ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد صعوبات معالجة المعلومات الحسية من التحديات الجوهرية التي قد تعيق تقدّم الطلبة المشخّصين باضطراب طيف التوحد في البيئة المدرسية، إذ لا تقتصر هذه الصعوبات على الجوانب الحسية البحتة، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الأداء الأكاديمي، والتفاعل الاجتماعي، والقدرة على التكيّف مع متطلبات الصف الدراسي. في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة المعقّدة بين أنماط المعالجة الحسية ومستوى الأداء المدرسي لدى فئة من الأطفال ذوي الأداء الوظيفي المرتفع ضمن طيف التوحد، مع مقارنتهم بأقرانهم من الأطفال غير المشخّصين، وذلك من خلال تحليل مجموعة من المؤشرات النفسية والمعرفية والسلوكية.
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الطريقة التي يستقبل بها الطفل المنبّهات الحسية—سواء كانت سمعية أو بصرية أو لمسية—وكيفية استجابته لها، تلعب دورًا حاسمًا في قدرته على التركيز، والتعلّم، والانخراط في الأنشطة الصفية. فالأطفال الذين يعانون من فرط الحساسية، على سبيل المثال، قد يجدون أنفسهم في حالة استثارة مستمرة نتيجة أصوات خفيفة أو أضواء عادية، مما يشتت انتباههم ويضعف قدرتهم على متابعة الشرح أو إتمام المهام. في المقابل، قد يُظهر آخرون انخفاضًا في الاستجابة الحسية، فيبدون أقل انتباهًا أو تفاعلًا مع المحيط، وهو ما ينعكس أيضًا سلبًا على تحصيلهم الدراسي.
ولفهم هذه العلاقة بشكل أعمق، اعتمدت الدراسة على مجموعة من الأدوات التقييمية التي تقيس الجوانب الحسية والاجتماعية والمعرفية والأكاديمية. تم تحليل مستوى الذكاء، ومهارات التفاعل الاجتماعي، وشدة الأعراض المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بالإضافة إلى تقييم الأداء المدرسي من خلال مقاييس معيارية تعكس قدرة الطفل على التكيّف مع متطلبات البيئة التعليمية. وقد أتاح هذا النهج الشامل إمكانية الربط بين هذه المتغيرات المختلفة، وفهم كيف تتداخل لتشكّل تجربة الطفل داخل المدرسة.
أظهرت النتائج وجود علاقة إيجابية واضحة بين مستوى الذكاء والأداء المدرسي، حيث كلما ارتفع مستوى الذكاء، تحسّن أداء الطفل في المدرسة. وهذا يتماشى مع ما هو متوقع، إذ تسهم القدرات المعرفية العالية في تسهيل فهم المحتوى الدراسي، وتنظيم المعلومات، وحل المشكلات. إلا أن هذه العلاقة لم تكن العامل الوحيد المؤثر، بل برزت المعالجة الحسية كعامل لا يقل أهمية، بل قد يكون حاسمًا في بعض الحالات.
فقد كشفت التحليلات عن علاقة سلبية بين أنماط المعالجة الحسية غير التكيفية ومستوى الأداء المدرسي. بمعنى آخر، كلما زادت حدة الصعوبات الحسية، تراجع أداء الطفل في المدرسة. وتحديدًا، الأطفال الذين يعانون من فرط الحساسية دون أن يطوّروا استراتيجيات فعالة لتجنّب أو تقليل التعرض للمثيرات المزعجة، كانوا الأكثر عرضة لانخفاض الأداء الأكاديمي. هذا يشير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الحساسية المرتفعة، بل في غياب السلوكيات التعويضية التي تساعد الطفل على التكيّف مع البيئة.
ومن اللافت أن الدراسة لم تكتفِ بتحليل العلاقات الثنائية بين المتغيرات، بل استخدمت نموذجًا إحصائيًا متقدمًا يدمج عدة عوامل في آن واحد لتفسير الأداء المدرسي. وقد أظهر هذا النموذج أن مزيجًا من مستوى الذكاء، وشدة أعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه، والخصائص الحسية، يفسّر نسبة كبيرة من التباين في الأداء الأكاديمي. وهذا يعكس الطبيعة متعددة الأبعاد للتعلّم، حيث لا يمكن عزو النجاح أو الفشل إلى عامل واحد فقط.
أحد أبرز النتائج التي خرجت بها الدراسة يتمثل في التفاعل بين نوعين من الاستجابات الحسية: الحساسية المرتفعة، وسلوكيات التجنّب. فقد تبيّن أن الأطفال الذين يعانون من حساسية عالية للمثيرات، ولكنهم لا يلجؤون إلى تجنّب هذه المثيرات، يواجهون أكبر التحديات في الأداء المدرسي. ويمكن تفسير ذلك بأن هؤلاء الأطفال يتعرضون باستمرار لمثيرات مزعجة دون أن يمتلكوا آليات فعالة لحماية أنفسهم منها، مما يؤدي إلى استنزاف طاقاتهم الذهنية والعاطفية، ويؤثر على قدرتهم على التركيز والتعلّم.
في المقابل، قد يكون لبعض سلوكيات التجنّب دور تكيفي، رغم ما قد يبدو عليها من انسحاب أو رفض. فعندما يتجنّب الطفل مصدر الإزعاج، فإنه يقلل من الضغط الحسي الواقع عليه، مما قد يساعده على استعادة توازنه والانخراط بشكل أفضل في الأنشطة. وهذا يسلّط الضوء على أهمية فهم هذه السلوكيات في سياقها الوظيفي، بدلًا من النظر إليها فقط كسلوكيات سلبية ينبغي إيقافها.
تُبرز هذه النتائج الحاجة إلى تبنّي مقاربات تدخلية تراعي الفروق الفردية في المعالجة الحسية لدى الأطفال المشخّصين بطيف التوحد. فبدلًا من التركيز الحصري على الجوانب الأكاديمية، ينبغي أن تشمل الخطط التعليمية استراتيجيات لدعم التنظيم الحسي، مثل تهيئة البيئة الصفية لتقليل المثيرات المزعجة، وتوفير فترات راحة حسية، وتعليم الأطفال مهارات التكيّف الذاتي. كما أن التعاون بين المعلمين، والأخصائيين النفسيين، وأولياء الأمور، يُعد عنصرًا أساسيًا في بناء بيئة داعمة تتيح للطفل تحقيق إمكاناته الكاملة.
علاوة على ذلك، تشير الدراسة إلى أهمية الكشف المبكر عن الصعوبات الحسية، لما لذلك من دور في الوقاية من تدهور الأداء الأكاديمي. فكلما تم التعرف على هذه التحديات في وقت مبكر، أمكن تصميم تدخلات مناسبة تقلل من تأثيرها السلبي، وتعزز من فرص النجاح التعليمي والاجتماعي. كما أن إدماج تقييمات المعالجة الحسية ضمن الفحوصات الروتينية للأطفال ذوي طيف التوحد قد يسهم في تقديم صورة أكثر شمولية عن احتياجاتهم.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المعالجة الحسية ليست مجرد جانب ثانوي في تجربة الطفل المصاب بطيف التوحد، بل هي عنصر محوري يؤثر بعمق على أدائه في المدرسة. إن فهم هذه العلاقة المعقدة يفتح المجال أمام تطوير ممارسات تعليمية أكثر فاعلية، تستند إلى احتياجات الطفل الحقيقية، وتراعي تفرّده في إدراك العالم من حوله. ومن خلال هذا الفهم، يمكن الانتقال من نموذج يركّز على العجز، إلى نموذج يركّز على التمكين، حيث يُمنح الطفل الأدوات اللازمة للتعامل مع تحدياته، وتحقيق النجاح في بيئته التعليمية.
ومن المهم أيضًا التأكيد على أن دعم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد لا ينبغي أن يقتصر على البيئة المدرسية فقط، بل يجب أن يمتد إلى المنزل والمجتمع المحيط بهم. فالتكامل بين البيئات المختلفة يعزز من فعالية التدخلات، ويمنح الطفل شعورًا بالاتساق والاستقرار في التعامل مع المثيرات الحسية. كما أن تدريب الوالدين على فهم أنماط الاستجابة الحسية لدى أبنائهم يساعدهم على تقديم دعم يومي أكثر وعيًا ومرونة. وفي هذا الإطار، يمكن لاستخدام استراتيجيات بسيطة، مثل تنظيم الروتين اليومي وتقديم أنشطة حسية موجهة، أن يحدث فرقًا ملموسًا في تحسين جودة حياة الطفل وتعزيز قدرته على التعلّم والتكيّف.
المرجع:
Impact of Sensory Processing on School Performance Outcomes in High Functioning Individuals with Autism Spectrum Disorder
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8341443/





