الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الأطفال ذوو الاستثنائية المزدوجة: موهبة مصحوبة بتحديات

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

يتمتع بعض الأطفال بقدرات استثنائية في مجالات مثل الرياضيات، أو الكتابة، أو الموسيقى. وفي المقابل، يواجه بعضهم صعوبات تؤثر في تعلمهم أو نموهم النمائي، مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD)، أو عسر القراءة (Dyslexia)، أو عسر الحساب (Dyscalculia)، أو اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder, ASD)، أو صعوبات معالجة المدخلات الحسية (Sensory Processing Difficulties).

وهناك فئة من الأطفال تجمع بين هاتين الخاصيتين؛ إذ يمتلكون قدرات أو مواهب استثنائية، وفي الوقت نفسه يواجهون صعوبة تعلم أو اضطرابًا نمائيًا يؤثر في تعلمهم أو نموهم. ويُطلق على هؤلاء الأطفال مصطلح ذوو الاستثنائية المزدوجة (Twice-Exceptional, 2e).

وقد يكون فهم احتياجات الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة تحديًا؛ إذ قد يستخدم الطفل نقاط قوته للتعويض عن جوانب الصعوبة لديه، مما قد يؤدي إلى إخفاء الصعوبات التعليمية أو النمائية التي يواجهها. وفي حالات أخرى، قد تحجب هذه الصعوبات قدراته الاستثنائية، فلا تُكتشف موهبته. وقد لا يُتعرَّف في بعض الحالات إلى أيٍ من الجانبين، فلا تُكتشف الصعوبات، ولا تُكتشف القدرات المتميزة.

وحتى بعد التعرف إلى الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة، قد يواجهون صعوبة في الحصول على الخدمات والدعم التعليمي اللذين يتناسبان مع احتياجاتهم. فإذا التحق الطفل ببرامج رعاية الموهوبين، فقد يستمر في مواجهة صعوبات في بعض المجالات الأكاديمية. أما إذا أُلحق ببرامج التربية الخاصة، فقد لا توفر له هذه البرامج مستوى الإثراء الأكاديمي الذي يتناسب مع قدراته، مما قد يؤدي إلى شعوره بالإحباط أو التململ. وفي كلتا الحالتين، قد يترتب على ذلك ظهور القلق، أو انخفاض تقدير الذات، أو صعوبات في تنظيم الانفعالات، وقد ينعكس ذلك في صورة السلوك المشكل.

لماذا قد لا يُكتشف الأطفال ذوو الاستثنائية المزدوجة؟

هناك عدة أسباب قد تؤدي إلى عدم التعرف إلى الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة، من أبرزها أن الأنظمة التعليمية غالبًا ما تركز على وصول الطلاب إلى المستوى الأكاديمي المتوقع للصف الدراسي. لذلك، قد يبدو أداء بعض هؤلاء الأطفال متوافقًا مع المستوى المطلوب، رغم الصعوبات التي يواجهونها، وذلك بفضل قدراتهم المعرفية المرتفعة.

فعلى سبيل المثال، قد يتمكن الطفل ذو القدرة العقلية المرتفعة، رغم معاناته من عسر القراءة (Dyslexia)، من استخدام الاستدلال الاستنتاجي (Inferential Reasoning) وقدراته المعرفية العامة لاستنتاج الكلمات التي يصعب عليه فك ترميزها أثناء القراءة. وقد يؤدي هذا التعويض إلى إخفاء الصعوبة، فتمر دون ملاحظة من المعلمين أو الوالدين خلال المراحل الدراسية الأولى.

وقد لا يُشخَّص اضطراب التعلم إلا في المراحل الدراسية المتقدمة، عندما تصبح المتطلبات الأكاديمية أكثر تعقيدًا ويصبح التعويض أقل فاعلية. وفي حالات أخرى، قد تستمر الصعوبة دون تشخيص، فلا يحصل الطفل على الدعم والخدمات التعليمية المناسبة.

وفي المقابل، قد تكون الصعوبات التي يواجهها الطفل أكثر وضوحًا من قدراته الاستثنائية، فتطغى عليها وتحجبها. ويظهر ذلك أحيانًا لدى الأطفال الذين تُلاحظ لديهم السلوكيات المرتبطة باضطرابات نمائية أو تعليمية قبل اكتشاف مواهبهم.

ومن الأمثلة على ذلك حالة الطفل لوغان (Logan)، الذي شُخِّص في البداية باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، ثم شُخِّص لاحقًا بـ عسر القراءة (Dyslexia)، بعد أن طُلب منه مغادرة أول روضة التحق بها بسبب السلوكيات التي كان يُظهرها، ومن بينها عدم قدرته على الجلوس خلال حلقة النشاط الجماعي (Circle Time).

ولم تُكتشف قدراته الاستثنائية إلا قبيل بلوغه الخامسة من عمره، عندما خضع لتقييم نفسي عصبي (Neuropsychological Assessment)، أظهر أنه يقع ضمن المستوى المرتفع جدًا في التفكير البصري المكاني (Visual-Spatial Thinking)، بما يشمل الإدراك، والتحليل، والتركيب، وهي قدرات ترتبط غالبًا بالأداء المتميز في مجالات مثل الرياضيات، والعلوم، والهندسة.

ولم تتعرف أسرته إلى مفهوم الاستثنائية المزدوجة (Twice-Exceptional, 2e) إلا بعد التحاقه ببرنامج إثرائي يُقدَّم بعد اليوم الدراسي، ومخصص للأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة، الأمر الذي ساعدها على فهم احتياجاته التعليمية والنمائية بصورة أكثر شمولًا.

كيف يمكن التعرف إلى الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة؟

تتمثل الخطوة الأولى في التعرف إلى مفهوم الاستثنائية المزدوجة (Twice-Exceptional, 2e) وفهم طبيعته من قبل الوالدين والمعلمين. فمن المفاهيم الشائعة غير الدقيقة الاعتقاد بأن الطفل الموهوب يجب أن يُظهر مستوى مرتفعًا من الأداء في جميع المجالات أو في معظمها، في حين أن الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة قد يُظهرون تفاوتًا واضحًا بين جوانب القوة والصعوبات لديهم.

ولا يوجد تعريف موحد متفق عليه عالميًا لمفهوم الموهبة (Giftedness)، حتى عند الاقتصار على القدرات العقلية العامة. فالموهبة لا تقتصر على ارتفاع مستوى الذكاء، وإنما قد تتمثل أيضًا في قدرات استثنائية في التفكير الإبداعي، أو في مجال أكاديمي محدد، أو في المهارات الحركية، أو في الفنون البصرية والأدائية.

وفي كثير من البيئات التعليمية، يُستخدم الحصول على درجة معيارية تبلغ 130 أو أكثر في اختبارات الذكاء (IQ Tests) بوصفه أحد المؤشرات على الموهبة، وهو ما يضع الطفل ضمن أعلى 2% من أقرانه من حيث الأداء في هذه الاختبارات. ومع ذلك، ينبغي النظر إلى هذه الدرجة باعتبارها أحد المؤشرات، وليس المعيار الوحيد للحكم على الموهبة.

وقد يكون من المناسب إحالة الطفل إلى التقييم المتخصص عندما يلاحظ المعلم أنه يقدم أداءً عاديًا في معظم المجالات، في حين يُظهر تميزًا استثنائيًا في مجال أو مجالين، أو عندما يكون أداؤه مرتفعًا في معظم المجالات مع وجود تأخر واضح في مجال محدد.

ويُعد التقييم النفسي العصبي (Neuropsychological Evaluation) من أكثر الأساليب شمولًا في التعرف إلى الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة، إذ يساعد على بناء صورة متكاملة عن جوانب القوة والضعف في القدرات المعرفية والأكاديمية، ويدعم تصميم البرامج التعليمية بما يتناسب مع احتياجات كل طفل. فقد يكون الطفل متقدمًا عدة مستويات دراسية في الرياضيات، بينما يحتاج في الوقت نفسه إلى دعم إضافي في القراءة.

تحديات تعليم الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة

تشير نتائج إحدى الدراسات الاستقصائية التي شملت أولياء أمور أطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في اضطرار الأسر إلى الاختيار بين تنمية قدرات الطفل الاستثنائية وبين حصوله على خدمات التربية الخاصة، إذ لا تتوفر هاتان الخدمتان معًا في كثير من الأحيان.

ومن الخيارات التي قد تسهم في تلبية احتياجات بعض هؤلاء الأطفال إلحاقهم بفصول التدريس التشاركي المتكامل (Integrated Co-Teaching, ICT)، التي يشارك في تقديم التعليم فيها معلم للتعليم العام ومعلم للتربية الخاصة داخل الفصل نفسه. ومع ذلك، إذا كان أداء الطفل يحقق المستوى الأكاديمي المتوقع للصف الدراسي، فقد تواجه الأسرة صعوبة في إثبات حاجته إلى خدمات الدعم أو التكييفات التعليمية التي تُقدَّم عادة من خلال البرنامج التربوي الفردي (Individualized Education Program, IEP) أو خطة 504 (Section 504 Plan).

كما أظهرت نتائج الدراسة أن بعض الأسر أُبلغت، على نحو غير دقيق، بعدم إمكانية حصول الطفل على برنامج تربوي فردي إذا كان ملتحقًا ببرامج رعاية الموهوبين، في حين أن ذلك لا يستند إلى قاعدة عامة. كذلك أشارت النتائج إلى أن نسبة محدودة فقط من الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة كانوا يستفيدون في الوقت نفسه من برامج الموهوبين وفصول التدريس التشاركي المتكامل.

ويُثار أيضًا تساؤل حول مدى ملاءمة إلحاق هؤلاء الأطفال بصفوف دراسية أعلى في المواد التي يتفوقون فيها. إلا أن هذا الخيار قد لا يكون مناسبًا لجميع الأطفال؛ إذ قد لا يتوافق مستوى نضجهم الانفعالي والاجتماعي مع متطلبات تلك الصفوف، سواء من حيث الواجبات الدراسية أو التوقعات الاجتماعية.

وقد تلجأ بعض الأسر إلى المدارس الأهلية أو الخاصة التي توفر فصولًا أقل عددًا، أو مناهج تعليمية أكثر مرونة تراعي جوانب القوة والاحتياج لدى كل طفل.

وبدلًا من نقل الطفل إلى صفوف دراسية أعلى، قد يكون من المناسب توفير فرص إثرائية خارج المدرسة، مثل البرامج التعليمية المتخصصة، أو الأنشطة العلمية والثقافية، أو البرامج التي تقدمها بعض المتاحف والمؤسسات التعليمية للأطفال الموهوبين، بما يسهم في تنمية قدراتهم في المجالات التي يتميزون فيها.

كيف يسهم الدعم المناسب في مساعدة الأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة؟

يسهم تقديم الدعم المناسب للأطفال ذوي الاستثنائية المزدوجة في مساعدتهم على تنمية إمكاناتهم الأكاديمية، وتعزيز توافقهم النفسي والانفعالي.

فعندما تُكتشف احتياجات الطفل بصورة مبكرة، ويحصل على الدعم الملائم، تزداد فرص نجاحه في البيئة المدرسية، كما ينعكس ذلك إيجابًا على ثقته بنفسه. ويساعد فهم الوالدين والمعلمين لطبيعة نقاط القوة والصعوبات لدى الطفل في تعديل أساليب التواصل معه، واختيار الاستراتيجيات التعليمية التي تلائم احتياجاته بصورة أفضل.

ومن المهم أيضًا طمأنة الطفل وأسرته إلى أن الصعوبات التي يواجهها خلال سنوات الدراسة الأولى لا تعني بالضرورة استمرارها بنفس الدرجة مستقبلًا. فمع التقدم في المراحل التعليمية، تزداد قدرة الطالب على اختيار المجالات الدراسية التي تتوافق مع نقاط قوته، كما يصبح أكثر قدرة على التوجه نحو تخصصات أكاديمية ومهنية تستثمر قدراته وتمكنه من تحقيق إمكاناته بصورة أفضل.

وتختتم المقالة بالتأكيد على أن توفير الدعم المناسب، إلى جانب التعرف المبكر إلى الاستثنائية المزدوجة، يسهم في تمكين هؤلاء الأطفال من الاستفادة من قدراتهم، ومواجهة الصعوبات التي تعترض تعلمهم، بما يعزز فرص نجاحهم الأكاديمي والشخصي.

المرجع:

Twice-Exceptional Kids: Both Gifted and Challenged

https://childmind.org/article/twice-exceptional-kids-both-gifted-and-challenged/