ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد السلوكيات المرتبطة بالمعالجة الحسية من أكثر التحديات التي تواجه الأمهات في تربية الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية، سواء كانوا مشخصين باضطراب طيف التوحد أو باضطراب المعالجة الحسية فقط. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف أثر هذه السلوكيات على مستوى الضغط النفسي لدى الأمهات وجودة العلاقة بين الأم وطفلها، مع التركيز على المقارنة بين حالتين: الأطفال الذين يعانون من اضطراب المعالجة الحسية دون تشخيص اضطراب طيف التوحد، والأطفال الذين تم تشخيصهم باضطراب طيف التوحد.
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن شدة السلوكيات المزعجة المرتبطة بالحس ليست مجرد عرض جانبي للتشخيص، بل عامل جوهري يؤثر بشكل مباشر في صحة الأم النفسية وفي طبيعة العلاقة التفاعلية بينها وبين طفلها. وتشير الأدبيات السابقة إلى أن السلوكيات التخريبية لدى الأطفال تُعد مؤشراً أقوى للتنبؤ بمستويات الضغط الوالدي وجودة حياة الأسرة مقارنة بالتشخيص الأساسي بحد ذاته. ومع ذلك، فإن الفصل بين أثر السلوكيات الحسية المرتبطة باضطراب طيف التوحد وتلك التي تظهر لدى الأطفال دون توحد لا يزال غير واضح ومحدود البحث.
توضح الدراسة أن اضطرابات المعالجة الحسية قد تظهر لدى الأطفال بطرق مختلفة، سواء في المنزل أو في البيئات التعليمية، وقد تؤثر في قدرة الطفل على التفاعل مع محيطه، وضبط استجاباته الانفعالية، والانخراط في الأنشطة اليومية. ورغم أن هذه الاضطرابات شائعة جداً لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أن وجودها المستقل عن اضطراب طيف التوحد لا يحظى بالاهتمام البحثي الكافي، مما يحد من إمكانية تعميم نتائج الدراسات السابقة على جميع الفئات السريرية.
تشير الأبحاث السابقة إلى أن ارتفاع مستويات الضغط النفسي لدى الأمهات ينعكس سلباً على العلاقة بين الأم وطفلها، وقد يقلل من فاعلية التدخلات العلاجية المبكرة، خاصة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. في المقابل، فإن وجود علاقة إيجابية ومتينة بين الأم وطفلها يُعد عاملاً وقائياً مهماً، ويسهم في تحسين نتائج التدخلات العلاجية وتعزيز النمو النفسي والاجتماعي للطفل. بناءً على ذلك، يصبح من الضروري فهم الكيفية التي تؤثر بها السلوكيات الحسية، سواء لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد أو غير المشخّصين به، في الضغط النفسي للأمهات وفي طبيعة العلاقة الوالدية.
تركز هذه الدراسة على سد فجوة معرفية واضحة في الأدبيات، من خلال تحليل العلاقة بين الضغط النفسي لدى الأمهات وجودة العلاقة مع الطفل لدى مجموعتين: أمهات أطفال مشخصين باضطراب المعالجة الحسية فقط، وأمهات أطفال مشخصين باضطراب طيف التوحد دون تشخيصات مصاحبة أخرى. وقد استُخدم مقياس الضغط الوالدي بصيغته المختصرة كأداة لقياس ثلاثة متغيرات أساسية: مستوى الضغط النفسي الكلي لدى الأم، جودة العلاقة بين الأم والطفل، ومدى صعوبة الطفل من حيث السلوكيات اليومية.
اعتمدت الدراسة على عينة من الأمهات تم تجنيدهن عبر مجموعات دعم إلكترونية متخصصة باضطراب طيف التوحد والسلوكيات الصعبة. وقد طُلب من المشاركات تعبئة استبيان ذاتي يقيس الضغوط الوالدية والعلاقة التفاعلية مع الطفل. تم استبعاد الحالات التي كان لدى الطفل فيها أكثر من تشخيص، مثل الجمع بين اضطراب طيف التوحد واضطراب المعالجة الحسية أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بهدف عزل أثر السلوكيات الحسية قدر الإمكان.
أظهرت نتائج الدراسة أن الأمهات اللواتي يربين أطفالاً يعانون من اضطراب المعالجة الحسية فقط أبلغن عن مستويات ضغط نفسي مرتفعة، مماثلة لتلك التي أبلغت عنها أمهات أطفال اضطراب طيف التوحد. كما أشارت النتائج إلى أن جودة العلاقة بين الأم والطفل كانت أقل لدى مجموعة اضطراب المعالجة الحسية مقارنة بمجموعة اضطراب طيف التوحد، وهو ما يُعد نتيجة لافتة، إذ يتحدى الافتراض السائد بأن اضطراب طيف التوحد وحده هو العامل الأشد تأثيراً في الضغط الوالدي.
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية تبني منظور النظم النمائية عند تحليل الأداء الوظيفي للأطفال في مرحلة الطفولة. فبدلاً من التركيز على التشخيص بحد ذاته، ينبغي النظر إلى طبيعة السلوكيات اليومية وتأثيرها التراكمي في الأسرة. وتشير الدراسة إلى أن إدارة السلوكيات الحسية بشكل فعال قد تسهم في خفض مستويات الضغط النفسي لدى الأمهات، وتحسين جودة العلاقة بين الأم وطفلها، وبالتالي تعزيز المسار الصحي والنمائي للأطفال الذين يعانون من صعوبات في المعالجة الحسية والتكامل الحسي.
مع ذلك، تنبه الدراسة إلى عدد من القيود المنهجية التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير النتائج. من أبرز هذه القيود أن التشخيصات المعتمدة في الدراسة كانت مبنية على تقارير الأمهات ولم يتم التحقق منها سريرياً. إضافة إلى ذلك، فإن اضطراب المعالجة الحسية لا يُعد تشخيصاً معترفاً به رسمياً في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، مما يستدعي التعامل مع النتائج بحذر وعدم تعميمها دون مزيد من البحث.
تختتم الدراسة بالتأكيد على الحاجة إلى إجراء دراسات مستقبلية تتحقق من التشخيصات بشكل أكثر دقة، وتستكشف طبيعة السلوكيات المزعجة التي أبلغت عنها الأمهات، وكيفية تفاعل هذه السلوكيات مع العوامل الأسرية والنفسية المختلفة. كما توصي بتوسيع نطاق البحث ليشمل عينات أكبر وأكثر تنوعاً، واستخدام أدوات تقييم متعددة المصادر، بما يسهم في بناء فهم أعمق لتأثير السلوكيات الحسية في الصحة النفسية للأمهات وجودة العلاقات الأسرية.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن تجاهل السلوكيات الحسية المستقلة عن اضطراب طيف التوحد قد يؤدي إلى تقليل فرص التدخل المبكر والدعم الأسري المناسب. فعندما تُفسَّر هذه السلوكيات على أنها مجرد “سلوكيات صعبة” دون فهم جذورها الحسية، قد تتعرض الأمهات لمزيد من اللوم الذاتي والشعور بالعجز، مما يفاقم الضغط النفسي ويؤثر سلباً في العلاقة التفاعلية مع الطفل. كما أن غياب التشخيص الرسمي لاضطراب المعالجة الحسية قد يحرم الأسر من الوصول إلى الخدمات العلاجية والدعم المهني المناسب، رغم وضوح تأثير هذه الصعوبات على الحياة اليومية للأسرة.
تؤكد النتائج أهمية دور العلاج الوظيفي والتدخلات القائمة على التكامل الحسي في دعم الأطفال وأسرهم، ليس فقط من أجل تحسين أداء الطفل، بل أيضاً لتعزيز صحة الأم النفسية وجودة العلاقة الوالدية. فالتدخلات التي تستهدف تنظيم المدخلات الحسية وتقليل شدة السلوكيات المزعجة قد تسهم في تحسين التفاعل اليومي بين الأم وطفلها، وزيادة الشعور بالكفاءة الوالدية، وتقليل مستويات التوتر والإنهاك النفسي.
وفي ضوء ذلك، توصي الدراسة المتخصصين في المجالات الصحية والتعليمية بتبني نظرة شمولية تراعي التفاعل بين الطفل وبيئته وأسرته، وعدم حصر التقييم والتدخل في إطار التشخيص الطبي فقط. إن فهم السلوكيات الحسية كعامل مؤثر بذاته قد يسهم في تطوير برامج تدخل أكثر فاعلية، ودعم الأسر بشكل ينعكس إيجاباً على نمو الطفل وتماسك الأسرة وجودة حياتها بشكل عام.
المرجع:
Effect of Sensory-Based Behaviors on Maternal Stress and the Mother-Child Relationship Independent of Autism Spectrum Disorder
https://journals.healio.com/doi/10.3928/24761222-20190813-01





