ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يُعد التصميم الشامل للتعلم إطارًا فاعلًا لتجسيد الحق في التعليم على نحو عملي، إذ يساعد المعلمين على زيادة التحديات التعليمية المفيدة وتقليل الصعوبات غير الضرورية التي قد تعوق تعلم الطلاب. ويقوم هذا الإطار على تصميم خبرات تعليمية تتيح للطلاب بدائل متعددة في طريقة التعلم، ونوعية المواد التي يستخدمونها، والكيفية التي يعبرون بها عن فهمهم وتقدمهم. وعندما يُطبق هذا الإطار من منظور قائم على العدالة داخل نظام متعدد المستويات، فإنه يمتلك القدرة على تقليص فجوات الفرص التي تؤدي إلى استبعاد كثير من المتعلمين، وبخاصة أولئك الذين تعرضوا للتهميش تاريخيًا. وإذا كنا نطمح إلى أن تتاح لجميع الطلاب فرص متكافئة للتعلّم، فإن ذلك يتطلب قدرًا عاليًا من القصدية، والاستباقية، والمرونة في التخطيط والممارسة. كما يسهم هذا الإطار في بناء بيئة تعليمية أقل تقييدًا، وأكثر استجابة ثقافيًا، وأكثر مراعاة للخبرات الصادمة لجميع الطلاب.
ظهر مصطلح التصميم الشامل أول مرة على يد المعماري رونالد ميس عام 1988، وقد عرّفه بأنه تصميم المنتجات والبيئات بطريقة تجعلها قابلة للاستخدام من قبل جميع الأفراد، إلى أقصى حد ممكن، من غير حاجة إلى تكييف إضافي أو تصميم متخصص. ووفق هذا المنظور، فإن المباني التي لا يستطيع الجميع دخولها أو استخدامها تُعد بيئات “مُعِيقة معماريًا”.
وفي آخر خطاب عام ألقاه ميس سنة 1998، قدم توضيحًا أوسع لفلسفته في التصميم الشامل، فأكد أن هذا المفهوم لا يوجه إلى الأشخاص ذوي الإعاقة فقط، بل إلى جميع الناس. وكان يرى أن المجتمع يتعامل مع “الطبيعي” وكأنه مرادف للكمال والقدرة والاستقلالية، في حين أن هذا التصور غير واقعي؛ لأن القدرات الإنسانية ليست ثابتة، ولأن الإنسان يمر عبر مراحل عمرية وظروف مختلفة قد تحد من قدراته بدرجات متفاوتة. ومن ثم، فإن افتراض أن جميع الأفراد يطابقون صورة واحدة مثالية هو افتراض خاطئ لا ينسجم مع الواقع الإنساني.
ينطلق التصميم الشامل للتعلم من نتائج بحوث علم الأعصاب المعرفي التي توجه نحو بناء بيئات تعلم مرنة تستوعب التباين بين المتعلمين. وقد عرفه قانون فرص التعليم العالي بأنه إطار علمي سليم يوجه الممارسات التعليمية من خلال توفير المرونة في طرق عرض المعلومات، وفي الأساليب التي يستجيب بها الطلاب أو يُظهرون من خلالها معارفهم ومهاراتهم، وفي صور مشاركتهم في التعلم. كما يهدف هذا الإطار إلى تقليل الحواجز في التدريس، وتوفير التسهيلات والدعم والتحديات المناسبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توقعات عالية للتحصيل لدى جميع الطلاب، بمن فيهم الطلاب ذوو الإعاقة. ونظرًا إلى أن دمج الطلاب ذوي الإعاقة في بيئات التعليم العام يرتبط بقدرة المعلمين على استخدام استراتيجيات تدريس دامجة، فإن الالتزام الواسع بهذا الإطار يُعد عاملًا حاسمًا في بناء أنظمة تعليمية متعددة المستويات.
قبل الانتقال إلى التطبيق الفعّال للممارسات الدامجة، لا بد من استيعاب مفهوم التباين. وتوضح أدبيات التصميم الشامل للتعلّم أن الأدمغة البشرية قد تبدو متشابهة من زاوية عامة، إلا أن هذا التشابه ظاهري أكثر مما هو حقيقي؛ فكل متعلم يتعلم بطريقة فريدة تخصه، وهذه الحقيقة هي ما يُقصد به التباين.
ومن المهم هنا التنبيه إلى أن الإقرار بتباين المتعلمين لا يعني تبني فكرة أنماط التعلم. فهذه الفكرة، رغم انتشارها الواسع بين المعلمين في كثير من البلدان، لا تستند إلى أساس علمي قوي. ولا يعني ذلك أن الأفراد لا يختلفون في نقاط القوة والضعف، أو في خصائصهم المعرفية، أو في تفضيلاتهم أثناء التعلم؛ لكن هذه الفروق لا تعني أن لكل طالب “نمطًا” ثابتًا ينبغي أن يُبنى التعليم كله عليه. وقد بينت دراسات متعددة أن ما يُسمى “أنماط التعلم” لا يعدو كونه “تفضيلات تعلم”، وأن وجود تفضيل معين لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج تعلم أفضل.
وعليه، فإن الاستجابة لفكرة “المتعلم البصري” بإعطائه مزيدًا من المعلومات البصرية فقط، أو “المتعلم السمعي” بمزيد من المدخلات السمعية، أو “المتعلم الحركي” بمزيد من الحركة، قد تؤدي في الواقع إلى إفقار العملية التعليمية بدلًا من توسيعها. وهذا لا يعني تجاهل الذكاءات المتعددة أو الاستغناء عن الدعائم التعليمية المتنوعة، بل يعني أن تقديم الدعائم البصرية، والسمعية، واللغوية، والمفاهيمية، والاجتماعية الثقافية ينبغي أن يكون استجابة لتباين المتعلمين، لا استنادًا إلى تصنيفات جامدة لأنماط التعلم.
وفي تناول أحدث لمفهوم التباين، يُفرق بين نوعين رئيسين: التباين بين الأفراد والتباين داخل الفرد نفسه. فمن السهل على المعلمين ملاحظة أن الطلاب يختلفون عن بعضهم بعضًا، وهذا هو التباين بين الأفراد. لكن الأهم من ذلك أن احتياجات الطالب نفسه ليست ثابتة، بل تتغير من وقت إلى آخر بحسب السياق والظروف. فقد يكون الطالب مصنفًا ضمن مجموعة القراء المتقدمين، ومع ذلك يمر بيوم يشعر فيه بالإرهاق الشديد، أو ينسى نظارته، أو يحتاج نفسيًا إلى مسار أكثر سهولة وتدرجًا. وفي مثل هذه الحالات، فإن وضع الطلاب في مجموعات تعليمية ثابتة على أساس مستوى الأداء قد يفشل في مراعاة التباين داخل الفرد، لأن احتياجات الإنسان ليست جامدة بل متغيرة باستمرار.
إن ضعف تقدير هذا التباين، ولا سيما التباين داخل الفرد، يجعل كثيرًا من البيئات التعليمية بيئات مقيدة وقد تكون مُعيقة لبعض الطلاب. وقد أشارت ليز هارتمان إلى أن المعلمين حين يتبنون التحول المفاهيمي الذي يقدمه إطار التصميم الشامل للتعلم، ويعترفون بتباين المتعلمين، فإنهم يبدأون في النظر إلى الإعاقات الشديدة بوصفها جزءًا طبيعيًا من التنوع المتوقع داخل الصف، لا باعتبارها حالة استثنائية خارجة عن المألوف. وعندما يحدث هذا التحول، يصبح المعلمون أكثر ميلًا إلى توفير الخيارات والبدائل الضرورية التي تمكّن الطلاب ذوي الإعاقة من النجاح في الفصول الدامجة.
وبمجرد أن يتبنى المعلمون مفاهيم التباين والدمج والوعد الكامن في التصميم الشامل للتعلم، فإنهم يسترشدون بثلاثة مبادئ أساسية عند تخطيط خبرات التعلم: تعدد وسائل المشاركة، وتعدد وسائل التمثيل، وتعدد وسائل الفعل والتعبير. ويؤدي الالتزام بهذه المبادئ إلى إزالة كثير من الحواجز التي تجعل المناهج وطرق التدريس نفسها مُعيقة لبعض المتعلمين، وبخاصة الطلاب ذوي الإعاقة.
أولًا: تعدد وسائل المشاركة
ترتبط المشاركة لدى الطالب بالانتباه والالتزام معًا. ولكي ينتبه الطالب، ينبغي أن تُقدم له فرص تعلم ذات صلة بحياته، ومرتبطة بواقعه، وتحمل معنى بالنسبة إليه. وبما أن الطلاب يختلفون عن بعضهم، وبما أن احتياجاتهم تتغير تبعًا للسياق، فلا يمكن لدرس واحد أن يكون أصيلًا وملائمًا للجميع بالطريقة نفسها. أما لكي يحافظ الطالب على التزامه بالتعلم الحقيقي، فهو يحتاج إلى أن يتعلم كيف يواصل الجهد ويثابر، وكيف يتعامل مع صعوبة المواقف التعليمية، وكيف يمارس التأمل الذاتي الذي يساعده على توجيه تعلمه. وفي البيئة المصممة وفق هذا الإطار، لا تُترك هذه المهارات للصدفة، بل تُعلم للطلاب بصورة صريحة من خلال إتاحة فرص عملية وذات معنى لممارستها أثناء سعيهم نحو أهدافهم التعليمية.
ثانيًا: تعدد وسائل التمثيل
عندما يقدم المعلمون المعلومات، فإنهم كثيرًا ما يعتمدون صورة واحدة للعرض ويقدمون الدرس ذاته لجميع الطلاب بالطريقة نفسها، سواء عبر المحاضرة، أو عرض مقطع مرئي، أو تنفيذ تجربة، أو تقديم مفردات ومفاهيم جديدة. غير أن التباين الكبير بين الطلاب يعني أنهم يختلفون في نوع المعلومات التي يحتاجون إلى جمعها واستيعابها قبل أن يتمكنوا من تطبيقها في مهمة أو تقييم أصيل. ومن ثم، فإن توفير طرق متعددة وخيارات متنوعة لتعلم المحتوى يتيح للطلاب أن يخصصوا بأنفسهم الطريقة التي يبنون بها معارفهم ومهاراتهم.
ثالثًا: تعدد وسائل الفعل والتعبير
بعد أن يصبح الطلاب مهتمين بنواتج التعلم الأصيلة، وبعد أن يتعلموا المحتوى من خلال اختيار البدائل التي تناسب احتياجاتهم، فإنهم يحتاجون إلى التعبير عن فهمهم من خلال تقييمات أصيلة. فعندما يشارك الطلاب في المناقشات أو ينجزون التقييمات، فإنهم يمارسون الفعل ويعبرون عن تعلمهم. وإذا كنا نريد أن نتيح لجميع الطلاب فرصًا متكافئة للتعبير عن تعلمهم، فعلينا أن نصمم مسارات مرنة ومتعددة. ولتحقيق ذلك، من الضروري تحليل المعايير التعليمية وطرح السؤال الآتي: كيف يمكن تصميم فرص تمكن جميع الطلاب من إظهار تقدمهم نحو تلك المعايير؟
إن المبادئ الثلاثة للتصميم الشامل للتعلم تساعد المعلمين على بناء مسارات متعددة تمكن الطلاب من التعلم والتعبير عما يعرفونه، وفي الوقت ذاته تمنحهم القدرة على اتخاذ قرارات بشأن تعلمهم. وعلى الرغم من أن هذا الإطار يهيئ بيئة داعمة لنجاح الطلاب ذوي الإعاقة داخل الفصول الدراسية، فإنه يرفع كذلك مستويات المشاركة والتحصيل لدى جميع الطلاب. ولذلك فإن فهم هذه المبادئ الثلاثة يُعد أساسًا لبناء خبرات تعليمية تصلح لجميع المتعلمين، وتجعل التعليم الدامج أكثر فاعلية وقابلية للتحقق في الواقع. كما تدعم هذه المبادئ المعلمين في تزويد الطلاب بخيارات ومسارات متنوعة، سواء في كيفية انخراطهم في التعلم، أو في الطريقة التي يتعلمون بها، أو في الكيفية التي يشاركون بها ما تعلموه.
المرجع:
How UDL Creates an Equitable Environment for Students
https://www.edutopia.org/article/universal-design-learning-promotes-equity/





