الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاج بالتكامل الحسي ودوره في دعم الأطفال ذوي صعوبات المعالجة الحسية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

في أحد أيام الشتاء الرمادية، كانت العائلات تتوافد إلى صالة صغيرة زاهية الألوان تقع داخل مدرسة هادئة في أحد أحياء بروكلين. وما إن يدخل الزائر حتى يشاهد الأطفال يقفزون في أحواض الكرات، ويتدحرجون فوق الكرات الضخمة، ويرتمون على وسائد إسفنجية كبيرة، ويتأرجحون ويدورون داخل أراجيح قماشية تشبه الشرانق. قد يبدو هذا المكان كأنه مساحة ترفيهية مثالية لأي طفل، إلا أنه في الحقيقة صالة حسية غير ربحية يديرها الآباء، وقد صُممت على غرار مرافق العلاج الوظيفي المتخصصة.

أنشأت هذه المساحة إليزا فاكتور، وهي أم لثلاثة أطفال ومؤسسة منظمة تهدف إلى دعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم. وجاءت فكرة المشروع لتوفير بيئة آمنة ومريحة تسمح للأطفال وعائلاتهم بالاسترخاء والاستمتاع بوقتهم بعيداً عن الضغوط اليومية، في جو يتسم بالتقبل والدعم. وخلال تصميم هذه الصالة، تعاونت فاكتور مع المعالج الوظيفي هوك هو، الذي كان يعمل مع ابنها فيليكس ويشرف على أحد المراكز المتخصصة في مانهاتن. كان فيليكس يعاني من الشلل الدماغي واضطراب طيف التوحد، الأمر الذي جعل والدته تدرك عن قرب حجم التحديات المرتبطة بالمشكلات الحسية التي يواجهها كثير من الأطفال.

ورغم أن القفز والدوران والتسلق تبدو للوهلة الأولى مجرد أنشطة ترفيهية، فإنها في الواقع تشكل جزءاً أساسياً من العلاج بالتكامل الحسي. ويُعد هذا النوع من العلاج أحد الأساليب التي يستخدمها أخصائيو العلاج الوظيفي لمساعدة الأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة المعلومات الحسية. فهؤلاء الأطفال قد يستقبلون قدراً كبيراً جداً من المثيرات الحسية أو قد يستقبلون قدراً أقل من اللازم، كما أنهم يواجهون صعوبة في تنظيم المعلومات القادمة من البيئة المحيطة ومن أجسامهم. ونتيجة لذلك، يصبح من الصعب عليهم الشعور بالراحة والأمان، أو التفاعل بكفاءة مع الآخرين، أو الاستفادة من فرص التعلم والتواصل الاجتماعي.

يقوم مفهوم العلاج بالتكامل الحسي على افتراض أن أنشطة حركية محددة، وتمارين تعتمد على الضغط والمقاومة الجسدية، وأحياناً تقنيات تعتمد على تحفيز الجلد، يمكن أن تساعد الطفل على الوصول إلى مستوى مناسب من اليقظة والتنظيم العصبي. ويرى بعض المعالجين الوظيفيين أن هذه الأنشطة لا تقتصر على تحسين السلوك بشكل مؤقت، بل قد تسهم في إعادة تنظيم الشبكات العصبية في الدماغ، مما يساعد الطفل على تفسير المدخلات الحسية والاستجابة لها بطريقة أكثر ملاءمة. وعندما يصبح الطفل قادراً على فهم الإشارات الحسية المحيطة به بصورة أوضح، فإنه يشعر بدرجة أكبر من الأمان والثقة، وينخفض مستوى القلق لديه، ويصبح أكثر استعداداً للاستكشاف والتفاعل والتعلم.

ومع ذلك، لا يخلو هذا التوجه من الجدل العلمي. فالمصطلح الذي يستخدمه كثير من المختصين، وهو “اضطراب المعالجة الحسية”، لا يُعترف به كتشخيص مستقل في بعض التصنيفات الطبية النفسية. وعلى الرغم من اتفاق المختصين على وجود أطفال يعانون بالفعل من فرط أو نقص الاستجابة للمثيرات الحسية، فإن الخلاف يتمحور حول ما إذا كانت هذه الصعوبات تمثل اضطراباً مستقلاً أم أنها جزء من حالات نمائية أخرى. وتُعد المشكلات الحسية من السمات الشائعة جداً لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، كما أنها قد تظهر لدى المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو الوسواس القهري، أو بعض اضطرابات النمو والتعلم، بل وقد توجد بدرجات متفاوتة لدى أشخاص لا يحملون أي تشخيص طبي آخر.

لفهم هذه الصعوبات بشكل أعمق، اعتمدت النظرية الأساسية للتكامل الحسي على أعمال الباحثة والمعالجة الوظيفية جين آيرز، التي وسعت مفهوم الحواس التقليدية. فإلى جانب الحواس الخمس المعروفة، اقترحت وجود حاستين داخليتين بالغتي الأهمية: الإحساس العميق أو الوعي بوضعية الجسم، والحس الدهليزي المسؤول عن إدراك الحركة والتوازن. وتوجد مستقبلات الإحساس العميق في العضلات والمفاصل والأربطة، حيث تزود الدماغ بمعلومات مستمرة حول وضعية الجسم وحركة أجزائه، مما يساعد على التحكم الحركي والمحافظة على التوازن والقوام الجسدي. أما الجهاز الدهليزي الموجود في الأذن الداخلية، فينقل معلومات تتعلق باتجاه الحركة وموقع الجسم في الفراغ، وهو عنصر أساسي لتحقيق التوازن والتنسيق الحركي.

وفيما بعد، أضاف بعض الباحثين مفهوماً آخر يتمثل في الحس الداخلي أو الاستقبال الداخلي، وهو النظام المسؤول عن نقل المعلومات القادمة من أعضاء الجسم المختلفة. ويشمل ذلك الإحساس بالجوع والعطش والتعب والامتلاء والحاجة إلى استخدام دورة المياه، إضافة إلى إدراك التغيرات الداخلية المرتبطة بالحالة الجسدية والانفعالية. ويساعد هذا النوع من الإدراك الإنسان على فهم ما يجري داخل جسمه والاستجابة له بالشكل المناسب.

عندما تعمل هذه الأنظمة الحسية معاً بصورة متناسقة، يتمكن الدماغ من تكوين صورة واضحة ومتكاملة عن البيئة الخارجية والحالة الداخلية للجسم. لكن عندما يحدث خلل في معالجة هذه المعلومات أو دمجها، تصبح الرسائل الحسية مشوشة أو غير دقيقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور مجموعة واسعة من السلوكيات التكيفية أو الدفاعية. فقد يكون الطفل شديد الحساسية تجاه الأصوات أو الأضواء أو اللمس، فيشعر بالإرهاق والانزعاج من مثيرات يعتبرها الآخرون طبيعية. وفي المقابل، قد يكون الطفل قليل الاستجابة للمثيرات الحسية، فيبحث باستمرار عن أنشطة قوية أو مكثفة تمنحه الإحساس الذي يحتاج إليه. وبعض الأطفال قد يجمعون بين النمطين، حيث يظهرون فرط حساسية تجاه بعض المثيرات ونقصاً في الاستجابة تجاه مثيرات أخرى.

وتنعكس هذه الصعوبات على جوانب متعددة من الحياة اليومية. فقد يعاني الطفل من نوبات غضب أو انهيارات انفعالية متكررة عندما يتعرض لكمية كبيرة من المثيرات الحسية، أو قد يواجه مشكلات في تناول الطعام بسبب حساسيته الشديدة لبعض القوامات أو النكهات. كما قد تظهر سلوكيات أخرى مثل تجنب اللمس، أو السعي المستمر للحركة، أو صعوبة الجلوس لفترات طويلة، أو استخدام قوة زائدة أثناء اللعب والتفاعل مع الآخرين. وفي بعض الحالات، يمكن أن تؤثر هذه المشكلات في الأداء المدرسي والعلاقات الاجتماعية والاستقلالية في أداء الأنشطة اليومية.

يبدأ العلاج بالتكامل الحسي عادةً بإجراء تقييم شامل من قبل أخصائي العلاج الوظيفي بهدف التعرف على طبيعة الصعوبات الحسية التي يواجهها الطفل ومدى تأثيرها في حياته اليومية. ويتضمن التقييم جمع معلومات من الوالدين والمعلمين، وملاحظة سلوك الطفل أثناء الأنشطة المختلفة، واستخدام أدوات قياس متخصصة لتحديد أنماط الاستجابة الحسية. وبناءً على نتائج التقييم، يتم تصميم برنامج علاجي فردي يتناسب مع احتياجات الطفل وقدراته وأهدافه.

وخلال الجلسات العلاجية، يُشجع الطفل على المشاركة في أنشطة ممتعة وتفاعلية صُممت بعناية لتوفير خبرات حسية مناسبة. وقد تشمل هذه الأنشطة التأرجح، والتسلق، والقفز، والتدحرج، والضغط العميق، وتمارين التوازن، وغيرها من الأنشطة التي تستهدف الأنظمة الحسية المختلفة. ويحرص المعالج على تكييف مستوى التحدي بحيث يكون مناسباً للطفل، مما يساعده على تطوير مهاراته الحركية والانفعالية والاجتماعية في بيئة آمنة وداعمة.

وبشكل عام، يمثل العلاج بالتكامل الحسي أحد الأساليب المستخدمة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة المعلومات الحسية على تحسين قدرتهم على التفاعل مع العالم من حولهم. ورغم استمرار النقاش العلمي حول بعض جوانبه النظرية ومدى فعاليته في جميع الحالات، فإنه لا يزال يحظى باهتمام واسع في مجالات العلاج الوظيفي والتدخلات النمائية، خاصة لما يوفره من فرص لتعزيز المشاركة اليومية وتقليل التحديات التي قد تواجه الأطفال وأسرهم في حياتهم اليومية.

المرجع:

Treating Sensory Processing Issues

https://childmind.org/article/treating-sensory-processing-issues/