الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

رأي: حان الوقت لتقبّل اضطراب طيف التوحد العميق

 

ترجمة: أ. أماني أبو العينين 

 

حضرت في وقت سابق من هذا الشهر المؤتمر الدولي لمنظمة اضطراب طيف التوحد الأوروبية الذي عُقد في كراكوف، بولندا، تحت شعار “رحلة سعيدة عبر الحياة. ورغم أن هذا الهدف نبيل، إلا أنني لا أجد كلمة “سعيدة” مناسبة لوصف حياة ابنتي جودي، التي شُخصت باضطراب طيف التوحد الشديد. ولن يختار هذه الكلمة أيضاً العديد من العائلات التي تخوض صراعاً يومياً مع التحديات المرتبطة بالعيش في الطرف الشديد من طيف التوحد، وهو واقع لا يراه عامة الناس إلى حد كبير.

 

جودي قليلة الكلام وتعاني من سلوكيات مؤلمة تؤذي نفسها، وإعاقة ذهنية، وعدوانية، وقلق، وأرق، ونوبات صرع. نوبات غضبها المتكررة تجعل من الصعب إشراكها في الأنشطة المجتمعية. ورغم أنها غالباً ما تكون راضية وتستمتع بالعمل في المزرعة، إلا أن أي شخص يراها تشد شعرها أو تضرب رأسها بالحائط لن يصفها بالسعادة خلال تلك النوبات. وأنا وعائلتي لسنا سعداء لأنها ستحتاج إلى رعاية وإشراف على مدار الساعة لبقية حياتها.

إن تجربتي في المؤتمر الدولي لمنظمة اضطراب طيف التوحد الأوروبية – وتجربتي كوالد لطفل مشخص باضطراب طيف التوحد الشديد – تجعلني أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأننا بحاجة إلى تقسيم تشخيص “اضطراب طيف التوحد” وإضافة تشخيص جديد هو “اضطراب طيف التوحد  الشديد” لخدمة هذه الفئة الضعيفة والمهمشة بشكل أفضل، والتي يتم تجاهلها باستمرار من قبل الأعضاء ذوي الأداء الوظيفي الأعلى في مجتمع اضطراب طيف التوحد .

ورد مصطلح “اضطراب طيف التوحد  الشديد” لأول مرة في الأدبيات العلمية عام 2021 في  تقرير لجنة لانسيت  المعنية  بمستقبل الرعاية والبحوث السريرية في مجال اضطراب طيف التوحد  . ترأست اللجنة كل من  كاثرين لورد ، أستاذة جورج تارجان المتميزة في الطب النفسي بمعهد سيميل لعلوم الأعصاب والسلوك البشري في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس. وكنتُ أنا أيضًا أحد أعضاء اللجنة، وعددهم أكثر من 30 عضوًا. وأكد التقرير على أهمية مصطلح “اضطراب طيف التوحد  الشديد” في التمييز بين الأشخاص ذوي الاحتياجات العالية من الاعتماد على الآخرين، وبين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد  الذين يتمتعون بقدرات لغوية وفكرية أفضل.

بعد مراجعة العديد من مجموعات البيانات الخاصة بالأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ،  قدّرت لجنة لانسيت  أن ما يقارب 50% من ذوي اضطراب طيف التوحد  يندرجون ضمن فئة اضطراب طيف التوحد الشديد. هذا يعني أنه مقابل كل شخص مشخص باضطراب طيف التوحد  يسعى للحصول على وظيفة في مايكروسوفت، يوجد أيضاً شخص آخر لا يستطيع استيعاب المفهوم المجرد لماهية مايكروسوفت أو طبيعة عملها.

لطالما دافعت عائلات مثل عائلتي، ممن يواجهون اضطراب طيف التوحد الشديد، عن هذا التمييز. ونعتقد جازمين أن نطاق طيف التوحد أصبح واسعًا جدًا، وأن مصطلح “اضطراب طيف التوحد” أصبح فضفاضًا لدرجة أن الأشخاص الذين يندرجون تحته غالبًا ما لا يجمعهم الكثير. فاضطراب طيف التوحد قد يعني العبقرية أو انخفاض معدل الذكاء عن 30. وقد يعني القدرة اللفظية العالية أو عدم القدرة على الكلام. وقد يعني التخرج من كلية الحقوق بجامعة هارفارد أو مجرد الحصول على شهادة حضور من المدرسة الثانوية. إذا أردنا أن نُخصّص نهجنا في الرعاية، كما  اقترح تقرير لجنة لانسيت  ، فنحن بحاجة إلى مصطلحات ولغة دقيقة وواضحة، بدلًا من مصطلحات تُعمّم على الجميع.

أدى نجاح مجتمع التنوع العصبي في لفت الانتباه إلى قضاياه إلى استنتاج الكثيرين ممن لا يملكون خبرة عميقة باضطراب طيف التوحد أن هذه القضايا تمثل الجميع. بالنسبة لعامة الناس، باتت كلمة “اضطراب طيف التوحد ” تصف فقط الطرف الأكثر بلاغة، والأكثر مهارة، والأكثر ظهورًا من اضطراب طيف التوحد  – لأن الأشخاص الذين تنطبق عليهم هذه المعايير قادرون على إيصال صوتهم، وحضور المؤتمرات، وتمثيل أنفسهم في اجتماعات صنع السياسات، والظهور  في وسائل الإعلام . والنتيجة هي أن الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ، والذين يعانون من إعاقة ذهنية شديدة وسلوكيات بالغة الصعوبة، أصبحوا غير مرئيين ومهمشين.

تجلّت لي هذه النقطة العمياء بوضوح مؤلم في المؤتمر الدولي لمنظمة اضطراب طيف التوحد الأوروبية، حيث مثّلت الغالبية العظمى من المندوبين ذوي القدرات الوظيفية العالية من طيف التوحد، ومع ذلك ادّعوا التحدث باسم جميع ذوي اضطراب طيف التوحد . وقد بدا الغضب واضحًا على العديد من المندوبين إزاء بعض المصطلحات التي استخدمها المتحدثون في عروضهم لوصف سمات اضطراب طيف التوحد مثل “مريض” و”إعاقة” وحتى “تدخل. وانتقد الكثيرون هؤلاء العلماء بشدة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما غادر آخرون القاعة.

لكن هذه الكلمات ضرورية وصحيحة. ابنتي تتلقى خدمات طبية، وهذا يجعلها مريضة. لديها إعاقة، ولولا ذلك لما كانت مؤهلة للحصول على هذه الخدمات. وينطبق الأمر نفسه على العديد من العائلات الأخرى التي تعاني (نعم، تعاني) من اضطراب طيف التوحد الشديد.

شهد المؤتمر عدة أمثلة قدم فيها المتحدثون أدلة على هذا التباين المتزايد. وكان أبرزها الكلمة الرئيسية التي ألقاها  برايان بويد ، أستاذ ويليام سي. فرايدي المتميز في التربية بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، بعنوان “إعادة صياغة مفهوم السلوك التكراري في اضطراب طيف التوحد . عرض بويد مقطعي فيديو لتمثيل نوعين مختلفين من السلوكيات التكرارية. أظهر المقطع الأول شخصًا بالغًا مشخص باضطراب طيف التوحد استغل اهتمامه الخاص ليحصل على وظيفة، وتحدث ببلاغة عن تحديات التواصل الاجتماعي وكيف يُقدّر وقته الخاص. أما المقطع الثاني، فقد سبقه تحذير من المحتوى الحساس، واستُقبل بدهشة واستغراب من الجمهور، وتعرض لانتقادات فورية على تويتر، لأنه أظهر طفلًا مشخص باضطراب طيف التوحد الشديد وهو يمارس سلوكًا مؤذيًا لنفسه.

يعكس هذا الفيديو يومًا عاديًا للعديد من العائلات التي لديها طفل مشخص باضطراب طيف التوحد الشديد، والذين لا يستطيعون، كما اقترح بويد، “تغطية أعينهم وآذانهم” للاختباء مما يدور حولهم. إذا كان أولئك الذين يدّعون تمثيل جميع فئات اضطراب طيف التوحد والتحدث باسمها عاجزين حتى عن ملاحظة السلوكيات اليومية التي يمر بها الكثيرون ممن يعانون من اضطراب طيف التوحد الشديد لبضع ثوانٍ، فكيف لهم أن يدافعوا عن حقوقهم؟ أشار بويد بحق إلى أن هذين الشخصين يحتاجان إلى نوعين مختلفين تمامًا من التدخلات، لأنهما يواجهان ظروفًا مختلفة تمامًا. ما وصفه كان، في الواقع، نوعين مختلفين تمامًا من اضطراب طيف التوحد .

وبالمثل، عرضت لورد في كلمتها الرئيسية بياناتٍ حول نتائج الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ، استنادًا إلى دراسة طولية استمرت 30 عامًا. كانت نتائج ذوي درجات الذكاء المنخفضة، والذين يُرجّح أن يستوفوا معايير تشخيص اضطراب طيف التوحد الشديد، مختلفةً اختلافًا جذريًا – بل وأسوأ بكثير – من نتائج ذوي القدرات الوظيفية الأعلى. وعندما سُئل المشاركون في الدراسة عن شعورهم تجاه مستقبلهم، ذكر الشباب البالغون القادرون على الكلام “المزاج والقلق والاكتئاب” كعوامل أساسية في سعادتهم، بينما وصف آباء الشباب البالغين الأقل قدرةً على الكلام “صعوبات في السيطرة على العدوانية” بأنها المحددات الرئيسية. باختصار، إذا أردنا تلبية احتياجات الأشخاص المشخصين بأنواع مختلفة من اضطراب طيف التوحد فنحن بحاجة إلى أنواع مختلفة تمامًا من التدخلات بناءً على مستوى قدراتهم الوظيفية.

كان أحد محاور المؤتمر الدولي لمنظمة اضطراب طيف التوحد الأوروبية دعوةً إلى مزيد من البحوث التشاركية. في ذلك المؤتمر، كان المقصود إجراء البحوث من قِبل البالغين ذوي الأداء الوظيفي العالي ذوي اضطراب طيف التوحد ، وبمشاركتهم، دون إشراك أولياء أمورهم. ركزت معظم البحوث التي دعا إليها المندوبون على الصحة النفسية والرفاهية. ولكن عندما يتعلق الأمر بنوع البحوث المطلوبة، توجد اختلافات جوهرية في الأولويات بين البالغين ذوي اضطراب طيف التوحد  القادرين على الكلام وأولياء أمور ذوي اضطراب طيف التوحد  الشديد، كما أوضح لورد. وفقًا لعدد من المندوبين ومنشورات على تويتر، فإن أي بحث “تدخلي” – سلوكي أو دوائي – يُعتبر “تمييزيًا ضد ذوي الإعاقة”، و”معياريًا عصبيًا”، و”مرضيًا”. ومع ذلك، فهذا هو تحديدًا نوع البحوث التي ترغب بها عائلات ذوي اضطراب طيف التوحد  الشديد، وتحتاجها، وتستحقها. من ناحية أخرى، في مجتمع ذوي اضطراب طيف التوحد  الشديد، تُعتبر دراسات محددات “ازدهار التوحد” من الكماليات، حيث تكافح العائلات لتلبية الاحتياجات الأساسية لأطفالها والحفاظ على سلامتهم الجسدية.

كان من بين المواضيع المطروحة في المؤتمر ضرورة استخدام لغة “محايدة” وغير تهديدية. بل إن العديد من المتحدثين عدّلوا شرائحهم في اللحظات الأخيرة لإزالة أي أثر للغة قد تعرضهم لانتقادات من قبل مناصري التنوع العصبي على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد يخشون قريباً عرض النتائج العلمية برمتها، خوفاً من التهميش. لا فائدة تُذكر، ولا حتى حيادية، في تنقية الكلمات اللازمة لوصف الحقائق العلمية والعملية للتوحد. إن هذه اللغة التي يُزعم أنها محايدة تحرم المجتمع من القدرة على وصف الحياة اليومية للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد  الشديد.

مع أنّه من المؤسف أن ينزعج البعض من المصطلحات المنطقية، إلا أنه لا ينبغي لأحد أن يملك سلطة فرض رقابة على اللغة لاستبعاد الحقائق الملموسة للتوحد. يحتاج العلماء والمدافعون عن حقوق ذوي اضطراب طيف التوحد  إلى مجموعة كاملة من الأدوات اللغوية لوصف ما يحدث في الواقع. إن تجاهل وجود ذوي اضطراب طيف التوحد  الشديد من خلال حذف اللغة اللازمة لوصف أعراضهم يُعدّ بحد ذاته تمييزًا ضد ذوي الإعاقة. على عكس الحضور في عرض بويد، لا يمكننا غض الطرف عن حقيقة التوحد الشديد.

بعد التحدث مع العديد من مندوبي المؤتمر ومقدمي العروض، بات واضحًا لي أن مجتمع التوحد، بتعريفه الحالي، لن يتفق أبدًا على الأولويات أو الاحتياجات أو المصطلحات. لقد حان الوقت للاعتراف بأن تصنيف الجميع ضمن طيف واحد قد ولّد استياءً وعداءً. تترتب على ذلك آثارٌ واقعية على الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد  الشديد عندما يسعى المدافعون عن حقوق ذوي الأداء العالي إلى تقليص تمويل البحوث الطبية وتهميشها، ومنع الوصول إلى العلاج والرعاية السريرية، وفرض رقابة على المصطلحات العلمية الضرورية والدقيقة، والدعوة إلى سياسات تُلحق ضررًا حقيقيًا بمن لن يستطيعوا ولن يتمكنوا أبدًا من العيش باستقلالية. لن نتمكن من تلبية الاحتياجات المتنوعة لكلا المجموعتين إلا بالعودة إلى تشخيصين منفصلين على الأقل.

المراجع 

Opinion: It’s Time to Embrace “Profound Autism”

https://autismspectrumnews.org/opinion-its-time-to-embrace-profound-autism