ترجمة: أ. جنا الدوسري
هدفت هذه المراجعة المنهجية والتحليل البعدي إلى استكشاف العلاقة بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وأنماط المعالجة الحسية غير النمطية، وذلك في ضوء الملاحظات السريرية المتزايدة التي تشير إلى أن العديد من الأفراد المشخصين بهذا الاضطراب يواجهون صعوبات تتجاوز الأعراض التقليدية المعروفة، مثل ضعف الانتباه أو النشاط الزائد أو الاندفاعية. فقد أصبح من الواضح أن الجوانب الحسية قد تلعب دورًا مهمًا في حياة هؤلاء الأفراد، إذ يمكن أن تؤثر طريقة استقبالهم للمثيرات الحسية المختلفة وتفسيرها والاستجابة لها في أدائهم اليومي وعلاقاتهم الاجتماعية وقدرتهم على التكيف مع البيئة المحيطة.
اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على مراجعة شاملة للأدبيات العلمية المنشورة في عدد من قواعد البيانات الطبية والعلمية الكبرى، حيث جرى جمع الدراسات التي قارنت بين الأفراد المشخَّصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وأفراد أصحاء لا يعانون من الاضطراب، مع التركيز على قياس أنماط المعالجة الحسية باستخدام أدوات واستبيانات متخصصة. كما تم تقييم جودة الدراسات المشمولة ودرجة احتمالية التحيز فيها للتأكد من موثوقية النتائج المستخلصة.
أظهرت النتائج أن الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يعانون بدرجة أكبر من الاضطرابات الحسية مقارنة بالأشخاص غير المشخصين. وقد شملت هذه الصعوبات عدة جوانب رئيسية من المعالجة الحسية، ما يشير إلى أن المشكلات الحسية ليست ظاهرة محدودة أو عرضية، بل قد تكون سمة متكررة ومؤثرة لدى هذه الفئة.
من أبرز الأنماط التي لوحظت لدى المشخصين ارتفاع مستوى الحساسية الحسية، حيث يميل الفرد إلى الاستجابة بشكل مفرط للمثيرات الموجودة في البيئة المحيطة. فقد تبدو الأصوات العادية أكثر إزعاجًا، أو تصبح الأضواء الساطعة مزعجة بدرجة تفوق ما يشعر به الأشخاص الآخرون، كما قد تسبب بعض الملامس أو الروائح انزعاجًا واضحًا. ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى شعور مستمر بالإرهاق أو التوتر نتيجة التعرض اليومي للمثيرات الحسية المختلفة.
كما أظهرت النتائج زيادة واضحة في سلوك التجنب الحسي لدى المشخصين بالاضطراب. ويقصد بذلك ميل الفرد إلى الابتعاد عن المواقف أو البيئات التي تحتوي على مثيرات حسية مكثفة أو مزعجة بالنسبة له. فقد يفضّل بعض الأشخاص الأماكن الهادئة ويتجنبون البيئات المزدحمة أو الصاخبة، أو قد يرفضون أنواعًا معينة من الأطعمة أو الملابس بسبب خصائصها الحسية. ويُعتقد أن هذا السلوك يمثل محاولة للتكيف مع الإحساس المفرط بالمثيرات وتقليل الشعور بعدم الراحة.
وفي المقابل، كشفت الدراسة أيضًا عن وجود مشكلات تتعلق بانخفاض التسجيل الحسي، وهي حالة يكون فيها الفرد أقل انتباهًا أو استجابة للمثيرات الموجودة حوله. ففي هذه الحالة قد يحتاج الشخص إلى مستويات أعلى من التنبيه حتى يلاحظ المعلومات الحسية أو يتفاعل معها. وقد يفسر ذلك بعض السلوكيات المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مثل عدم الانتباه للتعليمات أو التأخر في ملاحظة التغيرات البيئية أو الحاجة المستمرة إلى محفزات إضافية للحفاظ على التركيز.
إضافة إلى ذلك، تبين أن الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يُظهرون مستويات مرتفعة من البحث عن المدخلات الحسية. ويُقصد بهذا النمط سعي الشخص بشكل متكرر للحصول على تجارب حسية إضافية أو أكثر كثافة. فقد يظهر ذلك في صورة الحركة المستمرة، أو لمس الأشياء بشكل متكرر، أو البحث عن أنشطة توفر إثارة حسية قوية. ويرى الباحثون أن هذا السلوك قد يكون محاولة لتعويض ضعف الاستجابة لبعض المثيرات أو لتحقيق مستوى من التنبيه يساعد على تحسين الانتباه واليقظة.
وقد شملت الدراسات التي تم تحليلها عينات من الأطفال والبالغين على حد سواء، مما أتاح فرصة لفهم أوسع لمدى انتشار هذه الصعوبات عبر المراحل العمرية المختلفة. وأظهرت النتائج أن الارتباط بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه واضطرابات المعالجة الحسية لا يقتصر على مرحلة الطفولة فقط، بل يستمر أيضًا لدى العديد من البالغين. وهذا يشير إلى أن الصعوبات الحسية قد تكون جزءًا طويل الأمد من الصورة السريرية للاضطراب، وليست مجرد ظاهرة مؤقتة مرتبطة بالنمو أو العمر.
ورغم وضوح النتائج العامة، أشار الباحثون إلى وجود تباين ملحوظ بين الدراسات المختلفة من حيث حجم التأثير وشدة المشكلات الحسية المبلغ عنها. ويمكن تفسير هذا التباين بعدة عوامل، من بينها اختلاف خصائص العينات المشاركة، وتنوع الأدوات المستخدمة في التقييم، واختلاف المعايير التشخيصية، بالإضافة إلى الفروق الفردية الكبيرة بين الأشخاص المشخصين بالاضطراب. لذلك، فإن شدة الصعوبات الحسية قد تختلف من فرد لآخر، وقد لا تظهر بنفس الصورة أو الدرجة لدى جميع المشخصين.
كما لفت الباحثون الانتباه إلى أن جودة الدراسات لم تكن متساوية؛ فبينما تميز عدد من الدراسات بمستوى جيد من الموثوقية والمنهجية، وُجدت دراسات أخرى احتوت على بعض نقاط الضعف التي قد تؤثر في قوة الاستنتاجات. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام للنتائج كان متسقًا إلى حد كبير، حيث أشارت معظم الدراسات إلى وجود ارتباط واضح بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والاضطرابات الحسية.
وتحمل هذه النتائج أهمية عملية كبيرة للممارسين في مجالات الطب النفسي وعلم النفس والعلاج الوظيفي والتربية الخاصة. فالتقييم التقليدي لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يركز غالبًا على الأعراض الأساسية المرتبطة بالانتباه والنشاط الزائد والاندفاعية، بينما قد يتم إغفال الجوانب الحسية التي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في الأداء الوظيفي للفرد. ومن ثم فإن إدراج تقييم المعالجة الحسية ضمن إجراءات التشخيص والتقييم قد يساعد في الحصول على فهم أكثر شمولًا لاحتياجات الشخص والصعوبات التي يواجهها في حياته اليومية.
وتشير النتائج كذلك إلى أن التدخلات العلاجية قد تستفيد من مراعاة الخصائص الحسية للفرد. فعندما يتم التعرف على أنماط الحساسية أو التجنب أو البحث الحسي، يصبح بالإمكان تصميم استراتيجيات أكثر ملاءمة للبيئة المنزلية أو المدرسية أو المهنية، بما يسهم في تحسين التكيف وتقليل الضغوط اليومية. كما يمكن أن يساعد ذلك في تفسير بعض السلوكيات التي قد تُفهم بشكل خاطئ على أنها ناتجة فقط عن ضعف الانتباه أو فرط الحركة، في حين أنها قد تكون مرتبطة جزئيًا بطريقة معالجة الفرد للمعلومات الحسية.
وفي الختام، توصلت هذه المراجعة المنهجية والتحليل البعدي إلى وجود ارتباط قوي ومتكرر بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وأنماط المعالجة الحسية غير النمطية لدى الأطفال والبالغين. وقد أظهرت الأدلة أن المشخصين بالاضطراب يعانون بدرجات أكبر من الحساسية الحسية، والتجنب الحسي، وانخفاض التسجيل الحسي، والبحث عن المثيرات الحسية مقارنة بالأفراد غير المشخصين. وعلى الرغم من أن الإرشادات السريرية الحالية الخاصة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا تركز بشكل كافٍ على تقييم الجوانب الحسية، فإن نتائج هذه الدراسة تدعم أهمية دمج تقييم المعالجة الحسية بصورة منهجية ضمن عملية التشخيص والتقييم الشامل، لما لذلك من دور في تحسين فهم الاضطراب وتطوير خطط تدخل أكثر فعالية واستجابة لاحتياجات الأفراد المشخصين.
المرجع:
Sensory Processing in Individuals With Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder Compared With Control Populations: A Systematic Review and Meta-Analysis
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0890856725002096





