الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف يمكن للمدارس دعم الطلاب ذوي الاختلافات العصبية؟

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

يشير مفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity) إلى وجود اختلافات طبيعية في الطريقة التي يعمل بها الدماغ ويعالج بها المعلومات. ويشمل هذا المفهوم مجموعة متنوعة من الحالات والاختلافات النمائية، مثل اضطرابات التعلم، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder; ADHD)، واضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder; ASD)، وبعض الاختلافات المرتبطة بالمعالجة الحسية.

وقد يمتلك بعض الطلاب ذوي الاختلافات العصبية نقاط قوة مميزة في جوانب معينة، مثل الذاكرة، أو التركيز المكثف في موضوعات محددة، أو الاهتمامات المتخصصة. وفي الوقت نفسه، قد يحتاج بعضهم إلى دعم إضافي في جوانب أكاديمية أو اجتماعية أو تنظيمية داخل المدرسة.

ويكون الدعم أكثر فاعلية عندما لا يقتصر على المعلم وحده، بل تشارك فيه مختلف الأطراف في البيئة المدرسية، بما في ذلك المعلمون، والمرشدون، والإدارة المدرسية، والأخصائيون، والعاملون في خدمات الدعم.

وتختلف الاحتياجات باختلاف عمر الطالب وخصائصه الفردية والبيئة التعليمية، إلا أن هناك عددًا من المجالات التي قد تتطلب اهتمامًا خاصًا لدى بعض الطلاب ذوي الاختلافات العصبية، ومنها:

  • السلوك والتنظيم الانفعالي.

  • التفاعل والمهارات الاجتماعية.

  • الوظائف التنفيذية (Executive Functions).

النظر إلى ما وراء السلوك

عندما يظهر لدى الطالب سلوك يعيق التعلم أو المشاركة المدرسية، فمن المهم ألا تقتصر الاستجابة على السلوك الظاهر وحده. فقد يكون السلوك مرتبطًا بصعوبة في التواصل، أو معالجة المثيرات الحسية، أو تنظيم الانفعالات، أو التعامل مع التغيرات في الروتين والبيئة.

ويختلف الطلاب ذوو الاختلافات العصبية في الطريقة التي يعالجون بها المعلومات ويستجيبون للمواقف المختلفة، ولذلك قد يساعد فهم السياق الذي ظهر فيه السلوك والعوامل التي سبقته أو صاحبته على اختيار استجابة تعليمية أكثر ملاءمة.

ومن الأساليب التي يمكن استخدامها الاعتراف بمشاعر الطالب والتحقق منها (Emotional Validation)، وذلك من خلال منحه فرصة للتعبير عما يشعر به، والاستماع إليه دون إصدار أحكام، وإظهار فهم أن الموقف كان صعبًا بالنسبة إليه.

وبعد أن يصبح الطالب أكثر هدوءًا واستعدادًا للتفاعل، يمكن العمل معه على حل المشكلات (Problem-Solving)، مثل مناقشة بدائل أكثر ملاءمة يمكن استخدامها عندما يواجه موقفًا مشابهًا في المستقبل. ويمكن كذلك توضيح السلوك المتوقع وتعليم الاستراتيجيات التي تساعده على طلب المساعدة أو الاستراحة أو التعبير عن حاجته بطريقة مناسبة.

ولا يعني فهم أسباب السلوك تجاهل الحدود أو التوقعات المدرسية، بل يساعد على الجمع بين وضوح التوقعات وتقديم الدعم اللازم لتعلم استجابات بديلة.

تهيئة البيئة المدرسية لدعم الطلاب

يمكن لبعض التعديلات والاستراتيجيات البيئية أن تدعم الطلاب ذوي الاختلافات العصبية، وقد تكون مفيدة كذلك لبقية الطلاب. ومن أمثلتها:

  • الدعم البصري (Visual Supports): مثل عرض الجدول اليومي بوضوح في مكان يمكن للطلاب الرجوع إليه.

  • استخدام أنشطة قصيرة للتنفس أو الاسترخاء في الأوقات المناسبة لمساعدة الطلاب على الاستعداد للأنشطة اليومية.

  • توفير مساحة هادئة أو منطقة منظمة يمكن استخدامها عند الشعور بالإرهاق أو فرط الاستثارة، مع إتاحة أدوات مثل سماعات خفض الضوضاء عند الحاجة.

  • تحديد شخص بالغ موثوق داخل المدرسة يستطيع الطالب التوجه إليه عندما يشعر بالضغط أو الغضب أو الانزعاج.

  • إدراج فترات للحركة (Movement Breaks) عندما يحتاج الطالب إلى الحركة بين فترات العمل أو الجلوس المطول.

  • اختيار مكان الجلوس وفق احتياجات الطالب؛ فقد يستفيد بعض الطلاب من الجلوس بالقرب من موضع التدريس، أو بعيدًا عن مصادر التشتت، أو إلى جوار أقران يقدمون نموذجًا مناسبًا للمشاركة الصفية.

  • توفير بعض الأدوات الحسية أو الحركية الملائمة عندما تكون لها وظيفة واضحة في دعم الانتباه والتنظيم، على أن تستخدم بطريقة لا تعيق تعلم الطالب أو زملائه.

وينبغي اختيار هذه التعديلات بناءً على احتياجات الطالب الفردية وملاحظة مدى فائدتها، بدلًا من افتراض أن جميع الطلاب ذوي الاختلافات العصبية يحتاجون إلى الاستراتيجيات نفسها.

دعم مهارات الوظائف التنفيذية

تشمل الوظائف التنفيذية (Executive Functions) مجموعة من المهارات التي تساعد الشخص على التخطيط والتنظيم، وتحديد الأولويات، وبدء المهام، وإدارة الوقت، ومتابعة العمل حتى الانتهاء منه.

وقد يواجه بعض الطلاب ذوي ADHD أو اضطراب طيف التوحد أو اضطرابات التعلم صعوبات في جانب أو أكثر من هذه المهارات. ويمكن دمج استراتيجيات دعم الوظائف التنفيذية ضمن البيئة التعليمية بدلًا من الاعتماد على مطالبة الطالب بالتنظيم بصورة مستقلة دون تعليم مباشر.

ومن الأدوات التي يمكن استخدامها في المدرسة:

  • قوائم التحقق (Checklists) للروتين الصباحي أو المهام اليومية أو تجهيز الحقيبة المدرسية.

  • تخصيص ملفات أو أدوات تنظيم منفصلة للمواد الدراسية المختلفة.

  • استخدام أنظمة تعزيز مناسبة للعمر، مثل الجداول البصرية أو النقاط لدى الطلاب الذين يستفيدون منها.

  • استخدام المؤقتات (Timers) لتوضيح الوقت المتاح لأداء المهمة أو الانتقال إلى النشاط التالي.

  • استخدام المخططات والتقاويم (Planners and Calendars) لمتابعة الواجبات والمشروعات قصيرة وطويلة المدى.

  • تقسيم الواجبات الكبيرة إلى خطوات أو مهام أصغر يسهل تحديدها وتنفيذها.

  • استخدام وسائل تنظيم رقمية عند الحاجة إلى جانب الأدوات الورقية.

كما يمكن تعليم هذه المهارات بصورة مباشرة، مثل تدريب الطالب على كيفية البدء في المهمة، أو تقدير الوقت المطلوب، أو ترتيب الخطوات، أو مراجعة ما تم إنجازه. ويساعد التنسيق بين المدرسة والأسرة على استخدام استراتيجيات متقاربة عندما يحتاج الطالب إلى ممارستها في أكثر من بيئة.

دعم المشاركة والعلاقات الاجتماعية

يحتاج بعض الطلاب ذوي الاختلافات العصبية إلى دعم في المواقف الاجتماعية إلى جانب الدعم الأكاديمي. فقد يواجه بعضهم صعوبة في تفسير الإشارات الاجتماعية، أو بدء التفاعل مع الأقران، أو الدخول في نشاط جماعي، أو المحافظة على العلاقات الاجتماعية.

ولا تنطبق هذه الصعوبات على جميع الطلاب ذوي الاختلافات العصبية، كما تختلف طبيعتها ودرجتها بين الأفراد. ومع ذلك، يمكن أن تجعل بعض هذه الصعوبات الطالب أكثر عرضة للعزلة الاجتماعية أو سوء الفهم أو التنمر.

ويبدأ الدعم الاجتماعي ببناء بيئة مدرسية تتقبل الاختلافات الفردية وتحترمها. وعند تناول موضوع التنوع داخل الصف، يمكن أن يشمل النقاش التنوع العصبي إلى جانب أشكال التنوع الأخرى، بطريقة مناسبة لعمر الطلاب ودون تصنيف طالب معين أمام أقرانه.

وتزداد أهمية الدعم في المواقف الأقل تنظيمًا، مثل فترات الاستراحة وتناول الطعام والأنشطة الاجتماعية، لأن هذه المواقف قد تتطلب من الطالب قدرًا أكبر من المبادرة وفهم القواعد الاجتماعية الضمنية.

ومن الاستراتيجيات التي يمكن للمدرسة استخدامها:

  • برامج الإرشاد أو التوجيه (Mentoring).

  • تنظيم مجموعات صغيرة خلال فترات تناول الطعام أو الأنشطة الاجتماعية للطلاب الذين يحتاجون إلى دعم في بناء العلاقات.

  • تعزيز السلوكيات التي تتسم بالتقبل وإشراك الآخرين.

  • توجيه الأقران وتعليمهم كيفية تقديم نماذج اجتماعية مناسبة دون تحميلهم مسؤولية دعم الطالب أو الإشراف عليه.

  • توفير إشراف مناسب في المواقف التي قد يكون فيها الطالب أكثر عرضة للعزلة أو التنمر.

ويجب أن يركز الدعم الاجتماعي على زيادة فرص المشاركة وبناء المهارات والعلاقات الطبيعية، مع احترام تفضيلات الطالب وعدم إجباره على أنماط من التفاعل الاجتماعي لا تتناسب مع احتياجاته.

كيف يمكن للأسرة دعم الطالب ذي الاختلافات العصبية في المدرسة؟

يمكن للتعاون بين الأسرة والمدرسة أن يساعد العاملين في المدرسة على فهم خصائص الطالب واحتياجاته منذ بداية العام الدراسي. ومن الأدوات الممكنة إعداد تعريف مختصر بعنوان «نبذة عني» (About Me) يقدم معلومات عملية عن الطالب إلى المعلمين.

وقد يتضمن هذا التعريف معلومات مثل:

  • ما نقاط القوة التي يتميز بها الطفل أكاديميًا وفي المجالات الأخرى؟

  • ما المهام أو المواقف التي يجدها أكثر صعوبة؟

  • كيف تظهر عليه علامات الضغط أو الإرهاق؟

  • ما السلوكيات التي قد تشير إلى أنه يحتاج إلى استراحة أو دعم؟

  • ما الطريقة الأكثر ملاءمة للتواصل معه عندما يشعر بالإحباط أو الضغط؟

  • هل تستخدم الأسرة استراتيجيات معينة لتنظيم السلوك أو الروتين في المنزل؟

  • ما المعززات أو الأنشطة التي يفضلها الطفل، وكيف يمكن استخدامها بصورة مناسبة؟

ولا يهدف هذا النوع من المعلومات إلى وضع تصنيف ثابت للطالب، وإنما إلى مساعدة المعلم على فهمه بصورة أفضل وتحديد الاستراتيجيات التي سبق أن كانت مفيدة معه.

كما يفيد استمرار التواصل بين الأسرة والمدرسة طوال العام الدراسي، خاصة عند ظهور تغيرات في أداء الطالب أو سلوكه أو احتياجاته. ويمكن أن يساعد تبادل المعلومات حول ما يحدث في المنزل والمدرسة على تحديد الاستراتيجيات المفيدة، وتعديل الدعم عند الحاجة، وتحقيق قدر أكبر من الاتساق بين البيئتين.

دعم فردي ضمن بيئة تعليمية شاملة

لا توجد استراتيجية واحدة تناسب جميع الطلاب ذوي الاختلافات العصبية. ويتطلب الدعم الفعّال فهم نقاط القوة والاحتياجات الفردية لكل طالب، وملاحظة العوامل التي تسهّل مشاركته أو تجعلها أكثر صعوبة.

ويمكن للمدارس دعم هؤلاء الطلاب من خلال النظر إلى العوامل الكامنة وراء السلوك، وتعليم مهارات التنظيم والوظائف التنفيذية، وتهيئة البيئة التعليمية، وتوفير الدعم الاجتماعي، والتعاون المستمر مع الأسرة.

وتساعد هذه الممارسات على توفير بيئة تعليمية أكثر استجابة للفروق الفردية، بحيث يحصل الطالب على الأدوات والتعديلات التي يحتاج إليها للوصول إلى التعلم والمشاركة المدرسية، مع الحفاظ على التوقعات التعليمية والاجتماعية المناسبة لقدراته واحتياجاته.

المرجع:

How Schools Can Support Neurodivergent Students

https://childmind.org/article/how-schools-can-support-neurodiverse-students/