ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
ما هو التمويه؟
يشير التمويه (Masking)، ويُستخدم أيضًا مصطلح التمويه الاجتماعي (Camouflaging)، إلى تغيير الشخص بعض جوانب سلوكه أو طريقة تواصله بهدف الاندماج مع الآخرين أو التوافق مع التوقعات الاجتماعية المحيطة به.
وقد يحدث هذا التغيير بصورة واعية ومقصودة، أو بصورة تلقائية وأقل وعيًا مع مرور الوقت. كما أن التمويه لا يقتصر على الأشخاص ذوي التنوع العصبي؛ فكثير من الأشخاص قد يغيرون بعض جوانب سلوكهم بحسب الموقف الاجتماعي أو البيئة التي يوجدون فيها.
ويختلف مقدار التمويه وطريقته من شخص إلى آخر، كما قد يختلف لدى الشخص نفسه تبعًا للمكان والأشخاص الموجودين معه ومستوى شعوره بالأمان أو القبول.
لماذا يستخدم الأطفال والمراهقون التمويه؟
قد يستخدم الأطفال والمراهقون التمويه لأسباب متعددة، منها:
محاولة الاندماج مع الأقران وتكوين الصداقات.
الشعور بالقبول داخل المجموعة.
التعامل مع بعض المواقف الاجتماعية.
تجنب التنمر أو السخرية أو الاستبعاد الاجتماعي.
محاولة تلبية توقعات سلوكية معلنة أو ضمنية من الوالدين أو المعلمين أو المدربين.
تقليل احتمال التعرض للانتقاد أو الخلاف أو المواجهة.
وقد لا يكون التمويه دائمًا قرارًا واضحًا يتخذه الطفل؛ ففي بعض الحالات قد يتعلم تدريجيًا أن بعض السلوكيات تلقى قبولًا اجتماعيًا أكبر من غيرها، فيبدأ بتعديل سلوكه وفق السياق دون أن يصف ما يفعله بأنه «تمويه».
لماذا وكيف يستخدم الأطفال والمراهقون ذوو التنوع العصبي التمويه؟
قد يستخدم بعض الأطفال والمراهقين ذوي التنوع العصبي (Neurodivergence) التمويه حتى يبدو سلوكهم أقرب إلى الأنماط الاجتماعية السائدة، وقد يحدث ذلك لديهم بصورة متكررة أو يتطلب جهدًا أكبر.
ومن صور التمويه المحتملة:
تغيير نمط الكلام أو نبرة الصوت لمحاكاة الأقران.
الحفاظ على التواصل البصري رغم الشعور بعدم الراحة.
محاولة إخفاء بعض العرات (Tics)، مثل تحويل عرة صوتية إلى سلوك أقل وضوحًا.
إخفاء رفرفة اليدين أو التأرجح أو غيرهما من أشكال التحفيز الذاتي (Stimming).
كبح الاستجابات للمثيرات الحسية المرهقة.
تجنب الحديث عن الاهتمامات الخاصة.
بذل جهد كبير للحفاظ على المحادثات ومتابعتها.
عدم طلب الدعم أو الاستفادة منه رغم الحاجة إليه.
ولا يعني تطوير الطفل للمهارات الاجتماعية أن المطلوب منه التخلي عن أسلوبه الطبيعي في التواصل أو التنظيم. فقد يكون من الممكن دعم المهارات التي تساعده على المشاركة والتواصل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السلوكيات التي تساعده على التنظيم ولا تسبب ضررًا له أو للآخرين.
كيف يؤثر التمويه في الأشخاص ذوي التنوع العصبي؟
لا تزال المعرفة البحثية المتعلقة بتجارب التمويه لدى الأطفال والمراهقين محدودة مقارنة بالدراسات التي تناولت البالغين، ولذلك لا يمكن افتراض أن آثاره واحدة لدى جميع الأشخاص أو في جميع المواقف.
ويصف بعض البالغين ذوي التنوع العصبي جوانب قد يرونها مفيدة للتمويه في مواقف معينة، مثل تسهيل الاندماج داخل مجموعة أو التعامل مع بعض التوقعات الاجتماعية.
وفي المقابل، ارتبط التمويه في بعض الدراسات والتقارير الذاتية بعدد من الصعوبات المحتملة، ومنها:
الإرهاق والاحتراق النفسي: قد يتطلب مراقبة السلوك أو تغييره بصورة مستمرة جهدًا جسديًا وانفعاليًا.
الصحة النفسية: وُجدت ارتباطات بين التمويه وارتفاع مستويات القلق أو أعراض الاكتئاب أو الشعور بالعزلة لدى بعض الأشخاص.
الضيق بعد المواقف الاجتماعية: قد يظهر لدى بعض الأشخاص انسحاب أو ضيق انفعالي بعد فترات طويلة من كبح الاستجابات أو مراقبة السلوك.
الهوية وتقدير الذات: قد يصبح من الصعب على بعض الأشخاص التمييز بين الطريقة التي يتصرفون بها لتلبية التوقعات وبين الطريقة التي يشعرون بأنها تعبر عنهم.
العلاقات الاجتماعية: قد يشعر الشخص أحيانًا بأنه غير قادر على التصرف بصورة طبيعية أمام الآخرين، مما قد يؤثر في شعوره بالراحة داخل بعض العلاقات.
الأعراض الجسدية المرتبطة بالضغط: مثل الصداع أو ألم المعدة أو زيادة الحساسية لبعض المثيرات لدى بعض الأشخاص.
ولا تعني هذه الارتباطات أن التمويه يؤدي حتمًا إلى هذه النتائج. فالعلاقة بين التمويه والصحة النفسية تبدو أكثر تعقيدًا؛ إذ قد يكون القلق، على سبيل المثال، أحد العوامل التي تدفع بعض المراهقين إلى زيادة التمويه، بينما قد يرتبط الجهد المستمر المصاحب للتمويه بمزيد من الضغط النفسي في الوقت نفسه. ولذلك لا يمكن اختزال العلاقة في سبب واحد أو اتجاه واحد.
كيف تعرف ما إذا كان طفلك يستخدم التمويه؟
قد يظهر التمويه بدرجة أكبر خارج المنزل، مثل المدرسة أو الأنشطة الاجتماعية، حيث تكون التوقعات الاجتماعية مختلفة أو أكثر وضوحًا. ولهذا قد تلاحظ الأسرة سلوكًا في المنزل يختلف عما يصفه المعلمون أو المدربون.
ومن المؤشرات التي قد تستدعي الانتباه:
ظهور نوبات ضيق أو انسحاب في المنزل بينما لا تُلاحظ السلوكيات نفسها في المدرسة.
وجود اختلاف واضح بين وصف المعلمين أو المدربين للطفل وما تلاحظه الأسرة.
الشعور بتعب أو توتر ملحوظ بعد الأنشطة الاجتماعية أو بعد اليوم الدراسي.
ولا تثبت هذه العلامات وجود التمويه بمفردها؛ فقد يكون لها أكثر من تفسير. ولهذا قد يكون من المفيد الاستماع إلى الطفل نفسه، وجمع المعلومات من الأشخاص الذين يعرفونه في بيئات مختلفة، ومقارنة مستوى راحته وجهده قبل المواقف الاجتماعية وبعدها.
وقد يكون من المفيد أيضًا الانتباه إلى الفرق بين قدرة الطفل على أداء سلوك معين وبين مقدار الجهد الذي يتطلبه منه هذا السلوك؛ فقد يبدو الطفل قادرًا على التعامل مع موقف اجتماعي معين، بينما يحتاج بعده إلى وقت طويل للهدوء أو استعادة طاقته.
التمويه والتشخيص
قد يجعل التمويه بعض الخصائص المرتبطة بالتنوع العصبي أقل وضوحًا أثناء التقييم، وقد يسهم ذلك في بعض الحالات في تأخر التعرف إلى احتياجات الطفل أو تعقيد عملية التشخيص، مما قد يؤخر الوصول إلى الدعم المناسب.
ولهذا قد يكون من المفيد ألا يعتمد التقييم على ملاحظة الطفل في بيئة واحدة فقط، بل أن يأخذ في الاعتبار سلوكه في المنزل والمدرسة والأنشطة الاجتماعية، إلى جانب المعلومات التي يقدمها الطفل والأسرة والأشخاص الذين يعرفونه جيدًا.
كما ينبغي الانتباه إلى مقدار الجهد الذي قد يبذله الطفل للمحافظة على نمط معين من السلوك؛ فغياب الصعوبة الظاهرة في موقف واحد لا يعني بالضرورة غياب الحاجة إلى الدعم.
ماذا تفعل إذا كان طفلك يستخدم التمويه؟
إذا كان التمويه يرتبط بإرهاق أو ضغط نفسي، فقد يكون من المفيد توفير بيئات تقل فيها حاجة الطفل إلى مراقبة سلوكه باستمرار.
وقد يشمل ذلك:
السماح بالسلوكيات التنظيمية غير المؤذية، مثل بعض أشكال التحفيز الذاتي، دون التعامل معها تلقائيًا باعتبارها سلوكًا ينبغي إيقافه.
توفير فترات راحة بعد الأنشطة الاجتماعية.
إتاحة وقت هادئ بعد المدرسة أو الأنشطة ذات المتطلبات المرتفعة.
تجنب مطالبة الطفل بسلوكيات غير ضرورية إذا كانت تسبب له انزعاجًا، مثل فرض التواصل البصري المستمر.
احترام اهتماماته وخصائصه الفردية.
مساعدته، إذا كان يرغب في تقليل التمويه، على التعبير عن نفسه بصورة أكثر طبيعية في البيئات التي يشعر فيها بالأمان.
التعاون مع المدرسة والأنشطة الأخرى لإجراء تعديلات في بعض المتطلبات الحسية أو الاجتماعية عندما تكون مرتبطة بضغط واضح على الطفل.
وقد يكون من المفيد كذلك سؤال الطفل، عندما تسمح قدراته التواصلية بذلك، عن المواقف التي يشعر فيها بأنه يحتاج إلى تغيير طريقة تصرفه، وعن الأمور التي تجعله أكثر راحة. فالدعم لا يقتصر على تعديل سلوك الطفل، بل يمكن أن يشمل تعديل البيئة والتوقعات المحيطة به أيضًا.
ولا ينبغي أن يكون الهدف إجبار الطفل على التوقف عن التمويه بصورة كاملة؛ فقد يختار الشخص استخدام بعض أشكاله في مواقف معينة. ويمكن بدلًا من ذلك التركيز على مدى اختياره لهذا السلوك، والجهد الذي يتطلبه منه، وما إذا كان يؤثر في راحته أو صحته النفسية أو قدرته على طلب الدعم.
متى ينبغي طلب دعم متخصص بشأن التمويه؟
إذا ارتبط التمويه بإرهاق واضح أو ضغط نفسي مستمر، أو انعكس على مشاركة الطفل في الحياة اليومية، أو ترافق مع تغيرات ملحوظة في المزاج أو الانسحاب أو صعوبات أخرى في الصحة النفسية، فقد يكون من المناسب الاستعانة بمختص لديه خبرة في العمل مع الأطفال والمراهقين ذوي التنوع العصبي.
ويمكن أن يركز الدعم على فهم المواقف التي يزداد فيها الضغط، وتحديد احتياجات الطفل، والنظر في التعديلات التي قد تكون مناسبة في المنزل أو المدرسة أو البيئات الاجتماعية الأخرى.
ختامًا
يختلف التمويه من شخص إلى آخر في شكله وأسبابه ومقدار الجهد الذي يتطلبه. وقد يستخدمه بعض الأطفال والمراهقين في مواقف محددة للتعامل مع التوقعات الاجتماعية أو الشعور بقدر أكبر من القبول، في حين قد يرتبط استخدامه المستمر لدى بعض الأشخاص بالإرهاق أو الضغط النفسي.
ولهذا قد يكون من الأنسب النظر إلى التمويه ضمن السياق الكامل لتجربة الطفل، بدل تقييمه باعتباره سلوكًا إيجابيًا أو سلبيًا بحد ذاته. ويشمل ذلك فهم سبب استخدامه، ومدى اختيار الطفل له، وتأثيره في راحته، وحاجته إلى الاستراحة أو الدعم بعد المواقف الاجتماعية.
وقد تسهم البيئات التي تراعي الاختلافات في التواصل والتنظيم الحسي والسلوك في تقليل الحاجة إلى إخفاء بعض الخصائص بصورة مستمرة. ويظل الهدف هو دعم الطفل في المشاركة والتواصل بطريقة تراعي احتياجاته وهويته وراحته، مع توفير الدعم عندما يصبح التكيف مع التوقعات الاجتماعية مصدرًا للضغط أو الإرهاق.
المرجع:
Masking in neurodivergent children and teenagers
https://raisingchildren.net.au/adhd/about/adhd-children-teenagers/masking-neurodivergent-children





