ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعدّ اضطراب طيف التوحد أحد أشكال الاختلاف العصبي التي تؤثر في طريقة عمل الدماغ، وهو ليس مرضًا بالمعنى التقليدي، بل نمطًا مختلفًا في معالجة المعلومات والتفاعل مع البيئة المحيطة. يظهر هذا الاختلاف في أساليب التواصل الاجتماعي، وفي أنماط السلوك، وفي الاهتمامات اليومية. الأطفال والبالغون ضمن طيف التوحد يتفاعلون مع العالم بطرق فريدة، وقد يمتلكون نقاط قوة مميزة إلى جانب تحديات تحتاج إلى دعم وفهم.
تشير الأدبيات الطبية الحديثة إلى أن اضطراب طيف التوحد لا يمكن اختزاله في قالب واحد، فالتجارب الفردية تختلف بشكل كبير من شخص لآخر. بعض الأطفال قد يُظهرون قدرات عالية في مجالات معينة مثل الذاكرة، أو التفكير التحليلي، أو الإبداع، بينما قد يواجهون صعوبات في التفاعل الاجتماعي أو التكيف مع التغيرات. لذلك، فإن النظرة المعاصرة لاضطراب طيف التوحد تركز على الفهم والدعم بدلًا من محاولات “التصحيح” أو “العلاج”.
اضطراب طيف التوحد ليس مرضًا… بل اختلاف عصبي
من النقاط الجوهرية التي تؤكدها المؤسسات الطبية الرائدة أن اضطراب طيف التوحد ليس مرضًا يحتاج إلى علاج شافٍ. هذا التمييز بالغ الأهمية، لأن مفهوم المرض يفترض وجود خلل يجب إزالته، بينما اضطراب طيف التوحد يُنظر إليه اليوم بوصفه اختلافًا في البنية العصبية ووظائف الدماغ. الهدف من التدخلات والدعم ليس تغيير هوية الطفل أو جعله مطابقًا للمعايير النمطية، بل تمكينه من استثمار نقاط قوته، ومساعدته على التعامل مع التحديات التي قد تواجهه في الحياة اليومية.
يندرج الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد ضمن مفهوم أوسع يُعرف بـ”التنوّع العصبي”، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الاختلافات الطبيعية في طريقة عمل الأدمغة البشرية. وفق هذا المفهوم، لا يُنظر إلى الدماغ المختلف على أنه أقل كفاءة، بل مختلف في طريقة التفكير والإدراك. قد يعني ذلك أن الطفل ذوي اضطراب طيف التوحد يحتاج إلى دعم إضافي في بعض الجوانب، لكنه في المقابل قد يتفوّق في جوانب أخرى مقارنة بأقرانه.
التوحد طيف واسع ومتنوّع
يُوصَف اضطراب طيف التوحد بأنه “طيف”، وهذا الوصف يعكس حقيقة أن السمات والخصائص المرتبطة به تتدرج من خفيفة إلى أكثر تعقيدًا، وتختلف شدتها من شخص لآخر. لا يوجد نموذج واحد يمكن تعميمه على جميع الأفراد ضمن الطيف. فبعض الأطفال قد يتمكنون من التواصل اللفظي بسهولة، بينما يعتمد آخرون على وسائل تواصل بديلة. بعضهم قد يكون اجتماعيًا بطريقته الخاصة، في حين يفضّل آخرون العزلة أو التفاعل المحدود.
هذا التنوع يجعل من الضروري اعتماد خطط دعم فردية، مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كل طفل وفق خصائصه وميوله. فالتدخلات الفعالة هي تلك التي تنطلق من فهم عميق لشخصية الطفل، بدلًا من تطبيق برامج موحّدة لا تراعي الفروق الفردية.
سوء الفهم التاريخي لاضطراب طيف التوحد
لطالما أحاطت باضطراب طيف التوحد مفاهيم خاطئة وأساطير ترسّخت عبر عقود، وأسهمت في وصم الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم. بعض هذه المعتقدات ربطت اضطراب طيف التوحد بضعف الذكاء أو بانعدام المشاعر، وهي تصورات ثبت علميًا أنها غير صحيحة. هذه الأفكار الخاطئة كان لها أثر سلبي عميق، سواء على مستوى السياسات الصحية أو على تعامل المجتمع مع الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد.
في السنوات الأخيرة، شهد المجال تحولًا ملحوظًا نحو مقاربات أكثر إنسانية واحترامًا للتنوّع العصبي. لم تعد التدخلات تهدف إلى “تطبيع” الطفل أو إجباره على التكيف مع قوالب اجتماعية صارمة، بل تسعى إلى تطوير مهاراته مع احترام هويته وخصوصيته العصبية. هذا التحول يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الإصغاء إلى تجارب الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد أنفسهم، وأخذ وجهات نظرهم بعين الاعتبار.
اللغة الطبية والهوية
عند الحديث عن اضطراب طيف التوحد، تبرز إشكالية اللغة المستخدمة في السياق الطبي. فمصطلحات مثل “اضطراب” أو “تشخيص” أو “أعراض” تُستخدم لأغراض مهنية وتنظيمية، لكنها لا تعبّر دائمًا عن التجربة الحياتية الفعلية للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد. لهذا السبب، تؤكد العديد من الجهات المعنية على أن اضطراب طيف التوحد ليس مجرد تشخيص طبي، بل هو جزء من الهوية الشخصية.
يفضّل كثير من أفراد مجتمع اضطراب طيف التوحد استخدام لغة تُعرف بـ”اللغة القائمة على الهوية”، أي القول “شخص متوحد” بدلًا من “شخص لديه توحد”، لأن اضطراب طيف التوحد بالنسبة لهم ليس أمرًا منفصلًا عن ذواتهم، بل عنصر أساسي من طريقة تفكيرهم وإدراكهم للعالم.
ما هو اضطراب طيف التوحد من منظور طبي؟
يُستخدم مصطلح “اضطراب طيف التوحد” في التصنيفات الطبية لوصف مجموعة من الخصائص العصبية التي تؤثر في التواصل الاجتماعي، وفي أنماط السلوك والاهتمامات. من الناحية الطبية، يُفهم اضطراب طيف التوحد بوصفه اختلافًا في وظائف الدماغ يؤثر في كيفية استخدام الإشارات غير اللفظية مثل التواصل البصري، وتعبيرات الوجه، ولغة الجسد.
كما يمتد تأثير هذا الاختلاف إلى مجالات أخرى، مثل الميل إلى تكرار حركات أو أصوات معينة، وهي سلوكيات تُعرف غالبًا باسم “التحفيز الذاتي” أو “التنظيم الحسي”. هذه السلوكيات لا تُعدّ بالضرورة سلبية، بل قد تكون وسيلة فعالة لدى الشخص ذوي اضطراب طيف التوحد لتنظيم مشاعره أو التعامل مع التوتر والضغوط.
السمات العامة لاضطراب طيف التوحد
تنقسم خصائص اضطراب طيف التوحد عادةً إلى محورين رئيسيين. المحور الأول يتعلق بالتواصل الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين، حيث قد يواجه الطفل صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية أو التعبير عن مشاعره بالطريقة المتوقعة اجتماعيًا. المحور الثاني يرتبط بأنماط السلوك والاهتمامات، ويشمل الميل إلى الروتين، أو الانشغال العميق بمواضيع محددة، أو تكرار أنشطة معينة.
من المهم التأكيد على أن هذه السمات لا تعني غياب الرغبة في التواصل أو التفاعل، بل تعكس طريقة مختلفة في التعبير والفهم. كثير من الأطفال ذوي طيف التوحد يحتاجون فقط إلى بيئة داعمة تفهم أسلوبهم الخاص، وتمنحهم الوقت والمساحة للتعبير عن أنفسهم.
الدعم والتدخل: تمكين لا تغيير
التدخلات السلوكية والتعليمية، إلى جانب الدعم الأسري والمجتمعي، تلعب دورًا محوريًا في مساعدة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد على تطوير مهاراتهم وتحقيق إمكاناتهم. عندما يُقدَّم الدعم بطريقة تحترم هوية الطفل وتراعي احتياجاته الفردية، يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في جودة حياته، وفي قدرته على التعلّم والمشاركة المجتمعية.
في النهاية، اضطراب طيف التوحد ليس عائقًا أمام حياة ذات معنى، بل هو طريقة مختلفة لعيش التجربة الإنسانية. الفهم، والتقبّل، والدعم المستند إلى العلم، هي الركائز الأساسية لبناء مجتمع أكثر شمولًا وعدلًا للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم.
كما أن تعزيز وعي المجتمع باضطراب طيف التوحد يساهم في تقليل الوصمة الاجتماعية، ويدعم بناء بيئات تعليمية وصحية أكثر شمولًا. الفهم الصحيح يساعد الأسر والمختصين على التعاون بفعالية، ويمنح الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد فرصًا حقيقية للنمو والاستقلال والمشاركة الإيجابية في المجتمع.
المرجع:
Autism
https://my.clevelandclinic.org/health/articles/autism





