ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يبدأ تعليم مهارة تبادل الأدوار للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد بمساعدتهم على فهم أن التفاعل عملية تبادلية تعتمد على المشاركة المتبادلة والتناوب. ويواجه العديد من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد صعوبة في الانتظار، ومشاركة الانتباه، وقراءة الإشارات الاجتماعية، وضبط الاندفاع، مما قد يجعل تبادل الأدوار تجربة مُحبِطة بدلًا من أن تكون ممتعة. ومن خلال الدعم المنظم، والدعامات البصرية، والتعزيز الإيجابي، والممارسة المستمرة، يستطيع الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد تطوير مهارات تبادل الأدوار تدريجيًا بما ينعكس إيجابًا على مهارات التواصل، والتنظيم الانفعالي، والتفاعل الاجتماعي في الحياة اليومية.
لماذا تُعد مهارة تبادل الأدوار صعبة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟
تُعد مهارة تبادل الأدوار صعبة بالنسبة للعديد من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لأنها تتطلب عدة مهارات في الوقت نفسه، بما في ذلك التواصل، وضبط الاندفاع، والتنظيم الانفعالي، وقراءة الإشارات الاجتماعية. ووفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (Centers for Disease Control and Prevention [CDC]) والمعهد الوطني للصحة النفسية (National Institute of Mental Health [NIMH])، يواجه الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد اختلافات في التواصل والتفاعل الاجتماعي، مما قد يجعل الانتظار أو المشاركة أثناء اللعب تجربة مُرهِقة بالنسبة لهم. كما أشارت مراجعة منشورة عام 2023 في المكتبة الوطنية للطب (National Library of Medicine [NLM]) إلى أن التعلم الاجتماعي المنظم والتفاعل الموجَّه المتكرر يمكن أن يدعما التواصل والمشاركة الاجتماعية بمرور الوقت.
وفي المواقف اليومية الواقعية، قد يظهر ذلك في صورة الاستيلاء على الألعاب، أو مغادرة النشاط بعد بضع ثوانٍ، أو الانزعاج أثناء فترات الانتظار القصيرة. وغالبًا ما يلاحظ الأخصائيون أن الأطفال يحاولون الاحتفاظ بجميع أجزاء اللعبة أو إعادة بدء النشاط عندما يأتي دور شخص آخر، لأن نمط التفاعل التبادلي لا يزال غير مألوف بالنسبة لهم.
وخلال الجلسات الأولى، يبدأ الأخصائيون غالبًا بفترات انتظار قصيرة جدًا تتراوح بين ثانية وثانيتين أثناء الأنشطة المفضلة مثل اللعب الحسي أو اللعب بالسيارات. ويبدأ العديد من الأطفال الذين كانوا في البداية يستحوذون على المواد أو يغادرون الألعاب مبكرًا في تقبل التفاعلات القصيرة المتبادلة خلال الأسابيع الأولى، لأن نمط التفاعل يصبح أكثر وضوحًا واستقرارًا وأقل ضغطًا.
نموذج المراحل الثلاث لتطور مهارة تبادل الأدوار
يتعلم العديد من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد مهارة تبادل الأدوار تدريجيًا وليس بصورة فورية، ويساعد فهم هذه المراحل الوالدين على وضع توقعات واقعية خلال عملية التعلم.
المرحلة الأولى: الإدراك وقابلية التوقع
يتمثل الهدف الأول في فهم عبارتي: «دوري» و«دورك». وغالبًا ما يستخدم الأخصائيون الدعامات البصرية، والإشارات البسيطة، والجداول البصرية (Visual Schedules)، والأنشطة التكرارية لتعزيز الشعور بالتوقع المسبق للأحداث.
المرحلة الثانية: المشاركة الموجَّهة
يبدأ الأطفال في ممارسة تبادل الأدوار باستخدام التلميحات (Prompts)، والتعزيز الإيجابي، والتغذية الراجعة المباشرة. وتبقى الأنشطة قصيرة ومرِحة ومنظمة بهدف تقليل الإحباط أثناء التفاعل الاجتماعي.
المرحلة الثالثة: تبادل الأدوار بصورة مستقلة
في هذه المرحلة، يستطيع العديد من الأطفال الانتظار خلال عدة أدوار متتالية أثناء الألعاب البسيطة دون الحاجة إلى التوجيه الجسدي. ومع ذلك، قد يستمر الأخصائيون في استخدام التذكيرات البصرية أو التلميحات اللفظية (Verbal Prompts) في المواقف الاجتماعية الأكثر صعوبة، مثل التفاعل مع الإخوة أو الأنشطة الجماعية.
كيفية تعليم مهارة تبادل الأدوار لطفل ذي اضطراب طيف التوحد في البيئة المنزلية
يستجيب معظم الأطفال بصورة أفضل عندما تكون ممارسة تبادل الأدوار قصيرة، ومألوفة، ومرتبطة بأنشطة يستمتعون بها بالفعل. كما يستجيب العديد منهم بصورة أفضل عندما يحدث التعلم تدريجيًا من خلال تفاعلات قصيرة وناجحة بدلًا من فترات الانتظار الطويلة.
وفيما يلي بعض الاستراتيجيات الفعّالة لتعليم تبادل الأدوار داخل المنزل:
البدء بالأنشطة المفضلة
استخدام اللعب الحسي، أو المكعبات، أو الألعاب البسيطة التي يستمتع بها الطفل بالفعل.
الحفاظ على قِصر الأدوار
البدء بفترات انتظار قصيرة جدًا لا تتجاوز بضع ثوانٍ لتقليل الإحباط.
استخدام الإشارات البصرية
تساعد الجداول البصرية، وبطاقات الأدوار، والتلميحات البسيطة الأطفال على فهم نمط التفاعل.
ربط اللغة بالفعل
تكرار عبارات مثل: «دوري» و«دورك» أثناء الأنشطة.
التعزيز الفوري
تقديم التعزيز الإيجابي مباشرة بعد محاولات تبادل الأدوار الناجحة.
الممارسة خلال الأنشطة اليومية
استخدام وقت الوجبات، أو أنشطة البناء، أو المحادثات، أو الألعاب الجماعية لبناء مهارة تبادل الأدوار بصورة طبيعية.
فعلى سبيل المثال، قد يستخدم الأخصائيون أبراج المكعبات أو السيارات لتكوين تفاعلات قصيرة ومتبادلة. وغالبًا ما يشارك الأطفال لفترات أطول عندما يكون النشاط منظمًا ويمكن التنبؤ بخطواته، خصوصًا أثناء الأنشطة المفضلة مثل المكعبات أو الألعاب الحركية.
كيف يبدو تعليم مهارة تبادل الأدوار داخل جلسة تحليل سلوك تطبيقي حقيقية؟
غالبًا ما يسمع الوالدان نصائح عامة حول تبادل الأدوار، لكنهما نادرًا ما يشاهدان كيف تُدرَّس هذه المهارة فعليًا أثناء الجلسات العلاجية. ففي العديد من جلسات تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، يركز الأخصائيون أولًا على بناء التفاعل والمشاركة حتى يشعر الطفل بالراحة قبل تقديم أنشطة الانتظار أو الألعاب المنظمة.
وتتضمن الجلسات المبكرة عادةً تفاعلات قصيرة وناجحة، حيث يركز الأخصائيون على أهداف بسيطة مثل الانتظار لبضع ثوانٍ، أو مشاركة المواد، أو إكمال عدة تبادلات متتالية، بهدف بناء الثقة والتنظيم الانفعالي تدريجيًا.
فعلى سبيل المثال، قد يبدأ أحد الأطفال الذي كان ينسحب بعد كل دور في البقاء متفاعلًا خلال خمس تبادلات متتالية بعد أن قدّم الأخصائيون فترات حركة قصيرة وتعزيزًا إيجابيًا فوريًا بين الأدوار. كما يتابع الأخصائيون عادةً مؤشرات تقدم صغيرة مثل الانتظار لخمس ثوانٍ، أو الاستجابة لتعليمات لفظية، أو إكمال عدة تبادلات ناجحة أثناء اللعب.
وقد تبدو الجلسة الواقعية على النحو الآتي:
يقدم الأخصائي لعبة مفضلة جدًا أو نشاط لعب حسي.
يقوم الأخصائي بنمذجة دور الطفل باستخدام تعليمات لفظية واضحة.
يتم إدخال فترة انتظار قصيرة، قد تتراوح بين ثانية وثلاث ثوانٍ فقط.
يحصل الطفل على تعزيز إيجابي فوري بعد النجاح.
يتم استخدام الدعامات البصرية عند الحاجة.
يتم تقليل التلميحات تدريجيًا مع تحسن الاستقلالية.
ويتعمد العديد من الأخصائيين إنهاء الأنشطة قبل تصاعد الإحباط، حتى يستمر الطفل في ربط تبادل الأدوار بالتفاعل الناجح بدلًا من التوتر. ومع الممارسة المتكررة، يبدأ العديد من الأطفال تدريجيًا في تقبّل التبادلات الأطول والمشاركة بصورة أكثر ثباتًا أثناء الأنشطة المشتركة.
الأخطاء الشائعة عند تعليم مهارة تبادل الأدوار
تمارس العديد من الأسر أنشطة تبادل الأدوار بانتظام، لكنها لا تلاحظ تقدمًا واضحًا لأن النشاط يصبح صعبًا بسرعة كبيرة. وغالبًا ما يلاحظ الأخصائيون نتائج أفضل عندما تبقى الأنشطة قصيرة ومرِحة وقابلة للتوقع، بحيث يشعر الأطفال بالدعم بدلًا من الضغط أثناء التفاعل الاجتماعي.
كما يُدخل العديد من الوالدين أنشطة الانتظار بسرعة كبيرة أو يحوّلون الألعاب المنظمة إلى مهام قائمة على الأداء. وغالبًا ما تكون المشاركة الاجتماعية أقوى عندما تبقى الأنشطة ممتعة وسهلة التنفيذ وتركّز على التعزيز الإيجابي بدلًا من الأداء المثالي.
وتشمل الأخطاء الشائعة ما يلي:
تقديم أنشطة الانتظار في وقت مبكر جدًا.
استخدام أنشطة لا يستمتع بها الطفل.
تقديم إشارات لفظية أو بصرية بصورة غير متسقة.
تقديم التعزيز في وقت متأخر.
توقع الاستقلالية في تبادل الأدوار بسرعة كبيرة.
وحتى تقليل وقت الانتظار لبضع ثوانٍ أو الانتقال إلى نشاط مفضل قد يؤدي إلى تحسن ملحوظ في المشاركة أثناء التدريب. كما أن الحفاظ على التفاعل بصورة إيجابية وجاذبة للاهتمام يؤدي غالبًا إلى مشاركة أفضل وتقدم أكثر ثباتًا بمرور الوقت.
أفضل الأنشطة لتعليم مهارة تبادل الأدوار
تكون أفضل أنشطة تبادل الأدوار بسيطة ومتكررة وسهلة المتابعة. كما أن العديد من الأنشطة التفاعلية المخصصة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تكون أكثر فعالية عندما تتضمن روتينًا قصيرًا، وتوقعات واضحة، وفترات انتظار محدودة.
ومن الأنشطة الفعالة:
دحرجة الكرة ذهابًا وإيابًا.
بناء أبراج المكعبات معًا.
تبادل الأدوار أثناء اللعب الحسي.
الألعاب اللوحية البسيطة ذات القواعد أحادية الخطوة.
الأنشطة التي تتضمن رمي النرد.
تمرير الأشياء أثناء الألعاب الموسيقية أو الحركية.
ويركز الأخصائيون عادةً على زيادة الراحة والمشاركة قبل توقع الاستقلالية الكاملة. فانتظار الطفل لخمس ثوانٍ بنجاح أثناء لعبة مفضلة غالبًا ما يكون أكثر أهمية من إكمال نشاط طويل ومنظم يسبب الضيق والانزعاج.
لماذا يكون العلاج المنزلي القائم على تحليل السلوك التطبيقي أكثر فاعلية في تعليم تبادل الأدوار؟
يواجه الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد صعوبة في استخدام المهارات التي يتعلمونها في بيئة معينة ضمن الحياة اليومية. فقد يتمكن الطفل من تبادل الأدوار بنجاح داخل العيادة، لكنه يواجه صعوبة أثناء اللعب أو تناول الطعام أو المحادثات داخل المنزل.
ويساعد العلاج المنزلي القائم على تحليل السلوك التطبيقي الأطفال على ممارسة مهارة تبادل الأدوار ضمن الروتين المألوف والمواقف الاجتماعية الواقعية.
كما تسمح الجلسات المنزلية للوالدين بممارسة الاستراتيجيات نفسها أثناء الوجبات، أو لعب الإخوة، أو الروتينات المسائية، مما يعزز انتقال أثر التعلم (Carryover) بين الجلسات العلاجية والحياة اليومية. وغالبًا ما تسهم الأنشطة الروتينية المنزلية المألوفة في تقليل القلق وجعل ممارسة مهارات التواصل بصورة مستمرة أكثر سهولة بالنسبة للأطفال.
وأخيرًا
يتطلب تعليم مهارة تبادل الأدوار للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد الصبر، والتنظيم، والدعم المستمر، لكنه قد يؤدي إلى تحسينات جوهرية في مهارات التواصل، والتنظيم الانفعالي، والتفاعل الاجتماعي اليومي.
كما أن اللحظات الصغيرة، مثل الانتظار أثناء اللعب، أو مشاركة المواد، أو الاستجابة للإشارات اللفظية أو البصرية، تساعد الأطفال على بناء مهارات اجتماعية أساسية تمتد آثارها إلى المنزل والمدرسة والمجتمع. ومع مرور الوقت، تساعد التفاعلات الناجحة المتكررة العديد من الأطفال على الشعور براحة أكبر أثناء الانتظار، والاستجابة، والمشاركة في المواقف الاجتماعية اليومية.
المرجع:
Teaching Turn-Taking to Autistic Children at Home
https://appleabacare.com/blog/teaching-turn-taking-to-autistic-child/





