ترجمة: أ. سوار الماجري
مقدمة تمهيدية:
“أغمضوا أعينكم، انسوا الليل والنهار، تناوب النور والظلام، وكل مفهوم للزمان والمكان. ستدركون حينها مدى عدم واقعية هذه الأشياء. الزمان والمكان لا يحتاجان إلى ساعات، ولا تقويمات، ولا كل هذه الأسس التي خلقها أولئك الذين اتفقوا على تصور مشترك للعالم [..] يعتقد عموماً أن الواقع هو ضمان للموثوقية. أما بالنسبة لي، لا أتذكر، حتى في صغري، أنني شعرت يوماً بالأمان دون أن أفقد أولاً الوعي بما يعتبر عموماً حقيقياً. وبفعل ذلك، كنت أفقد أيضاً كل وعي بذاتي.” – دونا ويليامز.
تضعنا هذه الشهادة المؤثرة للكاتبة دونا ويليامز، وهي مشخصة باضطراب طيف التوحد، أمام التحدي الأكبر الذي يواجه المتخصصين والممارسين في التربية المختصة وعلم النفس النموذجي. إنها محاولة سبر أغوار عقول الأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد وفهم كيفية إدراكهم للمثيرات البيئية المحيطة بهم. في هذا العالم المنفصل، يختلف كل شيء: من الإدراك الحسي المتطرف إلى التعبير العاطفي، ومن آليات الذاكرة إلى استشراف المستقبل، وصولاً إلى بناء العلاقات مع الذات ومع الآخرين.
تاريخياً، حظي هذا الاضطراب بهالة من الغموض أدت إلى نشوء تسميات وتوصيفات أدبية متعددة عكست حيرة الباحثين، مثل “الحصن الخالي”، أو “الطفل الذي توقف عند عتبة اللغة”. وعلى الرغم من التطور العلمي الهائل، لا تزال الساحة الأكاديمية تشهد تباينات بين المتخصصين حول آليات التدخل الفعالة. ومع ذلك، يتفق الجميع اليوم على حتمية التدخل المبكر والمكثف وضرورة توفير بيئة تنظيمية تحكمها قوانين وتشريعات مرنة تضمن حقوق ذوي الإعاقة.
في هذا المقال الموسع، نسلط الضوء على واحدة من أكثر المقاربات السلوكية نجاعة على المستوى الدولي في تطوير مهارات النطق والتواصل، وهي مقاربة السلوك اللفظي (Verbal Behavior) المستمدة من التحليل التطبيقي للسلوك (ABA)، باحثين في أثرها المباشر على نمو المخزون المعجمي (الاستقبالي والإنتاجي) لدى الأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد.
الفصل الأول: التطور التاريخي والسريري لاضطراب طيف التوحد
I. الجذور التاريخية وصياغة المفهوم
لم تكن الأمراض العقلية والنمائية لدى الأطفال حتى القرن التاسع عشر تفصل عن حالات “البلاهة الخلقية” أو الخرف. وكان الطبيب الفرنسي جان مارك غاسبار إيتارد (1774-1838) من أوائل من وثقوا حالة إكلينيكية تتقاطع تماماً مع معايير التشخيص الحديثة لاضطراب طيف التوحد، وذلك من خلال دراسته لـ “فيكتور”، الطفل المتوحش في أفيرون. وصف إيتارد فيكتور بأنه كان يتأرجح بلا هوادة، ولا يظهر أي عاطفة تجاه المحيطين به، ويبدي مقاومة عنيفة لأي تغيير في بيئته، مع تمسكه الشديد بالترتيب الصارم للأشياء في غرفته. ورغم محاولات إيتارد التربوية السلطوية المكثفة القائمة على أفكار فلسفية حسية، إلا أن فيكتور عجز عن اكتساب اللغة.
لاحقاً، وفي منتصف القرن العشرين وتحديداً في عام 1943، نشر الطبيب النفسي الأمريكي ليو كانر مقالته التاريخية “الاضطرابات التوحدية للاتصال العاطفي”. درس كانر سلوك أحد عشر طفلاً ووصف متلازمة إكلينيكية مستقلة تتميز بالانفصال عن الواقع واضطراب التواصل. وفي نفس الفترة (1944)، قدم هانز أسبرجر في فيينا أبحاثاً حول أطفال يمتلكون مستويات ذكاء جيدة وقدرات لغوية متطورة ولكنهم يعانون من اضطرابات سلوكية واجتماعية حادة، وهي المتلازمة التي أعادت لورنا وينغ إحياءها وتحديثها في عام 1981.
II. الوبائيات والانتقال نحو مفهوم “الطيف”
تشير الإحصائيات الحديثة الصادرة عن الهيئات الصحية الدولية (مثل الهيئة العليا للصحة في فرنسا) إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الانتشار، حيث تُقدر نسب الإصابة لجميع اضطرابات النمو الشاملة بـ 3 إلى 7 حالات لكل 1000 طفل. ورغم أن البعض اعتبر هذه الزيادة بمثابة “وباء”، إلا أن الدراسات الطولية (مثل أبحاث فومبون ومازوبرون) أكدت أن هذا الارتفاع ناتج عن تطور وتوسيع معايير التشخيص السلوكية، وزيادة وعي الممارسين، وليس زيادة حقيقية في حدوث الاضطراب. كما يظهر الثبات الإحصائي تفوقاً واضحاً للذكور على الإناث بنسبة تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف.
من الناحية التصنيفية، انتقلت الأدلة التشخيصية (مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM والتصنيف الدولي للأمراض CIM) من فكرة الفصام الطفولي أو الذهان إلى مصطلح “اضطرابات النمو الشاملة” (TED) في ثمانينيات القرن الماضي. واليوم، يتم التعامل مع هذه الحالات تحت مظلة “طيف اضطراب التوحد“، نظراً للتباين الكبير والتباين العمودي والأفقي بين الأطفال من حيث شدة الأعراض، ومستويات الأداء الفكري، والاضطرابات المصاحبة.
III. الثالوث التشخيصي والخصوصية اللغوية
يتجلى الاضطراب سريرياً قبل سن الثالثة من خلال ثلاثة محاور أساسية (الثالوث التشخيصي):
التدهور النوعي في التفاعلات الاجتماعية: غياب الاهتمام بالمثيرات الاجتماعية، ونقص الانتباه المشترك، وعدم القدرة على قراءة التعبيرات العاطفية للآخرين.
التدهور النوعي في التواصل اللفظي وغير اللفظي: تأخر نمو اللغة أو غياب الاستخدام الوظيفي والاجتماعي للمكتسبات اللغوية.
الطابع المقيد والمتكرر والنمطي للسلوك والأنشطة: الاستغراق في اهتمامات محدودة، والتعلق الشديد بالأشياء غير الحية، ومقاومة التغيير.
أما بالنسبة للأطفال المشخصين الذين تمكنوا من تطوير لغة منطوقة، فإن بنيتهم اللغوية تظل محملة بشذوذات نوعية تعيق التواصل الفعال، ومن أبرزها:
صعوبة تكوين وفهم المفهوم (مشكلة التعميم والتخصيص): حيث يربط الطفل الكلمة بسياق إدراكي بصري ضيق جداً (مثلاً: إطلاق كلمة “كرة” على كرته الخاصة فقط والعجز عن تعميمها على أكواب أخرى).
الانعكاس الضميري: التباس استخدام الضمائر الشخصية، مثل التحدث عن الذات بصيغة الغائب أو المخاطب (“أنت” بدلاً من “أنا”).
صعوبة الوصول إلى كلمة “نعم”: لأن إقرار الموافقة يتطلب مهارات تجريد عقلية معقدة واتخاذ قرار واعٍ.
المصاداة (الإيكولاليا): التكرار الآلي المباشر أو المؤجل للكلمات والعبارات المسموعة، والتي قد تحمل في بعض الأحيان وظائف تواصلية خفية يجب تحليلها سلوكياً.
الفصل الثاني: التحليل التطبيقي للسلوك (ABA) ونهج السلوك اللفظي (VB)
I. المرجعية السلوكية وقوانين التعلم
يستند التحليل التطبيقي للسلوك (ABA) إلى المدرسة السلوكية الإجرائية (Behaviorism) التي أسسها جون واتسون وطورها بي إف سكينر عبر مفهوم “الإشراط الإجرائي”. ينظر هذا العلم إلى السلوك البشري بوصفه نتاجاً للتفاعل الديناميكي مع البيئة؛ حيث يتأثر السلوك بأحداث تسبقه (مثيرات قبلية) وعواقب تتبعه (مثيرات بعدية) تحدد احتمالية تكراره في المستقبل.
وتتمثل الصيغة التشغيلية الأساسية للتحليل الوظيفي للسلوك في الثلاثية الشهيرة:
Antecedent (السياق)⟶Behavior (السلوك)⟶Consequence (العاقبة / المعزز)
في ستينيات القرن الماضي، نقل الدكتور إيفار لوفاس هذه المبادئ إلى الحقل التربوي الخاص بالأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد، مبتكراً برنامجاً تدخلاً مكثفاً وفردياً أثبت قدرة عالية على خفض السلوكيات التنافسية (غير المرغوبة) وتنمية السلوكيات التكيفية البديلة.
II. نقلة “السلوك اللفظي” (Verbal Behavior) لسكينر
في عام 1957، أصدر سكينر كتابه “السلوك اللفظي”، والذي أعيد إحياؤه وتطبيقه ميدانياً قبل بضعة وعود على يد باحثين وأخصائيي تقويم نطق (مثل جاك مايكل ومارك ساندبيرج). ينبع تميز هذا النهج من كونه لا يتعامل مع الكلمة كبنية لغوية مجردة، بل كـ سلوك لفظي له وظيفة محددة محكومة بالسياق والعواقب.
بناءً على هذا التصنيف، تم تقسيم المهارات اللغوية إلى أربعة مشغلات لفظية أساسية (Operants Verbaux) يُبنى عليها المخزون اللفظي للطفل:
المشغل اللفظي (Operant) | الوصف السلوكي | الوظيفة التواصلية |
الطلب (Mand) | سلوك لفظي مدفوع بحالة حرمان أو رغبة داخلية (Motivation). | يتيح للطفل طلب الأشياء، الأنشطة، أو إزالة المثيرات المزعجة، وهو أساس التواصل التلقائي. |
التسمية (Tact) | سلوك لفظي يستثره مثير بصري، سمعي، أو حسي في البيئة المحيطة. | يتيح للطفل التعرف على الأشياء وتسميتها (“أرى سيارة”، “هذا كتاب”). |
المصاداة الموجهة (Echoic) | تكرار دقيق للأصوات أو الكلمات الصادرة عن الآخرين مع وجود تطابق صوتي. | يعمل كخطوة وسيطة وبوابة لتعليم ونمذجة الكلمات الجديدة. |
اللغة الضمنية (Intraverbal) | سلوك لفظي يستثيره سلوك لفظي آخر دون وجود المثير العيني أمامه. | يمثل أساس المحادثة البينية، الإجابة عن الأسئلة، وتداعي المعاني المجردة. |
ومن خلال هذا الفهم، يدرك الممارسون أن الطفل قد يمتلك القدرة على “تسمية” الموز (Tact) عند رؤيته في الصورة، لكنه يعجز تماماً عن “طلبه” (Mand) عندما يجوع، مما يستدعي تصميم استراتيجيات وتدخلات سلوكية مستقلة لكل مشغل لفظي على حدة لضمان تغيير السلوك اللفظي وتطويره بشكل متوازن وبناء مهارات عملية حقيقية.
الفصل الثالث: تطوير المخزون المعجمي وآليات التدخل الميداني
I. التمييز بين المعجم الاستقبالي والمعجم الإنتاجي
عند قياس تطور الحصيلة اللغوية، يفصل أخصائيو تقويم النطق ومحللو السلوك بين مستويين من المخزون المعجمي:
المعجم الاستقبالي (Lexique Réceptif): ويرتبط بالقدرة على الفهم والامتثال للأوامر وتحديد المثيرات البصرية بناءً على طلب لفظي (مثل: “أعطني المكعب الأزرق” أو “أشر إلى القطة”) دون أن يُطلب من الطفل النطق.
المعجم الإنتاجي (Lexique Productif): ويتطلب من الطفل استخدام أعضاء النطق أو وسائل التواصل البديل لإنتاج الكلمة ووضعها في سياقها الوظيفي الصحيح (طلب، تسمية، أو محادثة).
تؤكد المقاربات الحديثة أن تنمية المعجم الإنتاجي يجب أن تسير بالتوازي مع المعجم الاستقبالي، مع التركيز على كسر القوالب النمطية والوصول بالطفل إلى مرحلة “التعميم” عبر تقديم المثير الواحد بأشكال وألوان وأحجام مختلفة لضمان تجريد المفهوم المعرفي.
II. بيئة التعلم الطبيعية (NET) والخدمات المساندة للبرنامج
من المآخذ القديمة على الـ ABA التقليدي استخدامه المفرط لأسلوب المحاولات المنفصلة الصارم (DTT) على الطاولة، مما قد ينتج لغة آلية تفتقر للروح الاجتماعية. هنا جاءت مقاربة السلوك اللفظي (ABA/VB) لتركز على تدريب بيئة التعلم الطبيعية (Natural Environment Training – NET).
في الـ NET، يتحرر الأخصائي من الطاولة المعزولة ويندمج في أنشطة الطفل المفضلة (اللعب بالصلصال، ركوب الأرجوحة، تصفح كتاب قصصي). يتم استغلال الدافعية اللحظية الفطرية للطفل (Motivation) كمحرك أساسي لطلب الكلمات وتسميتها وتكرارها، مما يجعل عملية اكتساب المفردات عملية ممتعة ومستدامة وقابلة للتعميم التلقائي في الحياة اليومية للطفل.
ولضمان الفعالية القصوى لهذه البرامج التربوية والسلوكية، يبرز دور الخدمات المساندة للبرنامج. إن التكفل الشامل بالطفل الذي لديه اضطراب طيف التوحد لا يمكن أن ينجح بمعزل عن خدمات العلاج الوظيفي (لتنظيم الاضطرابات الحسية التي تعيق الانتباه)، وعلاج النطق واللغة المكثف، والدعم النفسي الأسري المتكامل. كما أن عملية إحالة الطفل المبكرة من قِبل أطباء الأطفال أو مراكز الرعاية الأولية إلى الفرق المتخصصة فور رصد المؤشرات الأولية (العلامات الحمراء) تعد العامل الحاسم في استغلال اللدونة العصبية وتحقيق قفزات نمائية نوعية.
خاتمة وتوصيات ومآلات تطبيقية
تثبت الأدبيات العلمية والممارسات الميدانية أن الدمج المنهجي بين قوانين تحليل السلوك التطبيقي (ABA) واستراتيجيات السلوك اللفظي (VB) يشكل رافعة حقيقية لتمكين الأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد من امتلاك أدوات التواصل البشري. إن تحويل المفردات المعجمية من مجرد أصوات مكررة (مصاداة) إلى مشغلات وظيفية (طلبات وتسميات ومحادثات) هو الجسر الحقيقي لدمج هؤلاء الأطفال في مجتمعاتهم.
بناءً على ما تقدم، نخلص إلى التوصيات التطبيقية التالية:
تفعيل القوانين والتشريعات: ضرورة صياغة أطر قانونية وتشريعية وطنية تدعم إلزامية التدخلات القائمة على الأدلة العلمية (Evidence-Based Practices) وتوفير الدعم المالي واللوجستي لذوي الإعاقة.
مأسسة الشراكة الأسرية: لا يمكن لبرامج تغيير السلوك أن تنجح إذا انحصرت داخل غرف الجلسات؛ يجب تدريب الوالدين كشركاء أساسيين لضمان استمرارية الاستراتيجيات والتدخلات وتعميم المخزون المعجمي في المنزل والمجتمع.
العمل بروح الفريق متعدد التخصصات: دمج مهارات محللي السلوك (BCBA) مع أخصائيي تقويم النطق لتصميم أدوات تقييم ومناهج فردية متوازنة وتوفير الخدمات المساندة للبرنامج المناسبة له.
إن الكلمة بالنسبة للطفل المشخص باضطراب طيف التوحد ليست مجرد أداة لغوية باردة، بل هي الأداة الوظيفية التي تمنحه الهوية والتفاعل، ليعود فرداً فاعلاً ومشاركاً في صياغة تفاصيل الواقع الإنساني والاجتماعي المشترك.
المرجع:
L’ANALYSE APPLIQUÉE DU COMPORTEMENT ET AUTISME : Impact sur le stock lexical
https://docnum.univ-lorraine.fr/public/BUMED_MORT_VILLAREAL_HILDEGARDE.pdf





