ترجمة: أ. جنا الدوسري
اضطراب طيف التوحد هو أحد أنواع الاضطرابات النمائية العصبية، ويتميز بوجود صعوبات مستمرة في التواصل الاجتماعي والتفاعل عبر سياقات متعددة، إضافةً إلى وجود أنماط متكررة ومقيدة من السلوكيات والاهتمامات أو الأنشطة. يهدف هذا البحث إلى دراسة فعالية التدخل القائم على التكامل الحسي في معالجة المشاكل السلوكية والعاطفية لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وإلقاء الضوء على دوره في تحسين نوعية حياتهم وقدرتهم على التكيف مع المحيط الاجتماعي.
اعتمدت الدراسة على تصميم بحثي من نوع الاختبار القبلي والبعدي مع مجموعة ضابطة، حيث شملت الدراسة مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة وأحد عشر عامًا، وتم اختيارهم بطريقة عشوائية من بين الأطفال المتواجدين في مركز خاص بالعلاج والدعم للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. بعد اختيار المشاركين، تم تقسيمهم إلى مجموعتين متساويتين، إحداهما تجريبية تلقت التدخل الحسي، والأخرى ضابطة لم تتلق أي نوع من التدخل خلال فترة الدراسة. يهدف هذا التقسيم إلى التحقق من مدى تأثير التدخل الحسي مقارنةً بالوضع الطبيعي دون أي علاج، بما يضمن مصداقية النتائج وقوة الاستنتاجات.
ركز البحث على التدخل القائم على التكامل الحسي، وهو برنامج يهدف إلى تعديل الطريقة التي يستجيب بها الجهاز العصبي للمحفزات الحسية المختلفة، سواء كانت حسية بصرية، سمعية، حركية، أو لمسية. يهدف هذا النوع من العلاج إلى مساعدة الأطفال على تنظيم استجاباتهم الحسية، مما يؤثر إيجابًا على سلوكهم ومشاعرهم، ويقلل من الانفعالات المفرطة أو الانعزال الاجتماعي الناتج عن عدم القدرة على التعامل مع المحفزات اليومية. تلقت المجموعة التجريبية أربع عشرة جلسة من التدخل، حيث صُممت كل جلسة بطريقة تراعي الخصائص الفردية لكل طفل، وتستند إلى أسس علمية للتكامل الحسي، مع تقديم أنشطة تحفيزية مدروسة لتحسين تفاعل الطفل مع بيئته، وزيادة مرونته العاطفية والسلوكية.
لتقييم فعالية هذا التدخل، استخدم الباحثون نظام تقييم السلوك للأطفال – الإصدار الثاني، وهو أداة معيارية معروفة تساعد على قياس السلوكيات العاطفية والمشاكل السلوكية عبر مجموعة من المقاييس الفرعية. تتضمن هذه المقاييس جوانب متعددة مثل النشاط المفرط، العدوانية، المشاكل السلوكية، القلق، الاكتئاب، الانطوائية، صعوبات الانتباه والتعلم، والاختلافات السلوكية غير النمطية. يتيح هذا النظام للباحثين تحديد مدى تأثير التدخل على جميع جوانب السلوك العاطفي للأطفال بدقة، كما يمكن الاعتماد عليه لمقارنة النتائج بين المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة بشكل علمي وموضوعي.
أظهرت نتائج البحث بشكل واضح أن التدخل القائم على التكامل الحسي ساعد الأطفال في تحسين المشاكل السلوكية والعاطفية على نطاق واسع، بما في ذلك تحسين التحكم في النشاط المفرط، وتقليل العدوانية والانفعالات، وتحسين القدرة على التعامل مع القلق والاكتئاب والميل للانعزال. كما لوحظ تحسن في صعوبات الانتباه والتعلم، وانخفاض في السلوكيات غير النمطية، مما يعكس قدرة التدخل الحسي على تعديل استجابات الأطفال العصبية والسلوكية بطريقة إيجابية. تشير هذه النتائج إلى أن استخدام هذا النوع من البرامج العلاجية قد يكون فعالًا بشكل ملموس في تحسين جودة حياة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، ومساعدتهم على التكيف بشكل أفضل في بيئتهم اليومية. كما أشارت الملاحظات السريرية إلى أن الأطفال الذين تلقوا التدخل أظهروا علامات أكبر على الثقة بالنفس، والاستقلالية في أداء بعض المهام اليومية، مما يعكس تأثير التكامل الحسي على تطوير مهاراتهم العملية والاجتماعية على حد سواء.
تشير الدراسة إلى أن التدخل القائم على التكامل الحسي ليس مجرد وسيلة علاجية، بل هو أداة تعليمية وقابلة للتطبيق بسهولة وبتكلفة منخفضة، مما يجعلها مناسبة للاستخدام من قبل الأخصائيين والمعلمين والأهل على حد سواء. هذا النوع من التدخل يمكن أن يسهم في سد فجوة البحث في هذا المجال، حيث لا تزال هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات التي تبحث في العلاقة بين معالجة الصعوبات الحسية وتحسين الأداء السلوكي والعاطفي للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. علاوة على ذلك، يتيح هذا النهج للأطفال فرصة تعلم مهارات جديدة وتنمية قدراتهم على التعامل مع المواقف الاجتماعية والعاطفية المختلفة، ما ينعكس بشكل إيجابي على شعورهم بالرضا والنجاح الشخصي. كما أن الدمج بين الأنشطة الحسية والترفيهية يساعد الأطفال على استكشاف قدراتهم وتحفيز الفضول لديهم، وهو ما يرفع من استعدادهم للتعلم والتفاعل الاجتماعي بطريقة طبيعية ومرنة.
كما تؤكد الدراسة على أن استخدام هذا النوع من التدخل له مزايا متعددة مقارنة بأساليب أخرى قد تكون مكلفة أو ذات آثار جانبية محتملة، حيث يمكن تطبيق جلسات التكامل الحسي في بيئات مختلفة، مثل المدرسة أو المنزل، مع مراعاة اختلاف قدرات كل طفل واحتياجاته الخاصة. يوفر هذا الأسلوب للأطفال شعورًا بالأمان والتحفيز، ويساعد على تطوير سلوكيات إيجابية مستدامة، مع تقليل التوتر والاضطراب الناتج عن الصعوبات الحسية. بالإضافة إلى ذلك، يتيح للمعلمين والأهالي فرصة فهم احتياجات الأطفال بشكل أفضل، وتقديم الدعم المناسب بطريقة علمية ومنهجية، بدلاً من الاعتماد على المحاولات التجريبية غير المنظمة.
في ضوء هذه النتائج، يمكن الاستنتاج أن التدخل القائم على التكامل الحسي يمثل خيارًا علاجيًا وتعليميًا فعالًا للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، خاصةً فيما يتعلق بالمشاكل السلوكية والعاطفية. يمكن أن يكون هذا النهج جزءًا أساسيًا من برامج الدعم الشاملة، التي تهدف إلى تحسين مهارات الأطفال الاجتماعية، وزيادة قدرتهم على التركيز والانتباه، وتقليل السلوكيات العدوانية أو الانعزالية. كما أن بساطة تطبيقه وقلة تكلفته تجعله مناسبًا للمدارس والمراكز المتخصصة، إضافة إلى الأهل الذين يسعون لتقديم دعم فعّال لأطفالهم دون الاعتماد على علاجات مكلفة أو أدوية قد يكون لها آثار جانبية. وعلاوة على ذلك، يشجع هذا النهج على مشاركة الأسرة بشكل أكبر في عملية العلاج، مما يخلق بيئة داعمة ومستمرة تعزز من فعالية التدخل وتطوره مع مرور الوقت.
باختصار، تكشف الدراسة أن التركيز على معالجة الصعوبات الحسية للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يمكن أن يكون له تأثير مباشر وكبير على تحسين سلوكياتهم العاطفية والاجتماعية. وهذا يعزز من أهمية اعتماد برامج التكامل الحسي كجزء من التدخلات العلاجية المبكرة، التي تهدف إلى تمكين الطفل من التعامل مع تحديات الحياة اليومية بطريقة أكثر مرونة وكفاءة. علاوة على ذلك، تقدم الدراسة إسهامًا مهمًا في المعرفة العلمية من خلال توضيح العلاقة بين التكامل الحسي والمشاكل السلوكية والعاطفية، مما يفتح المجال أمام الباحثين لتطوير برامج علاجية متقدمة وفعالة تركز على تحسين نوعية حياة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، مع تقليل الضغوط على الأسر وتحقيق نتائج طويلة الأمد.
المرجع:
The effectiveness of sensory integration intervention on the emotional-behavioral problems of children with autism spectrum disorder
https://www.scienceopen.com/document?vid=89604ff6-3c16-4599-806d-77e238eb37a0





