الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

معتقدات الأمهات الوالدية في ظل وجود طفل مشخص باضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تناولت هذه الدراسة تجارب الأمومة في الأسر التي تضم طفلًا مشخّصاً باضطراب طيف التوحد إلى جانب طفل آخر يتمتع بنمو نمائي طبيعي، وذلك من خلال تحليل نوعي متعمق لتصورات الأمهات حول أثر التوحد على حياتهن الشخصية والأسرية. كما أُجري تحليل كمي إضافي لمقارنة تأثير وجود طفل مشخّص باضطراب طيف التوحد على معتقدات الأمهات الوالدية تجاه الطفل الآخر غير المشخّص. هدفت الدراسة إلى فهم الفروق في الخبرة الوالدية، والانفعالات المصاحبة لها، والعوامل النفسية التي قد تتداخل مع فاعلية التدخلات الأسرية.

أظهرت النتائج أن الأمهات يميزن بوضوح بين خبراتهن الوالدية مع الطفل المشخّص باضطراب طيف التوحد وخبراتهن مع الطفل النمائي الطبيعي، سواء من حيث الشعور بالكفاءة الوالدية أو الإحساس بالذنب أو درجة المبادرة في دعم نمو الطفل. كما وُجدت ارتباطات قوية بين مستويات التوتر والاكتئاب لدى الأمهات وبين تصوراتهن الوالدية تجاه كلا الطفلين، مما يؤكد أن الضغوط النفسية للأم لا تنعكس فقط على علاقتها بالطفل المشخّص، بل تمتد أيضًا لتؤثر على تفاعلها مع الطفل الآخر.

تشير هذه النتائج إلى أن التدخلات الأسرية الفعّالة لا ينبغي أن تركز فقط على الطفل المشخّص باضطراب طيف التوحد، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التجربة الوالدية الكاملة للأم، بما في ذلك مشاعر الذنب، وانخفاض الشعور بالكفاءة، والصراعات النفسية الخفية التي قد تعيق نجاح أي تدخل علاجي أو إرشادي.

المشاركون وخصائص الأسر

شارك في هذه الدراسة سبع عشرة أمًا لديهن طفل مشخّص باضطراب طيف التوحد وطفل آخر يتمتع بنمو طبيعي. تم استقطاب الأسر من خلال مراكز إعادة التأهيل المحلية. روعي في اختيار العينة أن يكون الطفل النمائي الطبيعي هو الأصغر سنًا مقارنة بالطفل المشخّص، وذلك لضمان تقارب المستويات النمائية وتقليل التباين في البيانات. هذا الاختيار المنهجي ساعد على تعزيز تجانس العينة، مما أتاح مقارنة أكثر دقة بين الخبرات الوالدية المرتبطة بكل طفل.

غلب الذكور على العينة، وهو ما يتماشى مع الانتشار المعروف لاضطراب طيف التوحد بين الذكور مقارنة بالإناث. وقد خضعت جميع الحالات لفحوصات تشخيصية دقيقة لضمان صحة التصنيف النمائي لكل طفل، مع استبعاد أي حالات يشتبه بوجود أعراض نمائية غير مشخصة لدى الطفل غير المشخّص. كما تم تقييم القدرات المعرفية غير اللفظية وفهم المفردات لدى الأطفال، وأظهرت النتائج عدم وجود فروق دالة في الفهم اللغوي بين الطفلين، في حين وُجد انخفاض ملحوظ في مستوى الذكاء غير اللفظي لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد.

تراوحت أعمار الأمهات ضمن مرحلة الرشد المبكر والمتوسط، وكانت الغالبية ينتمين إلى أسر ثنائية الوالدين، وهو ما يقلل من تأثير بعض المتغيرات الاجتماعية على النتائج.

إجراءات الدراسة وأدوات القياس

تُعد هذه الدراسة جزءًا من مشروع بحثي أوسع تناول التفاعل بين الأم والطفل في أسر تضم طفلًا مشخّصاً باضطراب طيف التوحد. خضعت الأمهات لمقابلات متعمقة أُجريت بشكل فردي، هدفت إلى استكشاف تصوراتهن حول تأثير اضطراب طيف التوحد على حياتهن الأسرية والشخصية. طُرحت أسئلة مفتوحة سمحت للأمهات بالتعبير بحرية عن مشاعرهن وتجاربهن اليومية، مما أتاح جمع بيانات غنية ذات طابع نوعي عميق.

إلى جانب ذلك، استُخدمت مجموعة من الاستبيانات النفسية لقياس المعتقدات الوالدية، مثل الشعور بالكفاءة، والإحساس بالقدرة على التأثير في نمو الطفل، ومشاعر الذنب، إضافة إلى مؤشرات الضغط النفسي والاكتئاب. أجابت الأمهات على هذه المقاييس مرتين، مرة فيما يخص الطفل المشخّص باضطراب طيف التوحد، ومرة أخرى فيما يخص الطفل النمائي الطبيعي، مما أتاح مقارنة مباشرة داخل الأسرة الواحدة.

النتائج النوعية: كيف تصف الأمهات أثر التوحد على حياتهن؟

«إنه يؤثر على حياتنا بالكامل»

أجمعت معظم الأمهات على أن وجود طفل مشخّص باضطراب طيف التوحد يؤثر على مجمل تفاصيل الحياة الأسرية. وصفت الأمهات حياتهن بأنها أصبحت شديدة التنظيم ومقيدة بجداول زمنية صارمة تفرضها احتياجات الطفل. لم تعد الأنشطة العائلية اليومية، مثل الخروج إلى المتنزهات أو زيارة الأقارب أو السفر، أمرًا تلقائيًا أو بسيطًا، بل أصبحت تتطلب تخطيطًا دقيقًا يأخذ بعين الاعتبار سلوك الطفل، وقدرته على التكيف، واحتمالات تعرضه للضغط الحسي أو الانفعالي.

ذكرت بعض الأمهات أنهن اضطررن للتخلي عن أنشطة اجتماعية أو مناسبات عائلية كاملة، تفاديًا لما قد يترتب عليها من اضطراب في سلوك الطفل بعد العودة. كما تحدثت أخريات عن التغيرات الجذرية التي طرأت على مسارهن المهني، حيث اضطرت العديد منهن إلى تقليل ساعات العمل أو ترك الوظيفة نهائيًا من أجل التفرغ لرعاية الطفل ومرافقته إلى الجلسات العلاجية أو المدارس المتخصصة.

أما وقت الفراغ، فقد وصفته الأمهات بأنه شبه معدوم، نظرًا لصعوبة إيجاد من يستطيع الاعتناء بالطفل، إضافة إلى شعورهن المستمر بالقلق في حال ابتعدن عنه. ورغم هذه التحديات، عبّرت قلة من الأمهات عن جوانب إيجابية للتجربة، حيث اعتبرن أن وجود طفل مشخّص باضطراب طيف التوحد أضفى على الأسرة قيمًا إنسانية عميقة، مثل تقبل الاختلاف، وتنمية التعاطف، وتعزيز الروابط بين الإخوة.

نقص الفهم من المجتمع المحيط

برز موضوع نقص الوعي المجتمعي باضطراب طيف التوحد كأحد أكثر المحاور حضورًا في مقابلات الأمهات. شعرت كثير من الأمهات بأن سلوكيات أطفالهن تُفسر من قبل الآخرين على أنها نتيجة لسوء تربية، مما يعرضهن لنقد مستمر ويقوض ثقتهن بأنفسهن كأمهات. هذا النقص في الفهم لا يضيف فقط عبئًا نفسيًا إضافيًا، بل يعمق شعور العزلة الاجتماعية ويجعل الأسرة أكثر انغلاقًا على ذاتها.

دلالات تطبيقية وتوصيات

تؤكد هذه الدراسة أن التدخلات الأسرية يجب أن تتجاوز التركيز الحصري على الطفل المشخّص باضطراب طيف التوحد، لتشمل دعم الأم نفسيًا، وتعزيز شعورها بالكفاءة، ومساعدتها على التعامل مع مشاعر الذنب والضغط المزمن. إن تجاهل التجربة الانفعالية للأم قد يؤدي إلى تقليل فاعلية التدخلات العلاجية، مهما بلغت جودتها التقنية. لذلك، فإن تمكين الأمهات نفسيًا يُعد ركيزة أساسية لأي برنامج تدخل ناجح ومستدام داخل الأسرة.

كما تُبرز النتائج أهمية النظر إلى الأم بوصفها محورًا أساسيًا في العملية العلاجية، وليس مجرد وسيط للتدخل مع الطفل. فدعم الصحة النفسية للأمهات، وتخفيف الضغوط المزمنة، وتعزيز استراتيجيات التكيف الإيجابي، قد ينعكس بشكل مباشر على جودة التفاعل الأسري، ويُحسّن من نمو الأطفال كافة داخل الأسرة، سواء المشخصين باضطراب طيف التوحد أو غير المشخصين.




المرجع:

Parenting in families with a child with autism spectrum disorder and a typically developing child: Mothers’ experiences and cognitions

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1750946710000036?via%3Dihub