الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التحديات الاجتماعية لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

قد يمتد أثر صعوبات التعلم إلى التواصل وتكوين العلاقات، ولا يقتصر على الأداء الأكاديمي عند الحديث عن الأطفال ذوي صعوبات التعلّم، غالبًا ما ينصبّ الاهتمام على الصعوبات المرتبطة بالقراءة أو الرياضيات أو تنظيم المهام أو المحافظة على الانتباه داخل الفصل. إلا أن بعض الأطفال ذوي صعوبات التعلّم واضطرابات الانتباه يواجهون أيضًا تحديات في التواصل والتفاعل الاجتماعي.

فقد يجد الطفل صعوبة في التواصل مع أقرانه، أو تكوين الصداقات، أو فهم ما هو متوقع منه في المواقف الاجتماعية. وقد لا يلاحظ بعض الإشارات الاجتماعية، أو يسيء تفسير لغة الجسد ونبرة الصوت، أو يتحدث بإفراط أو في وقت غير مناسب. كما قد يواجه صعوبة في التعبير عن أفكاره، أو فهم الدعابة، أو متابعة ما يحدث داخل المجموعة وتحديد الطريقة المناسبة للمشاركة فيها.

وخلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، قد تجعل الاختلافات البسيطة في السلوك الاجتماعي الطفل أكثر عرضة للرفض أو السخرية أو التنمر من أقرانه. وفي بعض الحالات، قد تُفسَّر الصعوبات الاجتماعية لدى الأطفال الصغار على أنها مؤشر على اضطراب طيف التوحد، نظرًا إلى أن صعوبات التواصل والتفاعل الاجتماعي تدخل ضمن خصائصه التشخيصية. ومع ذلك، قد تظهر بعض هذه السلوكيات لدى أطفال لا تنطبق عليهم معايير تشخيص الاضطراب؛ ولذلك لا ينبغي الاعتماد عليها منفردةً في التفسير أو التشخيص.

العمليات المعرفية في التفاعل الاجتماعي

لفهم العلاقة بين صعوبات التعلم والتحديات الاجتماعية، من المفيد النظر إلى العمليات المعرفية التي تحدث أثناء التفاعل الاجتماعي.

فعندما يواجه الشخص موقفًا أو معلومة جديدة تتطلب استجابة، يحتاج إلى فهم ما قيل، وتنظيم أفكاره، وتحديد الاستجابة المناسبة، ثم استدعاء الكلمات اللازمة للتعبير عنها. وعلى الرغم من أن هذه العملية تبدو تلقائية لدى كثير من الأشخاص، فإنها تتضمن سلسلة من الخطوات المعرفية التي تُنفَّذ بسرعة كبيرة.

ويمكن مقارنة ذلك بحل مسألة رياضية متعددة الخطوات؛ فقد يحلها شخص متمكن ذهنيًا وبصورة تلقائية، بينما يحتاج شخص آخر إلى تنفيذ خطوات الحل بالتتابع. وبالمثل، قد يحتاج بعض الأطفال إلى معالجة التفاعل الاجتماعي خطوةً بخطوة بدلًا من فهمه والاستجابة له بصورة فورية.

ولا يدل بطء هذه المعالجة أو تعثرها على انخفاض مستوى الذكاء، بل قد يرتبط بصعوبة في الوصول التلقائي إلى مهارات معرفية أو لغوية محددة.

وعلى الرغم من تشابه السلوك الظاهر لدى الأطفال الذين يواجهون صعوبة في التفاعل الاجتماعي، فإن الأسباب الكامنة وراءه قد تختلف. فقد تكمن الصعوبة في أحد الجوانب الآتية:

  • فهم المعلومات أو الموقف الاجتماعي.

  • تنظيم المعلومات وتحديد الاستجابة المناسبة.

  • استدعاء الكلمات اللازمة للتعبير عن الاستجابة.

صعوبات فهم المعلومات الاجتماعية

قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في ملاحظة الأنماط الاجتماعية وفهم القواعد الضمنية التي تحكم المواقف المختلفة، وهو ما قد يظهر لدى من يُشار إلى أن لديهم صعوبات في التعلم غير اللفظي (Nonverbal Learning Difficulties).

وقد يجد الطفل صعوبة في معرفة كيفية الانضمام إلى مجموعة، أو الرد على التحية، أو فهم مزحة، أو إدراك السلوك المتوقع منه في موقف اجتماعي جديد. فبدلًا من التعرف تلقائيًا إلى النمط الاجتماعي المناسب، قد يحتاج إلى تعلّمه بصورة مباشرة ومنظمة.

ويميل بعض هؤلاء الأطفال إلى الاستفادة من التعليم القائم على التكرار والممارسة. فعلى سبيل المثال، يمكن تعليم الطفل الربط بين تعبيرات الوجه والانفعالات التي تدل عليها، أو تدريبه على خطوات بدء المحادثة وإنهائها والمشاركة في الأنشطة الجماعية. ومع التدريب، قد يصبح استخدام هذه المهارات أسهل، وإن ظل في بعض الأحيان قائمًا على تطبيق قواعد مكتسبة بدلًا من الفهم التلقائي للموقف.

وعندما يمر الطفل بتفاعل اجتماعي سلبي، يمكن للمعلم أو الأخصائي مساعدته على تحليل ما حدث بعد انتهاء الموقف، من خلال تحديد تسلسل الأحداث، والمرحلة التي واجه فيها صعوبة، والاستجابة البديلة التي يمكن استخدامها مستقبلًا. وينبغي أن يكون هذا التحليل تعليميًا وخاليًا من اللوم.

صعوبات التنظيم والوظائف التنفيذية

قد يفهم الأطفال الذين يواجهون صعوبات في الوظائف التنفيذية (Executive Functions)، ومن بينهم بعض الأطفال ذوي اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، المعلومات الاجتماعية المقدمة إليهم، لكنهم يواجهون صعوبة في تنظيمها أو ترتيبها بحسب الأولوية.

فعلى سبيل المثال، قد يترك الطفل سؤال المعلم ويركز على تعليق جانبي من أحد زملائه، أو يقول عبارة غير مناسبة استجابةً لدافع لحظي قبل التفكير في نتائجها. ولا يعني ذلك بالضرورة أنه لا يفهم الموقف الاجتماعي، بل قد تكون الصعوبة في تحديد الإشارة الأهم، أو تثبيط الاستجابة الاندفاعية، أو تنظيم رده بصورة مناسبة.

وعندما تتكرر المقاطعة أو تجاهل التعليمات أو التعليقات غير الملائمة، قد يتلقى الطفل تغذية راجعة سلبية بصورة مستمرة. ومع مرور الوقت، قد يبدأ في تكوين تصور عن نفسه بأنه يخطئ دائمًا أو أنه غير قادر على التعامل مع الآخرين.

لذلك يحتاج الطفل إلى تنمية مهارات التنظيم الذاتي (Self-Regulation)، أي القدرة على مراقبة سلوكه، وإدارة اندفاعه، واختيار الاستجابة الأكثر ملاءمة للموقف. ويمكن تعليم هذه المهارات بالطريقة نفسها التي تُدرَّس بها القراءة أو الرياضيات؛ من خلال تحديد المهارة، وتقديم نموذج لها، والتدريب عليها، وتقديم تغذية راجعة واضحة.

فبدلًا من وصف الطفل بأنه غير منظم أو لا ينتبه، يمكن مساعدته على فهم العلاقة بين قراره واستجابة الآخرين. فعلى سبيل المثال، يمكن توضيح أن تعليقًا معينًا أدى إلى انزعاج زميله، ثم مناقشة استجابة بديلة كان من الممكن استخدامها. ويجعل هذا الأسلوب الخطأ فرصةً للتعلّم بدلًا من أن يكون سببًا للوم أو العقاب.

صعوبات استدعاء اللغة

لا تكمن الصعوبة لدى الأطفال ذوي عسر القراءة (Dyslexia) عادةً في فهم الإشارات غير اللفظية أو إدراك طبيعة الموقف الاجتماعي؛ فقد يكون بعضهم متمكنًا من هذه الجوانب. إلا أن معالجة اللغة واتباع التعليمات متعددة الخطوات قد يتطلبان منهم جهدًا أكبر، مما قد يؤثر في سرعة استدعاء الكلمات أثناء الحديث.

وقد يظهر ذلك في التردد، أو استخدام كلمة غير مقصودة، أو التعبير عن الفكرة بطريقة غير دقيقة أو غير مألوفة. كما قد يبدو مخزون الطفل اللفظي المنطوق أقل من مستوى فهمه الفعلي، بسبب صعوبة الوصول السريع إلى الكلمات المناسبة.

ومع ازدياد اعتماد التفاعل الاجتماعي على اللغة، قد يسيء الأقران تفسير هذا الأسلوب، فينظرون إلى الطفل على أنه أقل نضجًا أو أقل قدرة على متابعة الحديث، على الرغم من أنه قد يفهم الموقف جيدًا.

وحتى عندما لا تؤثر الصعوبات اللغوية المرتبطة بعسر القراءة مباشرةً في فهم التفاعل الاجتماعي، فقد تؤدي التجارب المتكررة من التعثر أو سوء الفهم إلى انخفاض الثقة بالنفس. ولذلك قد يحتاج الطفل، إلى جانب الدعم الأكاديمي واللغوي، إلى تنمية المرونة النفسية ومهارات المناصرة الذاتية (Self-Advocacy).

أثر صعوبات التعلم في الثقة بالنفس

قد يواجه أي طفل مشكلات تتعلق بالثقة بالنفس، إلا أن الأطفال الذين يمرون لسنوات بصعوبات مستمرة في القراءة أو الكتابة أو تنظيم المهام قد يكونون أكثر عرضة لتكوين صورة سلبية عن أنفسهم.

وإذا لم تُفهم صعوبات الطفل أو تُشخَّص بصورة صحيحة، فقد يُتهم بعدم بذل جهد كافٍ، أو بالإهمال، أو بعدم الاهتمام بإنجاز واجباته. وقد يبدأ تدريجيًا في الاعتقاد بأنه أقل ذكاءً من أقرانه، على الرغم من أن صعوبات التعلّم لا تعني انخفاض القدرة العقلية.

كما يحاول بعض الأطفال إخفاء الصعوبات التي يواجهونها، ويبذلون جهدًا إضافيًا حتى لا يلاحظها الآخرون. وقد يؤدي هذا الشعور المستمر بالخجل أو الخوف من انكشاف الصعوبة إلى الانسحاب من المواقف الاجتماعية أو تجنب التفاعل مع الأقران.

وتبدأ المساندة بمساعدة الطفل على فهم طبيعة صعوبته، وإدراك أنها لا تقلل من ذكائه أو قيمته. ثم ينبغي توفير الدعم الفعلي الذي يساعده على اكتساب المهارات والاستراتيجيات المناسبة، والتعامل مع التحديات الأساسية بطريقة تمنحه فرصًا أفضل للتقدم الأكاديمي والاجتماعي.

النظر إلى السلوك الاجتماعي بوصفه مهارة قابلة للتعلم

يساعد تفسير السلوك الاجتماعي غير الملائم بوصفه ناتجًا عن نقص في مهارة محددة على تقليل ردود الفعل الانفعالية من الوالدين والمعلمين، ويفتح المجال أمام تعليم الطفل ما يحتاج إليه.

ففي العادة، لا يُوصف الطفل بأنه سيئ لأنه أخطأ في حل مسألة رياضية، لكن البالغين قد يتعاملون بصورة أكثر انفعالًا عندما يقاطع الحديث أو يقول تعليقًا غير مناسب داخل الفصل. وعندما يتحول الموقف إلى مواجهة انفعالية، تقل قدرة الطفل والبالغ على التفكير بوضوح، وتنخفض فرص التعلم من الخطأ.

لذلك من الأفضل التعامل مع الأخطاء الاجتماعية من خلال تحليل المهارات؛ فيُحدَّد ما الذي لم يفهمه الطفل، أو المهارة التي لم يتمكن من استخدامها، ثم يُدرَّب على استجابة بديلة. وقد تشمل هذه المهارات فهم الإشارات الاجتماعية، أو انتظار الدور، أو تنظيم الأفكار، أو ضبط الاندفاع، أو استدعاء الكلمات المناسبة.

ولا يعني ذلك تجاهل أثر السلوك أو إعفاء الطفل من المسؤولية، بل يعني الانتقال من العقاب المجرد إلى التعليم المنظم. فالهدف هو مساعدة الطفل على فهم الموقف، وإصلاح أثر سلوكه، واكتساب المهارة التي تقلل من تكرار المشكلة مستقبلًا.

وبذلك يصبح الدعم الاجتماعي جزءًا من الخطة التعليمية للطفل، إلى جانب الدعم الأكاديمي، بدلًا من النظر إلى صعوباته في التواصل على أنها عيب في شخصيته أو دليل على سوء السلوك.

المرجع:

Social Challenges of Kids With Learning Problems

https://childmind.org/article/social-challenges-kids-learning-problems/