الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

عندما يُخفي السلوك المشكل وجود اضطراب تعلم

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

كيف يمكن التمييز بين الطفل الذي يُظهر سلوكًا مشكلًا والطفل الذي يحتاج إلى دعم تعليمي؟

يعرف كثير من الآباء والأمهات مشهد رفض الطفل دخول المدرسة أو بكائه عند بوابة المدرسة في بداية اليوم الدراسي. إلا أن هذا المشهد كان يتكرر يوميًا مع طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات؛ إذ كانت تعاني ضيقًا بالغًا كلما وصلت إلى المدرسة، فتبكي بشدة وتتشبث بوالدتها، إلى أن يتدخل مدير المدرسة لمساعدتها على الدخول إلى المبنى.

في البداية، اعتقد المحيطون بها أن ما تعانيه يعود إلى القلق أو إلى اضطراب سلوكي، إلا أن التقييم كشف لاحقًا أنها تعاني عسر القراءة (Dyslexia)، وهو أحد اضطرابات التعلم (Learning Disorders). ولم يكن رفضها للمدرسة نابعًا من العناد أو المعارضة المتعمدة، بل من شعورها بالإرهاق أمام متطلبات القراءة والكتابة التي كانت تفوق قدراتها في تلك المرحلة.

قد يُظهر الأطفال الذين لديهم اضطرابات تعلم سلوكًا مشكلًا يتمثل في مقاومة أداء الواجبات، أو رفض المشاركة في الأنشطة الصفية، أو إحداث اضطرابات داخل الفصل الدراسي. وقد يفسر الآباء أو المعلمون هذه السلوكيات على أنها نوع من المعارضة أو قلة الاهتمام بالتعلم، بينما قد تكون في كثير من الأحيان مؤشرًا على وجود اضطراب تعلم غير مشخص يجعل متطلبات التعلم المدرسي أكثر صعوبة.

إن فهم العلاقة بين السلوك المشكل واضطرابات التعلم يساعد الآباء والمعلمين على تقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب، كما يسهم في الحد من الآثار الأكاديمية والاجتماعية التي قد تترتب على تأخر تشخيص هذه الاضطرابات.

ما اضطراب التعلم؟ 

تُعد اضطرابات التعلم (Learning Disorders) اضطرابات نمائية عصبية تنشأ نتيجة اختلاف الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات. وتؤثر هذه الاختلافات العصبية في قدرة الطفل على تعلم القراءة أو الكتابة أو الرياضيات، كما قد تؤثر في بعض العمليات المعرفية المرتبطة بالانتباه والتعلم. ولا ترتبط هذه الصعوبات بانخفاض مستوى الذكاء أو ضعف الجهد المبذول، وإنما تعكس اختلافات في آليات معالجة المعلومات تجعل اكتساب بعض المهارات الأكاديمية أكثر تحديًا.

وقد يفترض بعض الآباء أو المعلمين أن الطفل الذي يواجه صعوبات أكاديمية لا يبذل جهدًا كافيًا، إلا أن هذا التفسير لا يكون دقيقًا في كثير من الحالات. فغالبًا ما تكون لدى الطفل الرغبة في التعلم والنجاح، لكن وجود اضطراب تعلم غير مشخص قد يحد من قدرته على أداء المهام الأكاديمية بالكفاءة المتوقعة.

كيف قد تُفسَّر اضطرابات التعلم على أنها مشكلات سلوكية؟

عندما لا يستطيع الطفل التعبير عن الصعوبات التي يواجهها، فإن آثارها غالبًا ما تنعكس في سلوكه، وقد تظهر أيضًا في صورة أعراض جسدية. فقد يصبح سريع الإحباط أثناء أداء الواجبات المنزلية، أو يبدو غير منظم، أو يرفض اتباع التعليمات. كما أن توقع يوم دراسي مليء بالتحديات قد يزيد من مشاعر القلق، وهو ما قد ينعكس في صورة نوبات انفعالية، أو تجنب الذهاب إلى المدرسة، أو شكاوى جسدية متكررة مثل آلام المعدة.

وقد يلاحظ المختصون أن بعض الأطفال الذين لديهم اضطرابات تعلم غير مشخصة يُظهرون أعراضًا تتشابه مع أعراض اضطرابات القلق، مثل الامتناع عن دخول المدرسة، أو الانسحاب من المواقف التعليمية، أو الرفض المتكرر للذهاب إلى المدرسة. وفي المقابل، قد يتمكن بعضهم من تنظيم انفعالاتهم بعد دخول الصف وبدء اليوم الدراسي.

وعندما يُلاحظ أن الطفل يواجه صعوبة متكررة في مادة دراسية معينة، ويُظهر استجابات انفعالية قوية مرتبطة بها، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستدعي إجراء تقييم شامل للكشف عن احتمال وجود اضطراب تعلم كامن.

عسر القراءة (Dyslexia): عندما تؤدي صعوبة القراءة إلى الإحباط

يُعد عسر القراءة (Dyslexia) من أكثر اضطرابات التعلم شيوعًا، وقد يُفسَّر أحيانًا على أنه سلوك مشكل. فالطفل الذي يواجه صعوبة في القراءة قد يتجنب الأنشطة القرائية، أو يرفض القراءة بصوت مرتفع أمام الآخرين، أو يشعر بإحباط شديد عند تكليفه بمهام تعتمد على القراءة والكتابة.

كما قد يطوّر بعض الأطفال استراتيجيات لإخفاء الصعوبات التي يواجهونها. فقد يلجأ بعضهم إلى المزاح أو لفت انتباه زملائه لتحويل الانتباه عن ضعف مهاراته في القراءة، بينما قد يدّعي آخرون أن القراءة مملة أو غير ممتعة، في حين أن السبب الحقيقي يتمثل في الصعوبة التي يواجهونها عند أداء هذه المهام.

اضطرابات الرياضيات والكتابة (Math and Writing Disorders): التجنب والقلق

يُعد عسر الحساب (Dyscalculia) أحد اضطرابات التعلم التي تؤثر في قدرة الطفل على فهم الأعداد وإجراء العمليات الحسابية، في حين يؤثر عسر الكتابة (Dysgraphia) في القدرة على الكتابة، بما يشمل الخط، والتهجئة، وتنظيم الأفكار كتابيًا. وقد يميل الأطفال الذين يعانون من هذه الاضطرابات إلى تأجيل أداء المهام الدراسية، أو الادعاء بنسيان الواجبات، أو إظهار الانزعاج عند تكليفهم بأنشطة تتطلب استخدام هذه المهارات.

وقد يواجه الأطفال الذين لديهم عسر الكتابة صعوبة في الكتابة اليدوية، أو التهجئة، أو تنظيم أفكارهم على الورق. وقد تمثل كتابة جملة واحدة بالنسبة لبعض الأطفال مهمة مرهقة ومحبطة، مما قد يدفعهم إلى تجنب الكتابة. وفي مثل هذه الحالات، قد يفسر المعلم هذا التجنب على أنه افتقار إلى الدافعية، بينما يكون السبب الحقيقي هو الصعوبة التي يواجهها الطفل أثناء أداء المهمة.

وقد يكون تجنب الذهاب إلى المدرسة أحد المؤشرات المرتبطة بوجود اضطراب تعلم غير مشخص. فقد يشكو الطفل من أعراض جسدية قبل الذهاب إلى المدرسة، أو يطلب زيارة العيادة المدرسية، أو يكرر طلب الخروج إلى دورة المياه أثناء الحصص الدراسية، ولا سيما قبل المواد التي تشكل تحديًا بالنسبة إليه، مثل القراءة أو الرياضيات.

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD): عندما يُساء تفسير الاندفاعية على أنها عناد

على الرغم من أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD) لا يُصنف ضمن اضطرابات التعلم، فإنه قد يؤثر بصورة ملحوظة في قدرة الطفل على التعلم. فهو اضطراب نمائي عصبي يؤثر في الانتباه، وضبط الاندفاع، وتنظيم المهام.

وقد يواجه الأطفال الذين لديهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه صعوبة في اتباع التعليمات، أو الحفاظ على الانتباه أثناء أداء المهام، أو الجلوس بهدوء لفترات مناسبة، وهي سلوكيات قد تُفسَّر خطأً على أنها عناد أو رفض للتعاون.

وقد يلاحظ الآباء أن الطفل يستطيع قضاء وقت طويل في ممارسة الألعاب الإلكترونية، بينما يجد صعوبة في إنجاز الواجبات المدرسية، فيظنون أنه يفتقر إلى الدافعية أو أنه يتعمد تجنب الدراسة. إلا أن السبب يعود غالبًا إلى الصعوبة التي يواجهها الطفل في تنظيم الانتباه؛ إذ يكون التركيز على المهام غير المفضلة أكثر تحديًا بالنسبة إليه.

كما قد يؤثر اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في تنظيم الانفعالات؛ إذ قد يُظهر الطفل قدرة محدودة على تحمل الإحباط، وقد يستجيب بانفعالات شديدة لمواقف تبدو بسيطة للآخرين، مثل تكليفه بأداء واجب منزلي، نتيجة شعوره بأن المهمة تفوق قدرته في تلك اللحظة.

كيف تؤثر اضطرابات التعلم في الصحة النفسية والاجتماعية؟

لا تقتصر آثار اضطرابات التعلم على الجانب الأكاديمي، بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية أيضًا. فقد تؤثر الصعوبات الدراسية المتكررة في ثقة الطفل بنفسه وتقديره لذاته، كما قد يشعر بالحرج أمام أقرانه أو بالقلق من المشاركة داخل الفصل الدراسي، ولا سيما إذا طُلب منه أداء مهام يجد صعوبة في إنجازها. وقد تنعكس هذه المشاعر في صورة تجنب للمواقف التعليمية، أو السلوك المشكل، أو الانسحاب من الأنشطة الصفية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي استمرار هذه الصعوبات دون تشخيص أو دعم مناسب إلى ظهور أعراض القلق أو الاكتئاب. وقد يحمّل بعض الأطفال أنفسهم مسؤولية إخفاقاتهم الأكاديمية، ويعتقدون أنهم أقل قدرة من أقرانهم، مما قد يؤثر سلبًا في صورتهم عن ذواتهم، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى رفض الذهاب إلى المدرسة.

كما قد تؤثر اضطرابات التعلم في العلاقات الاجتماعية للطفل. فقد يواجه صعوبة في متابعة المحادثات، أو فهم قواعد بعض الألعاب، أو تذكر التعليمات، الأمر الذي قد يحد من قدرته على بناء علاقات إيجابية مع أقرانه، مما قد يزيد من شعوره بالعزلة الاجتماعية.

الخطوات التي يُنصح باتباعها عند الاشتباه بوجود اضطراب تعلم

يُعد التعرف إلى مؤشرات اضطرابات التعلم الخطوة الأولى، إلا أن معرفة الخطوة التالية قد تبدو أمرًا محيرًا بالنسبة للوالدين والمعلمين. ومع ذلك، توجد خطوات عملية يمكن أن تسهم في فهم طبيعة الصعوبات التي يواجهها الطفل، وتساعد على توفير الدعم المناسب له في الوقت المناسب.

ملاحظة الأنماط

إذا كان السلوك المشكل الذي يُظهره الطفل يثير القلق، فمن المهم ملاحظة الأنماط المرتبطة بظهور هذا السلوك. فعلى سبيل المثال، هل يواجه الطفل صعوبة متكررة في مادة دراسية محددة؟ وهل يظهر السلوك المشكل في أوقات أو مواقف معينة من اليوم الدراسي؟ إن تحديد توقيت ظهور هذه الصعوبات والظروف التي تحدث فيها قد يساعد في الكشف عن وجود اضطراب تعلم كامن.

وينبغي أن يدوّن كل من الوالدين والمعلمين ملاحظاتهم حول توقيت حدوث السلوك المشكل والظروف التي يظهر فيها. فإذا كان السلوك يتكرر باستمرار أثناء دروس القراءة أو الرياضيات، فقد يكون ذلك مؤشرًا يستدعي التحقق من احتمال وجود اضطراب تعلم.

إجراء تقييم متخصص 

توفر العديد من المدارس خدمات لتقييم الطلاب الذين يُشتبه في وجود اضطرابات تعلم لديهم، كما يمكن اللجوء إلى التقييم النفسي العصبي في جهات متخصصة خارج المدرسة إذا لم تكن هذه الخدمات متاحة، أو عند الحاجة إلى تقييم أكثر شمولًا، أو للحصول على فهم أدق لطبيعة الصعوبات التي يواجهها الطفل.

ويسهم التدخل المبكر في الحد من سنوات من الإحباط والصعوبات التي قد يواجهها الطفل. فغياب التشخيص قد يدفعه إلى تكوين معتقدات سلبية عن قدراته الأكاديمية، أو إلى الاعتقاد بأنه أقل قدرة من أقرانه، رغم أن السبب الحقيقي يكمن في وجود اضطراب تعلم لم يُشخَّص بعد.

تطبيق التدخلات المناسبة 

بعد تشخيص اضطراب التعلم، يمكن أن يسهم اختيار التدخلات المناسبة في دعم الطفل أكاديميًا وتعزيز ثقته بقدراته. وتختلف هذه التدخلات باختلاف نوع اضطراب التعلم واحتياجات الطفل، ومن أبرزها:

عسر القراءة (Dyslexia)

قد تسهم البرامج التعليمية متعددة الحواس (Multisensory Reading Programs)، مثل أورتون–جيلنغهام (Orton–Gillingham) ونظام ويلسون للقراءة (Wilson Reading System)، في تنمية مهارات القراءة لدى الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة. كما يمكن دعمهم من خلال استخدام الكتب الصوتية، وإتاحة وقت إضافي لإنجاز المهام، وتطبيق التدريس القائم على أصوات الحروف (Phonics-Based Instruction) لتعزيز مهارات القراءة.

عسر الحساب وعسر الكتابة (Dyscalculia and Dysgraphia)

قد تساعد أساليب التدريس المنظمة التي تعتمد على تقديم المهارات بصورة متدرجة خطوة بخطوة، واستخدام المنظمات الرسومية (Graphic Organizers)، واستراتيجيات التعلم العملي، في تسهيل تعلم المفاهيم الرياضية. كما يمكن الاستفادة من أدوات تحويل الكلام إلى نص (Speech-to-Text Tools)، وإتاحة وقت إضافي لأداء المهام الكتابية، لدعم الأطفال الذين يواجهون صعوبات في الكتابة.

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD)

قد يستفيد الأطفال من التدريب على مهارات الوظائف التنفيذية (Executive Function Coaching)، ومن تنظيم الروتين اليومي، ومن التدخلات السلوكية التي تساعدهم على تحسين الانتباه، وتنظيم المهام اليومية، وضبط الذات. وقد يكون العلاج الدوائي أحد الخيارات العلاجية المناسبة لبعض الأطفال، وفقًا للتقييم الطبي واحتياجات كل حالة.

كما قد توفر المدرسة تكييفات تعليمية (Educational Accommodations)، مثل إتاحة وقت إضافي في الاختبارات، أو تعديل بعض متطلبات المهام الدراسية، بما يتناسب مع احتياجات الطفل التعليمية.

أهمية التدخل المبكر (Why Early Intervention Matters)

يسهم التشخيص المبكر والتدخل المناسب في تعزيز ثقة الطفل بنفسه، والحد من الإحباط الذي قد ينجم عن استمرار الصعوبات دون تشخيص أو دعم مناسب. كما أن التعرف المبكر إلى اضطرابات التعلم يتيح تقديم الخدمات والتدخلات الملائمة في الوقت المناسب، بما يساعد الطفل على توظيف قدراته على النحو الأمثل، ويدعم تقدمه الأكاديمي بما يتوافق مع قدراته واحتياجاته التعليمية.

المرجع:

When Problem Behavior Masks a Learning Disability

https://childmind.org/article/when-problem-behavior-masks-a-learning-disability/