ترجمة: أ. سوار الماجري
تُشكل تجربة أمومة طفل مشخص باضطراب طيف التوحد تحولاً جذرياً وعميقاً في مسار حياة المرأة الشخصية، الأسرية، والمهنية. فهي ليست مجرد رحلة تربوية اعتيادية تتطلب الرعاية والتوجيه التقليدي، بل هي تجربة إنسانية مركبة وشاملة تعيد تشكيل هوية الأم وأدوارها؛ حيث تنتقل من الدور الأمومي المعتاد لتتحمل عبئاً يومياً متزايداً يتداخل فيه دور المربية مع أدوار المعالجة المنزلية والمدافعة عن الحقوق. تواجه الأمهات في هذا السياق واقعاً يعج بالتحديات اليومية المتراكمة، والمسؤوليات المتشابكة، والضغوط النفسية المستمرة الناتجة عن التعامل مع صعوبات التواصل والأزمات السلوكية الحادة التي قد تصل نسبة انتشارها إلى 80% بين الأطفال والمراهقين ذوي التوحد. وعلى الرغم من أن الأبحاث والدراسات العلمية غالباً ما تركز على المسارات التشخيصية أو الخطط العلاجية والسلوكية الخاصة بالطفل، فإن الواقع المعيش للأم يتجاوز هذه الأبعاد التقنية ليمس جوهر استقرارها النفسي والأسري والاجتماعي، ويؤثر حاداً على حياتها الزوجية ووضعها المهني والاقتصادي، مما يضع قدرتها الديناميكية على التكيف وإعادة التوازن تحت اختبار دائم ومستمر يتطلب وجود منظومة دعم حقيقية وشبكات تمكين متكاملة تحتضن الأم وتلبي احتياجاتها الأساسية.
1. الأمومة في ظل التوحد: أدوار متعددة وعبء يومي متزايد
تبدأ التجربة الأمومة مع التوحد حتى قبل الحصول على التشخيص الرسمي؛ حيث تبدأ الأم بملاحظة الفوارق النمائية وتستشعر وجود اختلاف في نمو طفلها مقارنة بأقرانه. ومع تأكيد التشخيص، تجد الأم نفسها مفاجأة بالانتقال من الدور الأمومي التقليدي إلى تحمل حزمة من الأدوار المركبة والمستنزفة:
دور الأم المربية والرائعة: يتطلب هذا الدور جهداً استثنائياً لتلبية الاحتياجات الأساسية للطفل وتوفير الأمان والرعاية اليومية. إلا أن المهام الاعتيادية — كالإطعام، والنوم، والاستحمام — تتدخل فيها الحساسيات الحسية والصعوبات السلوكية، مما يجعلها تستغرق وقتاً أطول وجهداً مضاعفاً مقارنة بالأطفال النمطيين.
دور المعالجة والممتثلة للبرامج: نظرًا لقلة الخدمات المتاحة أو صعوبة الوصول إليها، تضطر الأم لتلقي التدريبات وتطبيق البرامج السلوكية واللغوية والحركية داخل المنزل. وتتحول بيئة البيت إلى مساحة علاجية مستمرة، مما يضع الأم تحت ضغط دائم لضمان استمرارية التقدم النمائي لطفلها.
دور المدافعة والمنادية بالحقوق (Advocate): تواجه الأم رحلة شاقة في البحث عن الخدمات الطبية والتعليمية، والتفاوض مع المؤسسات، ومواجهة قوائم الانتظار الطويلة. يتطلب هذا الدور طاقة عالية للتوعية والمطالبة بحقوق الطفل في التغطية الصحية والتأهيل المناسب.
تؤدي هذه الأدوار المتداخلة والمتشابكة إلى خلق ما يُعرف بالعبء الإضافي أو الحمل الذهني والبدني المتراكم؛ حيث تجد الأم نفسها في حالة تأهب دائم واستنفار مستمر للحد من الأزمات السلوكية الحادة المفاجئة، ومحاولة فهم المفاتيح التواصلية غير اللفظية لطفلها، بالإضافة إلى تنسيق المواعيد الطبية والعلاجية المكثفة والاضطرار لمتابعتها بشكل يومي دون انقطاع.
التأثيرات المتشابكة على مجالات الحياة المختلفة
لا تقتصر آثار رعاية طفل من ذوي طيف التوحد على الجانب النفسي الشديد للأم فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على كافة مجالات حياتها اليومية والأسرية والاجتماعية بشكل عميق ومتشعب:
الحياة الزوجية والعائلية
تتأثر العلاقة الزوجية والعائلية بشكل مباشر وعميق بحجم الضغوطات اليومية المتراكمة وشغل كامل أوقات الوالدين برعاية الطفل المستمرة، لا سيما مع تزايد العبء الإضافي والحمل الذهني والبدني الناتج عن التعامل مع صعوبات التواصل والأزمات السلوكية الحادة التي قد تصل نسبة انتشارها إلى 80% بين الأطفال والمراهقين ذوي التوحد. فبينما تنجح بعض الأسر في تعزيز التماسك والتعاون المشترك لمواجهة هذه التحديات اليومية المتشابكة، تعاني أسر أخرى من تراجع ملحوظ في التفاعل الإيجابي بين الزوجين وتزايد النزاعات والخلافات المستمرة نتيجة الإجهاد المزمن، القلق، والإنهاك البدني الشديد الذي قد يؤدي إلى أعراض الاحتراق النفسي والأمومي. علاوة على ذلك، تواجه الأمهات ضغوطاً نفسية ممتدة حيث يشعرن بـ ذنب عميق تجاه الأبناء الآخرين في الأسرة، لشعورهن باستنزاف وقتهن وطاقتهن النفسية والجسدية بالكامل لصالح الطفل التوحدي ومتابعة جلساته ومواعيده الطبية المكثفة يومياً دون انقطاع، وذلك على حساب احتياجات إخوته النمطيين الذين قد يشعرون بالإهمال غير المقصود نتيجة هذا التوزيع غير المتوازن للرعاية.
المجال الاجتماعي والعزلة
تعاني أمهات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد من عزلة اجتماعية متزايدة. ويعود ذلك إلى صعوبة المشاركة في الأنشطة الاجتماعية العامة، والتخوف من ردود أفعال المجتمع تجاه السلوكيات غير النمطية للطفل. وتتفاقم هذه العزلة نتيجة الضغوط المستمرة المرتبطة بالتعامل مع صعوبات التواصل والأزمات السلوكية الحادة وسلوكيات التحدي — مثل نوبات الغضب العارمة، الحركة المفرطة، الصراخ، أو إيذاء الذات — التي تصل نسبة انتشارها إلى قرابة 80% بين الأطفال والمراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد. ويؤدي غياب الفهم والوعي المجتمعي بطبيعة هذه السلوكيات — التي تعد في الغالب أدوات تواصل غير لفظية ورسائل مشفرة يلجأ إليها الطفل للتعبير عن احتياجات جوهرية غير ملباة أو إحباط أو حمل حسي مفرط — إلى تعرض الأمهات للانتقاد واللوم غير المبرر على ممارساتهن التربوية. هذا العبء النفسي والاجتماعي المتراكم، مضافاً إليه الوصمة الاجتماعية (Stigma) المقترنة بالطبيعة “غير المرئية” للإعاقة، يدفع الأمهات للانسحاب والتقوقع لتفادي الإجهاد الانفعالي والاجتماعي الزائد. كما أن غياب شبكات الدعم وقنوات المساندة الفعالة يحرم الأمهات من التفاعل مع أمهات يخضن التجربة نفسها، وهو التفاعل الذي يساهم بشكل كبير في تقليل الشعور بالعزلة ويوفر مساحة حيوية للتعاطف والمشاركة وتخفيف الإنهاك والاحتراق الأمومي.
الحياة المهنية والاقتصادية
تتأثر المسارات المهنية للأمهات بشكل حاد وملحوظ، حيث تضطر نسبة كبيرة منهن إلى تقليص ساعات العمل، أو التخلي عن فرص الترقية المهنية، أو ترك الوظيفة تماماً للتفرغ الكامل لرعاية الطفل ومتابعة جلساته العلاجية والتأهيلية المكثفة. يترتب على هذا التراجع المهني القسري تداعيات اقتصادية ضاغطة ومستمرة على دخل الأسرة الإجمالي، إلى جانب فقدان الأم لمجال حيوي ومهم للتطور الشخصي، وتحقيق الذات، والاستقلالية الذاتية والمالية.
ويتعاظم هذا التأثير الاقتصادي والمهني نتيجة التكلفة العالية والعبء المالي المصاحب للبحث عن الخدمات الطبية والتعليمية المتخصصة، والتفاوض مع المؤسسات المختلفة، ومواجهة قوائم الانتظار الطويلة، بالإضافة إلى الاضطرار لتلقي التدريبات وتطبيق البرامج السلوكية واللغوية كتدخلات منفذة عبر أولياء الأمور داخل المنزل لضمان استمرارية التقدم النمائي. هذا الاستنزاف المستمر للوقت والجهد في رعاية الطفل ومتابعة مواعيده اليومية دون انقطاع، لا سيما عند التعامل مع صعوبات التواصل والأزمات السلوكية الحادة وسلوكيات التحدي التي تصل نسبة انتشارها إلى قرابة 80% بين الأطفال والمراهقين ذوي اضطراب طيف التوحد، يضاعف من العبء الإضافي والحمل الذهني والبدني المتراكم، مما يجعل الجمع بين التطور الوظيفي والمسؤوليات الرعائية المركبة أمراً في غاية الصعوبة، وينتهي بالأم غالباً إلى الانسحاب المهني التام لتفادي الإنهاك الشديد وأعراض الاحتراق النفسي والأمومي.
3. مسارات التكيف النفسي وآليات المواجهة
يعبر مفهوم التكيف عن العملية الديناميكية التي تسعى الأم من خلالها للوصول إلى حالة من التوازن بين الاحتياجات الشخصية المتزايدة ومتطلبات البيئة المحيطة. وتتخذ هذه الرحلة مسارات متنوعة وغير خطية، تتأثر بطبيعة التحديات والموارد المتاحة وآليات المواجهة المتبعة:
آليات المواجهة والعوامل المسهلة (Facilitators)
لتجاوز الضغوط المتراكمة، تعتمد الأمهات على الاستراتيجيات المتاحة لديهن، مثل:
الدعم الاجتماعي والمجتمعي: التفاعل مع أمهات يخضن التجربة نفسها يساهم في تقليل الشعور بالعزلة ويوفر مساحة للتعاطف والمشاركة.
إعادة التأطير المعرفي: تقبل الواقع الجديد، والتخلي عن توقعات المثالية، والتركيز على الإنجازات الصغيرة التي يحققها الطفل.
البحث عن المعرفة واستكشاف الخدمات: التحرك الإيجابي لجمع المعلومات والتنسيق مع المختصين يُعزز الشعور بالكفاءة والسيطرة.
المسارات التكيفية والمُخرجات
تتفاوت مخرجات عملية التكيف من أم إلى أخرى؛ فبينما تتمكن بعض الأمهات من استعادة التوازن النفسي والوصول إلى مرحلة من النمو الشخصي والشعور بالتمكين والامتنان، تعاني أمهات أُخريات من تراجع مستمر في الصحة النفسية، مما يجعلهن عرضة للإجهاد المزمن، والقلق، وأعراض الاحتراق النفسي (Burnout) والاحتراق الأمومي. ويكمن الفارق الأساسي في مدى التوازن بين العبء المتراكم وحجم الدعم الفعال المتاح للأم.
خاتمة
إن فهم التكيف الأمومي في سياق التوحد يقتضي النظر إلى الأم باعتبارها الركيزة الأساسية والعمود الفقري لاستقرار الأسرة وتطور الطفل النمائي. إن الدعم الحقيقي للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لا يمكن أن يكتمل دون توفير منظومة رعاية متكاملة تحتضن الأم نفسها، وتلبي احتياجاتها النفسية والاجتماعية والمهنية. إن الانتقال من مجرد تقديم الدعم التقني للطفل إلى بناء شبكات تمكين وتأهيل للأم يُعد خطوة جوهرية لتخفيف الأعباء المتراكمة وإتاحة الفرصة لها لتحقيق توازن مستدام يُعزز من جودة حياة الأسرة بأكملها.
المرجع :
POINT DE VUE DES MÈRES AYANT UN JEUNE ENFANT AUTISTE SUR LEUR PROCESSUS D’ADAPTATION MATERNELLE





