الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلامات المبكرة لصعوبات التعلم (Early Signs of Learning Challenges)

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

مؤشرات قد تدل على حاجة الأطفال الصغار إلى دعم إضافي لتعزيز تعلمهم ونموهم

كانت ابنتي، البالغة من العمر أربعة أعوام، تحاول كتابة الرقم خمسة استعدادًا لإعداد بطاقة تهنئة بمناسبة عيد ميلاد إحدى صديقاتها. وكانت تتمتم قائلة: «لا، ليس هكذا…»، بينما تمتد خربشاتها على الورقة. وعند المحاولة السادسة، غلبها الإحباط، فقالت باكية: «لا أستطيع فعل ذلك!» ثم ألقت القلم على الأرض وأضافت: «الرقم خمسة صعب جدًا!»

ولا يُعد هذا الموقف غير مألوف لطفلة في مرحلة ما قبل المدرسة بدأت للتو في تعلم الأرقام والحروف، ولا تزال أحيانًا تبدي انزعاجًا شديدًا إذا انكسرت حبة الموز إلى نصفين عن غير قصد. ومع ذلك، لم أستطع منع نفسي من الشعور بشيء من القلق.

فعندما كنت صغيرة، شُخِّصت بـ عسر الكتابة (Dysgraphia) وعسر الحساب (Dyscalculia). وعندما أرى ابنتي تواجه بعض الصعوبات، أتساءل كيف سأعرف ما إذا كانت لديها صعوبات تعلم مماثلة. فعندما يواجه الأطفال صعوبات في التعلم، قد يسهم التدخل المبكر في تحسين نتائجهم التعليمية. ولكن كيف يمكن للوالدين معرفة متى تستدعي هذه الصعوبات الانتباه أو التقييم؟

ما اضطراب التعلم؟ (What Is a Learning Disability?)

يُشخَّص اضطراب التعلم (Learning Disorder – LD) عندما يواجه الطفل صعوبة ملحوظة في مهارة أكاديمية محددة أو في أحد المجالات الدراسية، مثل القراءة أو الرياضيات. ويُعرَّف اضطراب التعلم بوجود فجوة بين مستوى الأداء المتوقع نمائيًا للطفل ومستوى أدائه الفعلي. فعلى سبيل المثال، قد يكون الطفل قادرًا على مجاراة أقرانه في معظم الجوانب الأخرى، لكنه يتأخر بصورة واضحة في تعلم القراءة.

وعلى الرغم من أن بعض الاضطرابات النمائية، مثل اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD)، يمكن تشخيصها خلال مرحلة ما قبل المدرسة أو السنوات الأولى من التعليم، فإن اضطرابات التعلم لا تصبح واضحة عادةً إلا في مراحل لاحقة، بعد أن تتاح للطفل فرصة كافية للالتحاق بالتعليم النظامي.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن مهارات التعلم المبكرة تتطور لدى الأطفال بمعدلات متفاوتة. فالطفل الذي يبدو متأخرًا عن أقرانه في تعلم كتابة الحروف أو قراءة الكلمات البسيطة قد يحتاج ببساطة إلى مزيد من الوقت لاكتساب هذه المهارات. كما أن كون الطفل من أصغر أو أكبر أفراد الصف الدراسي عمرًا قد يجعله أكثر تقدمًا أو أكثر تأخرًا قليلًا عن بعض زملائه. وإضافة إلى ذلك، يختلف الأطفال في نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى دعم، كما هو الحال لدى البالغين. فقد يُظهر أحد الأطفال أداءً جيدًا في العد، لكنه يواجه صعوبة في كتابة اسمه، بينما قد يتمكن طفل آخر من قراءة الكلمات البسيطة في وقت مبكر، لكنه يجد صعوبة في التعامل مع الأرقام. وغالبًا ما تتقلص هذه الفروق مع النمو والنضج.

ومع ذلك، قد تكون هذه الصعوبات المبكرة لدى بعض الأطفال مؤشرًا على صعوبات أكاديمية قد تستمر في المستقبل. ورغم أن الطفل قد يكون في مرحلة عمرية مبكرة لا تسمح بإجراء تشخيص رسمي، خاصة خلال مرحلة ما قبل المدرسة أو السنوات الأولى من رياض الأطفال، فإن تقديم الدعم المناسب، والتدخل المبكر عند الحاجة، قد يسهمان في تحسين النتائج التعليمية والنمائية.

وهناك عدد من العلامات المبكرة التي يمكن للوالدين ملاحظتها خلال السنوات الأولى من تعلم الطفل، وقد تستدعي متابعة تطوره بصورة أدق.

العلامات المبكرة لصعوبات التعلم (The Earliest Signs of Learning Challenges)

تختلف مظاهر صعوبات التعلم لدى الأطفال الصغار عن تلك التي تظهر لدى الأطفال الأكبر سنًا، وذلك لأن المهام التعليمية المطلوبة منهم في هذه المرحلة لا تزال بسيطة نسبيًا. ومع ذلك، قد تظهر بعض المؤشرات التي تدل على أن الطفل يواجه صعوبة في اكتساب بعض المهارات الأساسية المبكرة.

التحكم الحركي الدقيق (Fine Motor Control)

قد تظهر صعوبات التحكم الحركي الدقيق (Fine Motor Control) في وقت مبكر من حياة الطفل. فقد يواجه صعوبة في تعلم الطريقة الصحيحة للإمساك بقلم التلوين، أو استخدام أدوات تناول الطعام، أو قد يتجنب أنشطة التلوين أو رسم الأشكال لأن أداءها يتطلب جهدًا بدنيًا بالنسبة إليه.

ويتيح اكتشاف هذه الصعوبات مبكرًا للأسرة فرصة توفير الدعم المناسب، مثل العلاج الوظيفي (Occupational Therapy – OT)، الذي يساعد على تنمية هذه المهارات حتى لا تصبح عائقًا أمام التعلم في المراحل اللاحقة.

مشكلات اللغة (Language Problems)

قد تمثل الصعوبات المرتبطة بفهم اللغة أو استخدامها مؤشرًا على احتمال وجود اضطراب تعلم قائم على اللغة (Language-Based Learning Disorder).

فاللغة تتضمن وظائف متعددة قد تتأثر لدى بعض الأطفال. فقد يواجه الطفل صعوبة في اللغة الاستقبالية (Receptive Language)، أي في فهم الكلمات التي يسمعها أو يقرؤها. كما قد يواجه صعوبة في اللغة التعبيرية (Expressive Language)، أي في استخدام الكلمات للتعبير عن أفكاره واحتياجاته، وقد يجتمع النوعان لدى الطفل نفسه.

وقد يستفيد هؤلاء الأطفال من التدخل المبكر الذي يدعم تطور مهارات التواصل لديهم، ولا سيما إذا كانوا يواجهون صعوبة في فهم اللغة المنطوقة أو التعبير عن أنفسهم.

مهارات القراءة المبكرة (Early Reading Skills)

على الرغم من أن معظم الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة لا يزالون في بداية تعلم قراءة الكلمات البسيطة، فإنهم خلال هذه المرحلة يكتسبون المهارات الأساسية التي تُبنى عليها القراءة لاحقًا.

وتتضمن هذه المرحلة العديد من الأنشطة التي تعتمد على الوعي بالأصوات، مثل ألعاب القافية، أو أنشطة مطابقة الكلمات والأصوات. وإذا كان الطفل يواجه صعوبة واضحة في تمييز الأصوات أو لا يستوعب مفهوم القافية، فقد يكون من المناسب متابعة تطوره عن قرب.

مهارات الرياضيات المبكرة (Early Math Skills)

عندما يبدأ الأطفال في تعلم العد، فإن استمرار الصعوبة في فهم الأرقام أو في استيعاب المفاهيم الأساسية للعد، مثل ترتيب الأشياء وتسلسلها، قد يكون من المؤشرات التي تستدعي المتابعة.

وتصبح الصعوبات المرتبطة بالأرقام أكثر وضوحًا عادةً مع نهاية الصف الأول الابتدائي. فإذا لم يكن الطفل قد استوعب المفهوم الأساسي لعملية الجمع بحلول نهاية هذه المرحلة، فإن ذلك يستدعي إجراء مزيد من التقييم.

المؤشرات السلوكية (Behavioral Clues)

قد تمثل ردود فعل الطفل الانفعالية أثناء بعض الأنشطة مؤشرًا إضافيًا على وجود صعوبة في التعلم. فإذا لاحظ الوالدان أن الطفل يشعر بالإحباط أو الانزعاج بصورة متكررة أثناء أداء نشاط معين، مثل رسم الأشكال أو البناء بالمكعبات، فقد يشير ذلك إلى أن المهارات المطلوبة لأداء هذا النشاط صعبة بالنسبة إليه.

كما أن رفض الطفل المستمر لأداء نشاط معين، أو انزعاجه الشديد عند مطالبته به، قد يكون مؤشرًا على أن هذا النشاط يفوق قدراته الحالية. وفي مثل هذه الحالات، من المهم البحث عن سبب الصعوبة: هل يعود ذلك إلى أن الطفل لم يتعلم المهارة بعد؟ أم إلى وجود صعوبة في المحافظة على الانتباه والتركيز؟ أم لأن المهمة نفسها تمثل تحديًا بالنسبة إليه؟

أعراض اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD)

من المؤشرات السلوكية التي تستحق الانتباه خلال السنوات الأولى ظهور بعض السمات المرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder – ADHD). ورغم أن هذا الاضطراب يُصنف ضمن الاضطرابات النمائية العصبية، فإنه قد يؤثر بصورة ملحوظة في عملية التعلم، ويشيع أن يتزامن مع أحد اضطرابات التعلم لدى عدد من الأطفال.

ورغم أن تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط لا يُجرى عادةً في مرحلة ما قبل المدرسة، فإن الطفل الذي يُظهر نشاطًا حركيًا مفرطًا بصورة مستمرة، ويجد صعوبة كبيرة في الجلوس أو الاستقرار، قد يكون بحاجة إلى متابعة وتقييم. وقد تكون هذه السمات مؤشرًا يستدعي متابعة الطفل وإجراء تقييم متخصص عند الحاجة، كما قد يستفيد من التدخلات السلوكية المبكرة إذا أوصى بها المختصون.

ما الذي يمكن للوالدين فعله؟

يتوفر دعم متخصص للأطفال الذين يواجهون صعوبات في التحكم الحركي الدقيق (Fine Motor Control) أو في اللغة الاستقبالية (Receptive Language) أو اللغة التعبيرية (Expressive Language).

  • قد يستفيد الأطفال الذين يواجهون صعوبات في المهارات الحركية الدقيقة، حتى في الأعمار المبكرة، من مراجعة أخصائي العلاج الوظيفي (Occupational Therapist – OT). ويساعد العلاج الوظيفي الأطفال على تحسين قدرتهم على الإمساك بالقلم والأدوات المختلفة، وتحسين قوة العضلات، وتنمية التآزر بين العين واليد، كما يدعم تطور المهارات الاجتماعية ومهارات التنظيم الذاتي لديهم.

  • إذا لاحظ الوالدان أن الطفل يواجه صعوبات في الكلام أو اللغة، أو لديه تأخر في تطور الكلام، فمن المناسب مراجعة مقدم الرعاية الصحية. وقد يتضمن التقييم إجراء فحص للسمع، وفحص الحلق، والمنعكسات العصبية، لاستبعاد الأسباب الطبية المحتملة قبل تحديد الخطوات اللاحقة. وإذا أشارت نتائج التقييم إلى الحاجة إلى تدخل مبكر، فقد يُحال الطفل إلى أخصائي أمراض النطق واللغة (Speech-Language Pathologist – SLP)، الذي يعمل على تنمية مهارات التواصل واللغة لديه.

وقد تكون صعوبات الكلام أو المهارات الحركية، خاصة إذا تزامنت مع تحديات في التفاعل الاجتماعي، من العلامات المبكرة التي تستدعي تقييم الطفل لاحتمال وجود اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder – ASD). وعلى خلاف اضطرابات التعلم، يمكن تشخيص اضطراب طيف التوحد بدقة خلال مرحلة الطفولة المبكرة، ويرتبط الكشف المبكر والتدخل في الوقت المناسب غالبًا بنتائج نمائية وتعليمية أفضل. لذلك، إذا لاحظ الوالدان، أو المعلم، أو مقدم الرعاية الصحية ظهور بعض العلامات المبكرة المرتبطة باضطراب طيف التوحد، فمن المناسب إحالة الطفل إلى مختص لإجراء تقييم شامل.

ما الذي يمكن للوالدين القيام به في المنزل؟

يمثل دعم تعلم الطفل خارج البيئة المدرسية جزءًا أساسيًا من عملية التعلم. فالأنشطة اليومية البسيطة، مثل القراءة مع الطفل، أو العد، أو الرسم، تساعده على ممارسة المهارات في بيئة هادئة تقل فيها الضغوط.

ومن الأساليب المفيدة تنمية اهتمام الطفل بالقراءة، وذلك بإتاحة الفرصة له لاختيار الكتب التي يرغب في قراءتها مع والديه، أو مساعدته على التعرف إلى مكونات الكتاب الأساسية، مثل العنوان، والقصة، وطريقة استخدام الكتاب، بما يسهم في بناء ألفة مبكرة مع القراءة والكتب.

وبالمثل، يمكن دمج تعلم الرياضيات في الأنشطة اليومية؛ فقد يكون التدريب بسيطًا بقدر عدِّ ثمار التفاح أثناء إعداد فطيرة، أو عدِّ الأشياء الموجودة في المنزل خلال الأنشطة اليومية.

ويتمثل الهدف في جعل التعلم تجربة طبيعية وممتعة، بعيدًا عن الشعور بالضغط أو القلق. فكل ممارسة تمثل فرصة للتعلم. ومع ذلك، ينبغي تجنب إرهاق الطفل أو تحميله ضغوطًا تفوق قدراته، لأن تحويل التعلم إلى مهمة مرهقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويقلل من انخراطه في عملية التعلم.

دعم تقدير الطفل لذاته (Supporting Kids’ Self-Esteem)

قد تؤثر صعوبات التعلم في ثقة الطفل بنفسه وتقديره لذاته، خاصة إذا كان يواجه صعوبات دراسية لم تُكتشف أو لم يتلقَّ الدعم المناسب بشأنها. ولذلك، فإن الاهتمام بالجوانب الانفعالية لا يقل أهمية عن الاهتمام بتنمية المهارات الأكاديمية، سواء شُخِّص الطفل باضطراب تعلم أم لم يُشخَّص.

وقد يساعد دعم الطفل نفسيًا، وتعزيز ثقته بنفسه، على مواجهة التحديات الدراسية بصورة أفضل. كما يسهم تعزيز تقديره لذاته، وتنمية ثقته بقدراته، وتعليمه المهارات اللازمة للتعامل مع الإخفاقات، في زيادة مرونته النفسية وقدرته على التكيف عند مواجهة الصعوبات مستقبلًا، بما يشجعه على مواصلة التعلم بثقة واستقلالية.

المرجع:

Early Signs of Learning Challenges

https://childmind.org/article/early-signs-of-learning-challenges/