ترجمة: أ. سوار الماجري
1. الجذور التاريخية وتطور المفهوم: من الفصام إلى العيادة المستقلة
النشأة اللغوية والابستمولوجية: ظهر مصطلح التوحد لأول مرة في تاريخ الطب النفسي على يد السويسري “إيوجين بلولر” (Eugen Bleuler)، والذي نحته للإشارة إلى عرض محدد ومظهر من مظاهر الفصام لدى البالغين، يتسم والانغلاق الشديد على الذات.
الاستعارة الفرويدية الصادمة: من المفارقات الإبستمولوجية الهامة أن “بلولر”، وفي محاولته لشرح هذا المفهوم الجديد (Autismus) لقرائه وتشكيل تمثيل ذهني وعيادي له، استعار مفهوم “الشبقية الذاتية” (Autoérotisme) من معاصره “سيجموند فرويد”، مما جعل التحليل النفسي -ودون تخطيط مسبق- قابعاً في عمق الجذور الأولى للمصطلح.
الاستقلال العيادي للمفهوم: تبلور التوحد ككيان تشخيصي مستقل بين عامي 1943 و1944؛ حيث قام طبيب نفس الأطفال النمساوي “ليو كانر” (Leo Kanner) بنشر أبحاثه عام 1943 التي جمع فيها الأطفال الذين يظهرون سمات مشتركة مثل الاضطرابات الحادة في التواصل والنزعة النمطية والسلوك الانغلاقي. وفي عام 1944، قدم “هانس آسبيرجر” (Hans Asperger) أطروحته حول أطفال يظهرون سمات توحدية ولكن مع تميزهم بقدرات معرفية خاصة.
الصورة الذهنية المستقرة: على الرغم من التعقيدات العلمية، شهدت التعريفات الموجهة للجمهور العام استقراراً نسبياً في صياغاتها، إذ ركزت باستمرار على تمثيلات مثل “فقدان الاتصال بالواقع”، و”العالم المغلق”، و”العالم الداخلي المتميز بالانغلاق على الذات”.
2. حقبة السبعينيات: سيادة المقاربة التحليلية وراديكالية الحرمان العاطفي
الهيمنة الثقافية لـ “القلعة الفارغة”: تميزت هذه الحقبة بالصدى الواسع الذي أحدثته ترجمة وتوزيع كتاب “القلعة الفارغة” (La forteresse vide) عام 1969 للمحلل النفسي “برونو بتلهايم” (Bruno Bettelheim) ضمن سلسلة “معرفة اللاشعور”، حيث قدم النص بأسلوب مجازي غني وكثيف صاغ النظرة العامة والعيادية للتوحد لسنوات طويلة.
مأسسة الطب النفسي للأطفال: شهدت السبعينيات اعترافاً رسمياً بالطب النفسي للأطفال والمراهقين كاختصاص جامعي مستقل، مما رسخ الاهتمام بالبنية النفسية للطفل. وبرزت في هذا السياق شخصيات مثل “فرانسواز دولتو” (Françoise Dolto) التي انتقدت بشدة المقاربات الطبية التقليدية لـ “جورج هوييه” (Georges Heuyer)، ودعت إلى سيكولوجية متعاطفة تكون “في مستوى الطفل”.
مناهضة “عسر الشفاء” والتحول نحو التعلم: بدأت الممارسات المهنية تتخلى تدريجياً عن الفكر الإقصائي القديم الذي كان يختزل الاضطرابات الشديدة للأطفال في خانة “التأخر العقلي الحتمي” أو “العجز المستعصي على العلاج”. وظهرت نتيجة لذلك مشاريع مؤسساتية رائدة في فرنسا وبريطانيا نادت بإعادة دمج الأطفال التوحديين في بيئتهم، وطرحت مسألة “التعلم” كركيزة أساسية للعلاج.
3. حقبة الثمانينيات: الانقسام العصب بيولوجي وصعود المقاربات السلوكية
الهجوم العصب بيولوجي والجيني: شهدت هذه الفترة صعوداً قوياً للنظريات البيولوجية مع ترجمة كتاب “التوحد: الحقيقة المرفوضة” لـ “إدوارد ريتفو” (Edward Ritvo) الذي ركز على الأصل الجيني للمرض. وحظي هذا التوجه بدعم إعلامي شرس في فرنسا قادته الدكتورة “كلود إسلوفير لامبيوت” عبر مقالاتها في صحيفة Le Monde، موجهةً اتهامات صريحة للممارسين التحليليين بأن بنياتهم العلاجية “غير فعالة، مكلفة، وتعمل على تحجيل وتأثيم الوالدين دون وجه حق”.
سياسة العرائض وتأسيس الجمعيات: رد الأطباء النفسيون الفرنسيون بعريضة جماعية مضادة، مما أسس لظاهرة “سياسة العرائض” داخل مجتمع الطب النفسي. وفي عام 1985، تأسست جمعية (ARAPI) لتشكل منصة تجمع الباحثين (مثل البروفيسور جيلبرت ليلورد) مع أهالي الأطفال، مما عمق الانقسام المفهومي والعملي بين المقاربة التحليلية والمقاربة العصبية البيولوجية.
التسويق السلوكي والتعليمي: برزت في هذه الحقبة الترجمات الفرنسية لأعمال “إريك شوبلر” (Éric Schopler) وبرنامجه الشهير “TEACCH”، والذي اعتبره النقاد بمثابة “ضربة تسويقية ناجحة جداً” (Beau coup de marketing) فتحت آفاقاً عملية لتمدرس الأطفال. وفي ذات الوقت، ساهم “مايكل راتر” (Michael Rutter) في إعادة تقييم الممارسات، معبراً عن شكوكه العميقة حول جدوى التحليل النفسي في علاج التوحد.
4. نهاية القرن العشرين: تفكيك التصنيفات وبروز “طيف التوحد“
الانتقال نحو “الاضطرابات النمائية الشاملة”: سعى واضعو التصنيفات الطبية الحديثة (خاصة DSM الأمريكي) إلى فصل التوحد تماماً عن الجوار المفاهيمي القديم الذي يربطه بالفصام أو الذهان. وظهر مصطلح “الاضطرابات النمائية الشاملة” (TED) كترجمة للمفهوم الأمريكي (Pervasive Developmental Disorders)، وهو مفهوم مطاطي صُمم لاستيعاب التباين العيادي الضخم.
الانقلاب المفهومي وظهور “الطيف”: ساهمت إعادة اكتشاف أعمال “هانس آسبيرجر” وترجمتها إلى الإنجليزية بواسطة النفسانية “أوتا فريث” (Uta Frith) في إحداث زلزال مفاهيمي؛ حيث أصبح استخدام كلمة “التوحد” بمفردها أمراً قاصراً، واستُبدلت بمفهوم “طيف التوحد” (Spectre) ليشمل كل الأشكال العيادية والسلوكيات الفردية المتنوعة، مما أدخل الحقل العيادي في حالة من “الاضطراب الشديد” نظراً لعدم اليقين العلمي والمؤسساتي حينها.
أزمة الإحصاء والسياسات العامة: واجهت الحكومات معضلة إحصائية حادة؛ حيث أشار تقرير للمفتشية العامة للشؤون الاجتماعية (IGAS) إلى غياب أرقام دقيقة حول أعداد الحالات، في وقت كانت التقارير الدولية تشير لتصاعد المقاييس. ودفع هذا الوضع بوزيرة الشؤون الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيل” (Simone Veil) لطلب تقرير رسمي، التزم واضعوه بتقديم “نطاق تقريبي عريض جداً” (تتضاعف فيه الأرقام من الفرد إلى اثنين) تجنباً للتخمين وحفاظاً على الأمانة العلمية.
5. التحول التشريعي والحقوقي: التوحد كإعاقة وليس كمرض عقلي
الهروب من وصمة المرض النفسي: قادت جمعيات الأهالي والحركات الحقوقية معركة شرسة لإخراج التوحد من مظلة الطب النفسي الكلاسيكي، مفضلين تصنيفه تحت بند “الإعاقة” (Handicap)، وذلك لكون مفهوم الإعاقة يتيح دمجاً اجتماعياً وتعليمياً أفضل ويحرر الأفراد وعائلاتهم من وصمة “المرض العقلي.
قانون “شوسي” 1996: توجت هذه التحولات التشريعية والاجتماعية في فبراير 1996، عندما صوت البرلمان الفرنسي بالإجماع على مقترح القانون الصادر عن النائب “جان فرانسوا شوسي” (Jean François Chossy). وكان هذا القانون -على الرغم من قصره وبساطته- سابقة تاريخية هامة، حيث منع رسمياً وقانونياً تشبيه التوحد أو إلحاقه بالاضطرابات العقلية.
خاتمة: آفاق التحول وبناء النموذج المتكامل
تُظهر المراجعة التاريخية والإبستمولوجية الممتدة بين عامي 1970 و2020 أن مفهوم التوحد لم يكن مجرد مصطلح طبي جامد، بل كان ساحة لتدافع النظريات العلمية والتحولات الاجتماعية والتشريعية. فمنذ الجذور الأولى التي غرسها “بلولر” والخطوات العيادية التأسيسية لـ “كانر” و”آسبيرجر”، انتقل الحقل من الرؤية الأحادية التي اختزلت الاضطراب في أبعاد نفسية تضع عبء المعاناة على كاهل الأسرة، إلى فضاء أرحب قادته الاكتشافات العصب بيولوجية وصعود برامج التأهيل السلوكي والتعليمي الموجهة نحو تمكين الطفل واستقلاليته.
إن هذا التطور لم يقف عند حدود المختبرات والعيادات، بل امتد ليعيد صياغة السياسات العامة والتشريعات؛ حيث شكّل الانتقال المفاهيمي نحو “طيف التوحد” والاعتراف القانوني به كـ “إعاقة” وليس كمرض عقلي -والذي توّجه قانون “شوسي” عام 1996- تحولاً جذرياً أسهم في رفع الوصمة النفسية وفتح آفاقاً رحبة لتمدرس الأطفال وإعادة دمجهم مجتمعياً.
وفي المحصلة، يتضح أن الفهم المعاصر للتوحد بات يتطلب تجاوز الانقسامات الأيديولوجية القديمة لصالح مقاربة تكاملية، توازن بين التفسير العلمي الرصين للمنشأ العصبي، والتدخلات السلوكية والتربوية المنظمة، والرعاية الإنسانية الشاملة التي تحترم خصوصية كل فرد يقع ضمن هذا الطيف الواسع.
المرجع:
A-lecoute-des-enfants-autistes-le-pari-de-la-psychanalyse https://www.researchgate.net/profile/Sebastien-Ponnou/publication/388175344_A_l’ecoute_des_enfants_autistes_le_pari_de_la_psychanalyse/links/679a432b4c479b26c9c0c8f3/A-lecoute-des-enfants-autistes-le-pari-de-la-psychanalyse.pdf#page=135





