياً مرتفعاً جداً لاستخدام أجهزة الأيباد والأيبود مقارنة بالوسائل الورقية؛ مؤكدين أنها أدوات ممتعة، وغير وصمية، وسهلة الاستخدام، وتُسرع من النمو اللغوي للطفل.
5. الاستنتاج والتوصيات والاتجاهات المستقبلية (Conclusions)
تخلص هذه الدراسة المنهجية والتحليل البَعدي إلى أن استخدام الأجهزة الذكية المحمولة القائمة على نظام iOS (الأيباد والأيبود) وتطبيقاتها المتخصصة يمثل حلاً تمكينياً وعالي الكفاءة لتطوير التواصل التعبيري والاستقبالي للأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد والإعاقات النمائية.
التوصيات الأساسية للممارسة والبحث العلمي:
إجراء تقييم التمييز الرمزي (Symbol Assessment): التأكد من قدرة الطفل على فهم الرموز والتمييز بين الصور ثنائية الأبعاد والمجسمات قبل اختيار التطبيقات التواصلية.
التدريب على الأفعال والتسمية والتفاعل (Beyond Manding): عدم الاقتصار على تدريب مهارات “الطلب” (Manding) فقط، بل الانتقال لتسمية الأشياء (Tacting)، والإجابة عن الأسئلة (Intraverbal)، وتكوين جمل كاملة (الفاعل، الفعل، المفعول).
التدريب على المهارات التشغيلية للأجهزة (Operational Skills): تدريب الأفراد على كيفية فتح الجهاز، والتنقل بين الصفحات والمجلدات، وحذف الرسائل من الشريط التعبيري لضمان الاستقلالية التامة.
إجراء أبحاث مقارنة جديدة: اختبار تطبيقات التواصل الحديثة وتجربة الأجهزة اللوحية الأخرى (مثل أجهزة الأندرويد والويندوز) وتقييم أثرها على الفئات العمرية المختلفة.
المرجع:
Use of iPad/iPods with Individuals with Autism and other Developmental Disabilities: A Meta-analysis of Communication Intervention
https://link.springer.com/content/pdf/10.1007/s40489-014-0018-5.pdf





