ترجمة: أ. جنا الدوسري
يعرّف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (الإصدار الخامس المُنقّح DSM-5-TR) الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي عام 2022 اضطراب طيف التوحد بأنه اضطراب نمائي عصبي يظهر من خلال مجموعة من الصعوبات الأساسية التي تؤثر على نمو الفرد وتفاعله مع الآخرين. ويتمثل هذا الاضطراب بشكل رئيسي في وجود قصور في مهارات التواصل الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى أنماط سلوكية متكررة ومقيدة. ويعني ذلك أن الطفل أو الفرد المشخّص باضطراب طيف التوحد قد يواجه تحديات في بناء العلاقات الاجتماعية أو فهم الإشارات الاجتماعية أو التعبير عن نفسه بطريقة تتناسب مع السياق الاجتماعي المحيط به، إلى جانب ظهور سلوكيات نمطية أو اهتمامات محدودة تتكرر بشكل ملحوظ.
وتتجلى صعوبات التواصل الاجتماعي بطرق متعددة، حيث قد يعاني الفرد من ضعف في الانتباه المشترك، وهو القدرة على مشاركة الانتباه مع الآخرين تجاه نفس الشيء أو الحدث، إضافة إلى ضعف في التفاعل الاجتماعي المتبادل الذي يشمل تبادل المشاعر والأفكار بطريقة طبيعية. كما قد تظهر تحديات في استخدام اللغة سواء اللفظية أو غير اللفظية، مثل تعبيرات الوجه، أو الإيماءات، أو نبرة الصوت، وذلك بهدف التواصل الاجتماعي الفعّال. وغالبًا ما تؤثر هذه الصعوبات على قدرة الفرد في تكوين علاقات اجتماعية متوازنة أو فهم نوايا الآخرين واستجاباتهم، مما يؤدي إلى شعور بالعزلة أو صعوبة في الاندماج داخل البيئة الاجتماعية.
أما الجانب الآخر من التشخيص فيتمثل في السلوكيات والاهتمامات المتكررة والمقيدة، والتي قد تشمل حركات جسدية نمطية متكررة مثل رفرفة اليدين أو الدوران، أو تكرار بعض العبارات بشكل غير وظيفي. كما قد يظهر لدى الفرد التزام شديد بالروتين وعدم تقبل التغيير، بحيث يسبب أي تعديل بسيط في الروتين اليومي حالة من التوتر أو الانزعاج. بالإضافة إلى ذلك، قد يركز الفرد على اهتمامات محددة بشكل مفرط، حيث ينغمس في موضوع معين بصورة عميقة ومستمرة. ومن الجوانب المهمة أيضًا وجود حساسية غير اعتيادية تجاه المؤثرات الحسية، فقد يكون هناك فرط حساسية تجاه الأصوات أو الأضواء أو اللمس، أو على العكس انخفاض في الاستجابة لهذه المؤثرات، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على تفاعله مع البيئة المحيطة.
وفي إطار فهم الإعاقة بشكل عام، يشير المختصون إلى وجود نماذج متعددة تفسر كيفية النظر إلى الإعاقة وتأثيرها على حياة الفرد، حيث يمكن أن تؤثر هذه النماذج في قرارات التدخل العلاجي والخدمات المقدمة. ومن أبرز هذه النماذج النموذج الطبي للإعاقة، والذي ينظر إلى الإعاقة باعتبارها خللاً أو نقصًا داخل الفرد نفسه، ويعتبر أن الهدف الأساسي من التدخلات العلاجية هو تقليل الأعراض أو تعديل السلوكيات لتقترب من ما يُعتبر “طبيعيًا” أو “نمطيًا”. ووفقًا لهذا النموذج، يُعد اضطراب طيف التوحد تشخيصًا طبيًا محددًا يتم التعرف عليه من خلال المعايير التشخيصية، ويتم التعامل معه على هذا الأساس داخل الأنظمة الصحية والتعليمية.
ويُسهم النموذج الطبي في العديد من الجوانب العملية المهمة، مثل تشخيص الحالات بشكل رسمي، وتحديد أهلية الأفراد للحصول على الخدمات والدعم، بالإضافة إلى توجيه البرامج العلاجية والتدخلات المهنية. كما يُستخدم هذا النموذج في إعداد البروتوكولات العلاجية وتطوير الأبحاث العلمية المتعلقة بالاضطرابات النمائية، إلى جانب دوره في فهم العوامل المؤثرة على الصحة وجودة الحياة. وغالبًا ما تعتمد جهات التمويل والتأمين الصحي على هذا النموذج عند تحديد مدى أهلية الفرد للحصول على التغطية العلاجية، مما يجعله نموذجًا مؤثرًا في السياسات الصحية والخدمات المقدمة.
وفي السياق المهني، يستخدم المختصون رموزًا تصنيفية دولية مثل التصنيف الدولي للأمراض وإجراءات الترميم الطبي، وذلك لأغراض التوثيق والتأمين وإثبات الحاجة العلاجية. وتُعد هذه الأكواد جزءًا مهمًا من النظام الصحي لأنها تسهل عملية تنظيم الخدمات وتقديمها بشكل رسمي ومعتمد.
في المقابل، يقدم النموذج الاجتماعي للإعاقة منظورًا مختلفًا تمامًا، حيث لا يرى أن الإعاقة ناتجة فقط عن خصائص الفرد، بل يعتبر أنها تنشأ نتيجة للعوائق الموجودة في المجتمع نفسه. ووفقًا لهذا التصور، فإن الشخص لا يُعتبر معاقًا بسبب اختلافه أو خصائصه العصبية، بل بسبب غياب التهيئة المناسبة، وعدم توفر بيئات دامجة، أو وجود اتجاهات اجتماعية تقلل من تقبّل الاختلاف. وبالتالي فإن الإعاقة تُفهم هنا كجزء من تجربة الإنسان الحياتية وليس كخلل داخلي فقط.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى اضطراب طيف التوحد كجزء من هوية الفرد وليس مجرد اضطراب يجب تغييره، حيث يتم التركيز على تعزيز نقاط القوة لدى الشخص بدلاً من التركيز على أوجه القصور فقط. كما يتم اعتماد أساليب علاجية قائمة على الدعم والتكيف، مثل تهيئة البيئة لتكون أكثر ملاءمة، وتقديم تسهيلات تساعد الفرد على النجاح، إضافة إلى اعتماد نهج يركز على الشخص نفسه واحتياجاته الفريدة. ويُعرف هذا التوجه باسم الممارسة الداعمة للتنوع العصبي، والذي يهدف إلى احترام اختلافات الأفراد العصبية والتعامل معها كجزء طبيعي من التنوع البشري.
أما فيما يتعلق بالتشخيص وفق DSM-5-TR، فقد شهد هذا الدليل تحديثات مهمة مقارنة بالإصدارات السابقة، حيث تم إلغاء فئة “الاضطرابات النمائية الشاملة” التي كانت تضم عدة تشخيصات فرعية مثل التوحد الكلاسيكي، ومتلازمة أسبرغر، واضطرابات أخرى ذات صلة. وبدلاً من هذه التصنيفات المتعددة، تم دمجها تحت مظلة واحدة هي اضطراب طيف التوحد، وذلك بهدف توحيد التشخيص وتسهيل فهم الحالات المختلفة ضمن طيف واحد بدرجات متفاوتة من الشدة.
ورغم إلغاء التصنيفات الفرعية السابقة، إلا أن الدليل أشار إلى أن الأفراد الذين تم تشخيصهم مسبقًا ضمن تلك الفئات لا يزال يتم اعتبارهم ضمن تشخيص طيف التوحد. كما تم فصل بعض الحالات الوراثية مثل متلازمة ريت كتشخيص مستقل، نظرًا لاختلاف طبيعتها وتطورها عن اضطراب طيف التوحد، رغم إمكانية ظهور بعض الأعراض الاجتماعية خلال مراحل معينة من المرض.
ويعتمد التشخيص الحديث على تحديد مستويات الدعم التي يحتاجها الفرد، حيث يتم تصنيف الحالات إلى مستويات مختلفة تعكس درجة الحاجة إلى المساندة في مهارات التواصل الاجتماعي والسلوكيات المتكررة. وقد تختلف هذه المستويات من شخص لآخر، كما قد تتغير مع مرور الوقت أو حسب البيئة المحيطة. ويهدف هذا التصنيف إلى تقديم فهم أكثر دقة لحالة الفرد، بما يساعد على تصميم تدخلات علاجية وتعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجاته الفعلية، بدلًا من الاعتماد على تصنيف واحد ثابت لا يعكس تنوع الحالات داخل الطيف.
وبشكل عام، يعكس هذا الإطار الحديث فهمًا أكثر شمولية ومرونة لاضطراب طيف التوحد، حيث يجمع بين الجوانب الطبية والسياقية والاجتماعية، ويؤكد على أهمية النظر إلى الفرد بشكل متكامل يأخذ بعين الاعتبار قدراته واحتياجاته والبيئة التي يعيش فيها، بما يضمن تقديم دعم أكثر فعالية وإنسانية.
المرجع:
Autism and Autism Spectrum Disorder





