ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
قد تجعل الحساسية الحسية بعض الأنشطة اليومية، مثل ارتداء الملابس، وتنظيف الأسنان، وتمشيط الشعر، وتناول الطعام، أو دخول الأماكن المزدحمة، أكثر صعوبة لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. وقد يظهر الضيق في صورة بكاء، أو رفض، أو انسحاب، أو محاولة لمغادرة المكان.
لا يتمثل الهدف في إجبار الطفل على تحمّل الانزعاج، بل في فهم المثيرات التي تزيد صعوبة الموقف، وتعديل البيئة والروتين اليومي بما يدعم راحته وأمانه ومشاركته.
ما الحساسية الحسية؟
تشير الحساسية الحسية (Sensory Sensitivity) إلى استجابة الطفل بدرجة شديدة لبعض المدخلات الحسية، مثل الأصوات، أو اللمس، أو الروائح، أو قوام الطعام، أو الحركة. فقد تكون درزات الملابس مزعجة أو مؤلمة، أو يكون صوت مجفف اليدين غير محتمل، أو يسبب تنظيف الأسنان أو تمشيط الشعر ضيقًا واضحًا.
قد يغطي الطفل أذنيه، أو يبتعد عن اللمس، أو يتوقف عن الحركة، أو يرفض الاستمرار، أو يحاول مغادرة المكان. وقد يظهر لديه التهيج أو الإرهاق بعد قضاء وقت طويل في بيئة غنية بالمثيرات.
ومن المهم التعامل مع هذه الاستجابات بوصفها مؤشرات على تجربة الطفل واحتياجاته، وألا تُفسر تلقائيًا على أنها عدم امتثال أو سلوك مشكل. فالهدف ليس إزالة احتياجات الطفل الحسية، بل فهمها وتقليل الضغوط غير الضرورية المرتبطة بها.
يمكن لتحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) المساعدة في تحديد المواقف التي يظهر فيها الضيق، وما يسبقه من مثيرات أو مطالب، وما يساعد على خفضه.
وقد يشمل الدعم:
تعديل البيئة أو خطوات الروتين اليومي.
تعليم الطفل طلب الاستراحة أو التعبير عن الانزعاج.
تقسيم المهمة إلى خطوات صغيرة.
زيادة القدرة على توقع ما سيحدث.
تدريب مقدمي الرعاية على الاستجابة بصورة متسقة.
لا ينبغي استخدام التدخل السلوكي لإجبار الطفل على الاستمرار في موقف يسبب له ألمًا أو ضيقًا شديدًا. بل ينبغي أن يركز على التواصل الوظيفي، وخفض الضيق، وزيادة المشاركة بصورة تدريجية وآمنة.
كما قد يحتاج الطفل إلى دعم من العلاج الوظيفي، أو طبيب الأطفال، أو طبيب الأسنان، أو أخصائي النطق واللغة، أو أخصائي التغذية والإطعام، وفقًا لطبيعة الصعوبة.
فهم الموقف وتخطيط الدعم
يبدأ الدعم بتحديد الموقف الذي تظهر فيه الصعوبة بدقة. فقد يرتبط الضيق بنوع معين من الملابس، أو بمكان صاخب، أو بمهمة من مهام العناية الشخصية، أو بالانتقال المفاجئ بين الأنشطة.
وينبغي أيضًا مراعاة العوامل المصاحبة، مثل التعب، أو الجوع، أو الانتظار، أو الاستعجال، أو وجود أشخاص غير مألوفين؛ إذ قد تزيد هذه العوامل قدرة المثير الحسي على إحداث الضيق.
قبل مطالبة الطفل بالمشاركة، يمكن خفض العوائق من خلال:
اختيار ملابس أكثر راحة.
تقليل مدة البقاء في المكان الصاخب.
اختيار أوقات أقل ازدحامًا.
توضيح خطوات النشاط مسبقًا.
تقديم خيارات محدودة وواضحة.
توفير مكان هادئ لاستعادة التنظيم.
بعد ذلك، يمكن تعليم الطفل مهارة تواصل وظيفية (Functional Communication)، مثل طلب الاستراحة، أو رفض اللمس بطريقة مناسبة، أو الإشارة إلى الخيار المفضل، أو التعبير عن أن الصوت مرتفع.
ينبغي أن تتناسب المهارة مع مستوى الطفل النمائي والتواصلي، وأن تُنقل تدريجيًا إلى المنزل والمدرسة والأماكن العامة بالتنسيق بين الأسرة وأخصائي تحليل السلوك التطبيقي وبقية أعضاء الفريق.
التعامل مع الصعوبات الحسية الشائعة
الملابس والعناية الشخصية
قد يكون رفض الملابس، أو تنظيف الأسنان، أو تمشيط الشعر ناتجًا عن انزعاج حقيقي، لا عن رفض متعمد. ويمكن استخدام ملابس أكثر راحة، وتقسيم المهمة إلى خطوات قصيرة، واتباع ترتيب ثابت، وتقديم فترات توقف عند الحاجة. كما يفيد منح الطفل بعض الاختيار في زيادة شعوره بالسيطرة وتقليل التوتر.
أما إذا ظهرت مؤشرات على الألم، أو التهيج الجلدي، أو مشكلات الأسنان، فينبغي طلب تقييم من التخصص المناسب.
الضوضاء والازدحام
يمكن خفض صعوبة الأماكن الصاخبة من خلال تعريف الطفل مسبقًا بما سيحدث، واختيار أوقات أقل ازدحامًا، وتحديد مدة الزيارة، ووضع خطة لمغادرة المكان، وإتاحة وسائل مناسبة لتخفيف الضوضاء. كما ينبغي ملاحظة العلامات المبكرة للضيق والتدخل قبل تصاعد الاستجابة.
الطعام
قد ترتبط صعوبات الأكل برائحة الطعام، أو مظهره، أو قوامه، أو درجة حرارته. وينبغي تجنب الضغط المستمر على الطفل، مع ملاحظة الجانب الذي يسبب الضيق، وتقديم التغييرات تدريجيًا بما يتناسب مع قدرته على التقبل.
إذا أثرت الصعوبة في التغذية، أو النمو، أو السلامة، أو سببت ضيقًا شديدًا، فقد تتطلب تقييمًا طبيًا أو تدخلًا متخصصًا في التغذية والإطعام.
الانتقالات
قد تجمع الانتقالات بين الصوت، والحركة، والانتظار، والجِدة، والمتطلبات الاجتماعية. ويمكن تسهيلها من خلال الإعداد المسبق، واستخدام جدول بصري عند الحاجة، وخفض المطلب الأول، ومنح الطفل وقتًا للتكيف، مع استخدام تعليمات قصيرة وواضحة.
التعامل مع فرط الحمل الحسي
عندما يتعرض الطفل لفرط الحمل الحسي (Sensory Overload)، تكون الأولوية للحفاظ على السلامة وخفض المثيرات والمطالب.
يمكن الانتقال إلى مكان أكثر هدوءًا، واستخدام عبارات قصيرة، وتقديم وسائل التنظيم المألوفة. وينبغي تجنب كثرة الأسئلة أو الضغط على الطفل لشرح مشاعره أثناء الضيق؛ لأن قدرته على الاستجابة قد تكون محدودة في تلك اللحظة.
بعد أن يستعيد هدوءه، يمكن مراجعة الموقف لتحديد المثير المحتمل، والعوامل التي زادت صعوبته، وما ساعد على خفض الضيق، والتعديلات التي يمكن تطبيقها مستقبلًا.
متى يحتاج الطفل إلى دعم إضافي؟
قد تكون التعديلات البسيطة كافية عندما تكون الصعوبة محدودة وتتحسن مع تغيير البيئة أو الروتين اليومي.
أما إذا أثرت الحساسية الحسية في مشاركة الطفل، أو نومه، أو تغذيته، أو نظافته الشخصية، أو أدت إلى مخاطر تتعلق بالسلامة، فقد تكون هناك حاجة إلى تقييم ودعم إضافيين.
قد يساعد تحليل السلوك التطبيقي في تحديد الأنماط، وتعليم التواصل الوظيفي، وتعديل الروتين اليومي. وقد يكون العلاج الوظيفي أكثر ملاءمة عندما تتعلق الصعوبة بالمشاركة في الأنشطة اليومية، أو المهارات الحركية، أو التعديلات البيئية. كما ينبغي الاستعانة بالخدمات الطبية عند الاشتباه في وجود ألم أو مشكلة صحية.
وتكون خطة الدعم أكثر ملاءمة عندما تستند إلى احتياجات الطفل الفردية، وملاحظات الأسرة، والتنسيق بين التخصصات.
المرجع:
Autism and Sensory Sensitivity: ABA Strategies That Help Children Feel Comfortable and Safe





