ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
قد لا تختفي تمامًا، لكنها قد تصبح أقل حدة مع النضج وتعلم استراتيجيات التعامل معها
يتذكر جيمس، البالغ من العمر أربعة عشر عامًا، أنه كان يشعر بالإرهاق الحسي عندما كان صغيرًا ويجلس في عربة الأطفال، ولا سيما في البيئات الصاخبة والمزدحمة، مثل مراكز التسوق ومدن الألعاب. وكان يستجيب لهذه المواقف بمص إبهامه والانكماش على نفسه ومحاولة تجاهل ما يحيط به. وتشير والدته إلى أنه كان يختبئ أو يستغرق في النوم، وأنه كلما ارتفع مستوى الضوضاء، ازداد استغراقه في النوم سرعة.
ومع تقدمه في العمر، أصبح ينتقل إلى غرفة أخرى للابتعاد عن المثيرات التي تسبب له فرط الاستثارة الحسية، وكان يندفع مبتعدًا في الأماكن العامة. ودفع القلق على سلامته أسرته إلى التوقف عن اصطحابه إلى الأماكن شديدة الازدحام. كما كان يُظهر نوبات انفعالية شديدة في أماكن مألوفة يشعر فيها بالأمان، مثل السيارة والمدرسة والمنزل.
ترتبط هذه السلوكيات بصعوبات المعالجة الحسية (Sensory Processing Issues)، وهي شائعة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ومن بينهم جيمس.
كانت الصعوبات الحسية في طفولته تؤثر بدرجة كبيرة في أدائه ومشاركته في أنشطة الحياة اليومية، إلا أنها أصبحت أقل حدة في مرحلة المراهقة. ويرى جيمس أنها لا تزال تجعل بعض جوانب حياته أكثر صعوبة، لكنها لم تعد تؤثر فيه بالدرجة نفسها التي كانت عليها خلال طفولته.
تختلف مسارات صعوبات المعالجة الحسية من شخص إلى آخر. فقد تخف لدى بعض الأطفال مع تقدمهم في العمر، أو تصبح أقل تأثيرًا في حياتهم اليومية. وقد تستمر مدة أطول عندما تكون مصاحبة لاضطراب نمائي آخر، مثل اضطراب طيف التوحد، إلا أن القدرة على التعامل معها قد تتحسن أيضًا بمرور الوقت.
كما تفيد خبرات بعض الوالدين والمراهقين والبالغين ذوي اضطراب طيف التوحد بأن المهارات التي اكتسبوها من خلال العلاج الوظيفي، إلى جانب التعديلات البيئية المناسبة، ساعدتهم على الحد من تأثير الصعوبات الحسية مع تقدمهم في العمر.
ما صعوبات المعالجة الحسية؟
يواجه بعض الأطفال صعوبة في معالجة المعلومات التي يستقبلونها من خلال الحواس الخمس، وهي السمع واللمس والتذوق والبصر والشم، إضافة إلى نظامين حسيين داخليين أقل شيوعًا في المعرفة العامة.
يتعلق النظام الأول بإدراك وضع الجسم وحركته في الفراغ، ويُعرف بالحس العميق أو الحس الاستقبالي (Proprioception). أما النظام الثاني فيرتبط بالحركة والتوازن والتناسق، ويُعرف بالنظام الدهليزي (Vestibular System).
يظهر لدى بعض الأطفال فرط في الاستجابة الحسية (Sensory Over-Responsivity)، بحيث تصبح الأصوات أو اللمسات أو الأضواء أو الروائح وغيرها من المدخلات الحسية شديدة أو مرهقة بالنسبة إليهم، مما قد يدفعهم إلى تجنبها.
وفي المقابل، قد يظهر لدى أطفال آخرين انخفاض في الاستجابة الحسية (Sensory Under-Responsivity)، مما قد يدفعهم إلى البحث عن قدر أكبر من التحفيز الحسي، مثل الاصطدام المتعمد بالأشياء أو الأشخاص، أو الانخراط في أنشطة حركية مكثفة.
وقد يجمع بعض الأطفال بين النمطين؛ فيبحثون عن أنواع معينة من التحفيز الحسي، ويتجنبون أنواعًا أخرى تبعًا لطبيعة المثير والسياق المحيط بهم.
العلاج الوظيفي
مثل كثير من الأطفال الذين يواجهون صعوبات في المعالجة الحسية، تلقى جيمس خدمات العلاج الوظيفي (Occupational Therapy – OT) منذ أن كان في الثانية من عمره حتى بلغ الثامنة.
واستخدم أخصائي العلاج الوظيفي معه خلال طفولته أنشطة تتضمن التأرجح والدوران والضغط العميق، بهدف مساعدته على تنظيم استجاباته الحسية والهدوء. كما يعمل أخصائيو العلاج الوظيفي على تنمية المهارات الحركية الكبرى والدقيقة التي قد تتأثر بالصعوبات المرتبطة بالنظامين الدهليزي والاستقبالي. وقد لاحظت أسرته أنه كان أكثر هدوءًا بعد هذه الجلسات.
وتلقى غايب، وهو مراهق يبلغ من العمر ستة عشر عامًا ويواجه صعوبات في المعالجة الحسية، العلاج الوظيفي منذ عمر أربع سنوات حتى الصف الثامن. وترى والدته أن حالته تحسنت مع مرور الوقت، وأن سنوات التدخل وما اكتسبه خلالها من فهم لصعوباته ساعداه على التعامل معها بصورة أكثر فاعلية.
ولا يقتصر دور العلاج الوظيفي على الأنشطة المقدمة داخل الصالات الحسية؛ إذ يعمل كثير من أخصائيي العلاج الوظيفي في المدارس، ويقدمون استشارات بشأن التعديلات التي يمكن توفيرها للطلاب داخل الصفوف الدراسية.
وقد تشمل الوسائل المستخدمة، وفقًا لاحتياجات الطفل ونتائج التقييم الفردي، توفير وسائد مناسبة للجلوس، أو سترات موزونة، أو تمارين للتنفس تتضمن النفخ في صافرة لا تصدر صوتًا، أو أدوات صغيرة قابلة للتحريك باليد تُعرف بأدوات التململ (Fidget Tools).
وقد توفر هذه الوسائل لبعض الأطفال مدخلات حسية تساعدهم على تنظيم أجسامهم والشعور بقدر أكبر من الاستقرار. ومع ذلك، لا تناسب الأداة نفسها جميع الأطفال، وينبغي اختيارها ومتابعة استخدامها بناءً على تقييم مهني فردي.
الاستمرار في استخدام استراتيجيات التعامل
يفيد بعض المراهقين والبالغين بأنهم يواصلون استخدام الأدوات والاستراتيجيات التعويضية التي تعلموها خلال العلاج الوظيفي.
لا يزال التأرجح، على سبيل المثال، يساعد جيمس على تنظيم مستوى نشاطه. ولديه أرجوحة قماشية معلقة في الطابق السفلي من منزله يستخدمها للدوران. وعلى الرغم من أنه لا يستخدمها بانتظام، فإنه يلجأ إليها عندما يشعر بأن لديه قدرًا كبيرًا من الطاقة ويحتاج إلى تفريغها.
وعندما يشعر بالقلق، يفضل الحصول على مدخلات الضغط العميق (Deep Pressure). ويصف استخدامه لكيس جلوس كبير وناعم، إذ يضعه فوق جسده ويطلب من شخص آخر إضافة ضغط خارجي عليه. وتمثل هذه خبرة شخصية، ولا ينبغي تطبيق الضغط العميق أو استخدام الأدوات الموزونة إلا مع مراعاة السلامة والاحتياجات الفردية وتحت إشراف مناسب عند الحاجة.
كما يستخدم بطانية موزونة أثناء النوم، ويشرب باستخدام الشفاطة بوصفها بديلًا أكثر ملاءمة اجتماعيًا لسلوك مص الإبهام، ويمضغ العلكة، ويرتدي سماعات الرأس في الأماكن العامة الصاخبة، ويستخدم مجموعة من الأدوات الحسية الصغيرة.
وتعلّم أيضًا تجنب بعض المواقف التي يُحتمل أن تسبب له فرط التحفيز، سواء لأنه يتوقع أن تكون المدخلات الحسية فيها شديدة، أو لأنه يكون متعبًا أو متوترًا بعد يوم دراسي طويل.
وعندما لا يستطيع تجنب الموقف، يحاول وضع خطة بديلة. فعلى سبيل المثال، يبحث مسبقًا عن مكان هادئ يمكنه الانتقال إليه إذا أصبحت المثيرات المحيطة به مرهقة. ولا تزال لديه حساسية شديدة تجاه بعض الأطعمة، إلا أن قدرته على التعامل معها تحسنت تدريجيًا من خلال التدخل السلوكي.
أما غايب، فقد ساعده العلاج الوظيفي على فهم الوسائل المناسبة لتلبية احتياجاته الحسية. فبدلًا من الاصطدام بالآخرين، تعلّم استخدام بطانية ثقيلة، أو طلب ضغط جسدي مناسب، أو أداء بعض التمارين متساوية القياس (Isometric Exercises).
ولا تزال تمارين الضغط والمشي بوضعية السلطعون من الأنشطة التي يفضلها لتنظيم استجاباته الجسدية. كما تساعده الأنشطة الخارجية، مثل المشي وركوب الدراجة والتزلج والسباحة، على تنظيم مستوى نشاطه. وعندما لا تسمح الظروف الجوية بممارسة الأنشطة الخارجية، يستخدم الاستحمام للحصول على مدخلات حسية مرتبطة بالماء.
كيف قد يساعد النضج؟
قد يصبح الأطفال أكثر استعدادًا لتحمل الانزعاج الحسي مع تقدمهم في العمر، ولا سيما عندما تزداد دوافعهم للمشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو الوصول إلى خبرات يرغبون فيها.
وقد ساعد النضج غايب على زيادة وعيه بذاته، وإدراك أن بعض السلوكيات قد لا تكون ملائمة في المواقف الاجتماعية. كما دفعته رغبته في حضور مناسبات اجتماعية، مثل حفلات أعياد الميلاد التي تُقام في أماكن مزدحمة وصاخبة، إلى تعلم التعامل مع الانزعاج الحسي أو تحمله مدة أطول.
ولا يعني ذلك أن صعوباته الحسية قد اختفت؛ فقد أصبح في السادسة عشرة أكثر قدرة على إدارتها مقارنةً بما كان عليه في عمر أربع سنوات أو حتى اثنتي عشرة سنة.
ويتفق جيمس مع ذلك، لكنه يشير إلى أن الصعوبات الحسية ما زالت تمنعه من المشاركة في بعض المواقف، مثل التجمعات الكبيرة جدًا أو البيئات شديدة الضوضاء، ولذلك لا تزال تفرض بعض القيود على الأنشطة التي يستطيع القيام بها.
ولا ينبغي تفسير التحسن دائمًا بوصفه نتيجة تعلم الاستراتيجيات التعويضية فقط؛ فقد يكون للنضج العصبي أيضًا دور في التغيرات التي تظهر بمرور الوقت.
إذ تحدث خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة عمليات نمائية عصبية قد تسهم في إحداث تغيرات في السلوك والاستجابة للمثيرات. ومع ذلك، تختلف سرعة هذه العمليات ومساراتها من طفل إلى آخر، وقد يفسر هذا الاختلاف جانبًا من التحسن الملحوظ لدى بعض الأطفال.
عندما تستمر الصعوبات الحسية
لا يعني ذلك أن جميع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات حسية يتحسنون بالدرجة نفسها. إذ يفيد بعض البالغين ذوي اضطراب طيف التوحد بأن حساسياتهم الحسية لم تختفِ، وأن تأثيرها قد يزداد عندما لا يتفهم الآخرون احتياجاتهم أو يرفضون توفير التعديلات المناسبة لهم.
وقد يدفع تراكم الضغوط الحسية بعض الأشخاص إلى تجنب البيئات الاجتماعية والعامة بدرجة كبيرة، والانسحاب إلى حد من العزلة لتجنب المثيرات الحسية المرهقة.
كما قد تتغير طبيعة الصعوبات الحسية مع التقدم نحو مرحلة البلوغ. فقد تصبح المتطلبات البصرية والسمعية في المدرسة والعمل أكثر كثافة، مثل قراءة النصوص المطبوعة باللون الأسود على خلفية بيضاء، أو متابعة المحاضرات الطويلة القائمة على الاستماع المستمر إلى متحدث واحد.
وقد تسهم التقنيات المساندة والتعديلات البيئية في تخفيف بعض هذه الصعوبات، إلا أن بعض المهام الأكاديمية والمهنية قد تظل مرهقة للأشخاص الذين يظهرون حساسية بصرية أو سمعية مرتفعة.
الصعوبات الحسية في مرحلة البلوغ
يفيد كثير من البالغين ذوي اضطراب طيف التوحد بأن صعوباتهم الحسية لم تختفِ تمامًا، لكنها أصبحت أكثر قابلية للإدارة بعد أن تعلموا كيفية تعديل بيئاتهم وتجنب المثيرات المرهقة واستخدام استراتيجيات مناسبة.
توضح ديلاين سويرمان، البالغة من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، والتي حصلت على تشخيص اضطراب طيف التوحد في سن الثلاثين، أنها واجهت الصعوبات الحسية نفسها طوال حياتها، ولا سيما الصعوبات المرتبطة بالأصوات والإضاءة واللمس.
ويصف ميلكر يوهانسون، البالغ من العمر خمسة وأربعين عامًا، والذي حصل على التشخيص في سن الحادية والأربعين، خبرة مشابهة. وينطبق الأمر نفسه على جينيفر ماليا، البالغة من العمر إحدى وأربعين عامًا، والتي حصلت على تشخيص اضطراب طيف التوحد في سن التاسعة والثلاثين.
وقد توصل الأشخاص الثلاثة إلى وسائل متشابهة للتعامل مع احتياجاتهم، مثل استخدام الستائر الداكنة والنظارات التي تقلل شدة الضوء، وتجنب الساعات التي تصدر أصواتًا متكررة، وارتداء الملابس المصنوعة من أقمشة ناعمة ومريحة.
وترتبط قدرتهم على إدارة هذه الصعوبات بدرجة كبيرة بتطوير آليات مناسبة للتعامل معها، لا باختفائها التام.
كما يتجنبون بعض المثيرات، مثل الازدحام والأصوات المرتفعة. وعندما لا يتمكن يوهانسون من تجنبها، يحاول تحويل انتباهه إلى أشياء أخرى، مثل هاتفه الذكي. كما يعتمد في معظم مشترياته على التسوق عبر الإنترنت.
ويصف تجربة شخصية تحدث له أحيانًا عند دخول المتاجر والتجول فيها؛ إذ قد يفقد القدرة على تركيز بصره، وتبدو الأشياء أمامه ضبابية، إلى درجة أنه لا يستطيع رؤية يديه بوضوح. وعند حدوث ذلك، يتوقف وينظر إلى شيء موجود على الأرض لبضع دقائق حتى يستعيد قدرته على التركيز البصري. وتمثل هذه التجربة وصفًا فرديًا لا يلزم أن ينطبق على جميع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات حسية.
التعديلات البيئية وتجنب الضغوط
قد يستخدم بعض البالغين التعديلات البيئية بصورة تلقائية ومتكررة إلى درجة أنهم لا يعودون منتبهين إلى أنهم يجرون تعديلات مستمرة لتلبية احتياجاتهم الحسية.
وتشير ماليا إلى أنها أصبحت تعرف حدودها وتحاول تجنب الوصول إلى حالة الحمل الحسي الزائد (Sensory Overload). ومع ذلك، فإنها لا تزال تواجه أحيانًا نوبات انفعالية شديدة مرتبطة باضطراب طيف التوحد، وغالبًا ما تسبقها صعوبات أو ضغوط حسية.
كما تعلم هؤلاء البالغون التعبير عن احتياجاتهم والدفاع عن حقهم في الحصول على تعديلات مناسبة. فقد تطلب سويرمان، على سبيل المثال، خفض مستوى صوت الموسيقى أو الانتقال مع المجموعة إلى مقاعد أخرى عندما يكون إجراء هذا التعديل ممكنًا.
وأصبحوا أكثر وعيًا بتأثير الضغط النفسي في صعوباتهم الحسية. فعندما يرتفع مستوى الضغط، قد تبدو الأصوات أعلى، والأضواء أشد، والمدخلات الحسية أكثر إزعاجًا أو ألمًا.
وقد تتفاعل الصعوبات الحسية والقلق في دائرة متبادلة؛ إذ قد يزيد القلق من شدة الاستجابة للمثيرات الحسية، في حين قد تؤدي المثيرات الحسية المرهقة إلى زيادة القلق. ولذلك، يساعد تقليل مصادر الضغط على الحد من القلق والحمل الحسي الزائد لدى بعض الأشخاص.
وتستخدم ماليا النشاط البدني وسيلة لتنظيم الضغط النفسي؛ إذ تلاحظ أن عدم ممارستها قدرًا كافيًا من التمارين يجعلها أكثر عرضة للتوتر وأقل قدرة على تحمل التحديات الحسية.
ختامًا
تختلف مسارات صعوبات المعالجة الحسية من شخص إلى آخر. فقد تخف حدتها لدى بعض الأطفال مع النضج العصبي وتقدم العمر، في حين قد تستمر لدى آخرين حتى مرحلة البلوغ.
ولا يعني استمرارها بالضرورة ثبات تأثيرها؛ إذ قد تساعد استراتيجيات التعامل، والعلاج الوظيفي، والتعديلات البيئية، وزيادة الوعي بالاحتياجات الفردية على الحد من تأثيرها في الأداء والمشاركة في الحياة اليومية.
وتشير الخبرات الواردة إلى أن تعلم التعرف إلى المثيرات الحسية، وطلب التعديلات المناسبة، وتنظيم مستوى الضغط النفسي، واستخدام الأدوات والاستراتيجيات التي تلائم احتياجات الشخص قد يزيد قدرته على إدارة الصعوبات الحسية بصورة أكثر فاعلية.
المرجع:
Do Sensory Processing Issues Get Better Over Time?
https://childmind.org/article/do-sensory-processing-issues-get-better-over-time/





