ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد مشاكل معالجة الحواس من الظواهر التي يتم الإبلاغ عنها بشكل متكرر لدى الأفراد المشخصين باضطرابات طيف التوحد، إلا أن العلاقة بين هذه المشاكل والقدرات الاجتماعية أو الأداء التكيفي العام لم تُدرس بشكل مفصل بعد. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف كيف ترتبط التباينات في معالجة الحواس بصعوبات المهارات الاجتماعية، وضعف الإدراك الاجتماعي، والانخفاض العام في القدرة التكيفية لدى مجموعة من الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة المشخصين باضطراب طيف التوحد.
شملت الدراسة مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات، وتم جمع معلومات حول مشاكل معالجة الحواس والصعوبات الاجتماعية والقدرة التكيفية من خلال استبيانات وُزعت على أولياء الأمور. كما تم قياس الانتباه الاجتماعي بدقة باستخدام تقنية تتبع العين، حيث عُرضت على الأطفال مشاهد اجتماعية طبيعية لتقييم كيفية استجابتهم للمثيرات الاجتماعية. أظهرت النتائج أن الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد الذين يعانون من مشاكل حسية أكثر حدة يظهرون صعوبات اجتماعية أكثر وضوحًا وقدرات تكيفية منخفضة مقارنةً بأقرانهم ذوي التطور الطبيعي. كما أظهرت أنماط استكشافهم البصري للمشاهد الاجتماعية اختلافات كبيرة عن الأطفال غير المشخصين باضطراب طيف التوحد، مما يوضح العلاقة الوثيقة بين التباينات الحسية والمجالات الوظيفية العليا مثل المهارات الاجتماعية والقدرة التكيفية.
اضطرابات طيف التوحد هي مجموعة من الاضطرابات النمائية العصبية التي تتميز بصعوبات في التواصل الاجتماعي والتفاعل، إلى جانب أنماط سلوك متكررة واهتمامات محدودة. تظهر أعراض اضطراب طيف التوحد آثارًا واسعة على التحصيل الأكاديمي والمهني للأفراد المتأثرين، وكذلك على حياتهم اليومية وقدرتهم على الاندماج في المجتمع. لدى الأطفال الصغار، تتركز العلامات السلوكية المبكرة التي تشير إلى التشخيص عادةً في المجال الاجتماعي، مثل صعوبة الاتصال البصري، وتأخر تطوير مهارات الاتصال اللفظي وغير اللفظي، وقلة الاهتمام بالتفاعل الاجتماعي بشكل عام. وقد أظهرت الأبحاث أن التدخل المبكر والمكثف الذي يركز على تطوير المهارات الاجتماعية يمكن أن يقلل بشكل كبير من شدة أعراض اضطراب طيف التوحد على المدى الطويل ويحسن القدرة التكيفية للأطفال المتأثرين.
على الرغم من ذلك، ما زال هناك نقص في المعرفة حول العوامل التي تؤدي إلى ضعف التطور الاجتماعي لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، والعلاقة بين الأعراض الاجتماعية وغير الاجتماعية. ففهم الآليات التي تؤدي إلى ظهور أعراض اضطراب طيف التوحد أمر بالغ الأهمية لتحسين الاستراتيجيات العلاجية الحالية وتقليل أثر الأعراض على حياة الطفل اليومية.
من بين العوامل المحتملة لفهم ظهور أعراض اضطراب طيف التوحد، حظيت معالجة الحواس باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة. مع إدراج مشاكل معالجة الحواس كأحد المعايير التشخيصية الأساسية في أحدث إصدار من الدليل التشخيصي، أصبح من الواضح أن هذه المشاكل ليست فقط شائعة، بل قد تكون أساسية لفهم الطبيعة الكاملة لاضطراب طيف التوحد. يمكن أن تتجلى هذه التباينات بطرق مختلفة، حيث قد يكون بعض الأطفال غير مدركين للمثيرات الحسية المحيطة بهم (استجابة منخفضة)، أو يظهرون ردود فعل مبالغ فيها تجاه هذه المثيرات (استجابة مفرطة)، أو يسعون بنشاط للبحث عن المحفزات الحسية عن طريق سلوكيات مثل اللعب المتكرر بأصابعهم أو إصدار أصوات متكررة. وقد أظهرت الدراسات أن هذه السلوكيات غير المعتادة شائعة للغاية بين الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، وتظهر بشكل مستمر عبر مراحل النمو المختلفة ومستويات الإدراك المختلفة، مع تأثير واضح على القدرة التكيفية للفرد.
تعتبر معالجة الحواس أساسية لتشكيل إدراكات دقيقة وموثوقة للبيئة المحيطة، وأي اضطراب في هذه العملية يمكن أن يؤثر على مختلف جوانب الأداء الوظيفي للفرد. أظهرت الأبحاث أن مشاكل معالجة الحواس ترتبط بشكل وثيق بمستويات السمات المرتبطة باضطراب طيف التوحد حتى في الأشخاص غير المشخصين باضطراب طيف التوحد، ما يشير إلى أن هذه التباينات قد تسهم بشكل مباشر في صعوبات التواصل الاجتماعي. وقد دعمت الدراسات الحديثة فكرة أن الصعوبات الحسية قد تسبق حتى المشاكل الاجتماعية، وأن العلاقة بين الاثنين قد تكون أقوى مما كان يُعتقد في السابق.
على سبيل المثال، الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة باضطراب طيف التوحد أظهروا مستويات أعلى من سلوكيات البحث الحسي في سن مبكرة، وكانت هذه السلوكيات مؤشرًا على ظهور صعوبات اجتماعية لاحقًا. وقد بينت الدراسات أن العلاقة بين البحث الحسي والصعوبات الاجتماعية تتم عبر انخفاض الاهتمام الاجتماعي المبكر، أي أن أنماط البحث الحسي تؤثر على الصعوبات الاجتماعية المستقبلية من خلال تقليل التوجه نحو المثيرات الاجتماعية. وقد أكدت الدراسات الأخرى على مجتمعات الأطفال المعرضين لخطر اضطراب طيف التوحد هذه النتائج، حيث وُجد أن الأنماط الحسية في مرحلة ما قبل الثالثة تؤثر على الصعوبات الاجتماعية التي تظهر بين سن الثالثة والخامسة، مع وجود دور وساطة واضح للاهتمام الاجتماعي المنخفض.
يشير هذا إلى أن مشاكل معالجة الحواس قد تكون مركزية في أعراض اضطراب طيف التوحد، وقد تسبق حتى ظهور الصعوبات الاجتماعية والسلوكيات المتكررة ضمن مسار النمو التطوري. تشمل العلامات المبكرة للاضطرابات الحسية انخفاض القدرات الحركية الحسية، وزيادة القدرة على البحث البصري، والانتباه للتفاصيل الدقيقة. تظهر هذه العلامات قبل ظهور السلوكيات المميزة لاضطراب طيف التوحد، ويمكن أن تكون مؤشرًا للتشخيص المستقبلي.
تشير النتائج السلوكية والفسيولوجية العصبية إلى أن الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبة في قمع المؤثرات المحيطة بمنطقة الانتباه البصري، ما يفسر زيادة قدراتهم في البحث البصري مقارنةً بالأطفال غير المشخصين باضطراب طيف التوحد. إلا أن هذا النمط غير الاعتيادي في الانتباه المكاني قد يؤثر بشكل كبير على قدرة الطفل على التمييز بين المعلومات المهمة وغير المهمة، مما يخلق تحديًا في التعلم الاجتماعي.
كما وُجد أن الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يعانون من صعوبة في دمج المعلومات القادمة من الحواس المختلفة، مع اقتراح أن اضطرابات المخيخ قد تلعب دورًا محوريًا في حدوث هذه الصعوبات متعددة الحواس. وقد يؤدي هذا الاضطراب في مراحل النمو المبكرة إلى جعل المعلومات الاجتماعية أقل وضوحًا وجاذبية بالنسبة للطفل، بحيث يصبح التعامل مع هذه المعلومات أمرًا صعبًا ومرهقًا. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي مشاكل المعالجة الحسية المبكرة إلى توزيع غير عادي للانتباه نحو المثيرات الاجتماعية، مثل تقليل التركيز على العينين وزيادة التركيز على الفم والجسم، حيث تحمل العينان معلومات دقيقة ومعقدة، بينما توفر الفم والجسم مؤشرات أكثر وضوحًا وأسهل للدمج في فهم ثابت للعالم الاجتماعي المحيط.
على الرغم من التقدم الكبير في فهم العلاقة بين معالجة الحواس والصعوبات الاجتماعية، إلا أن الآليات الدقيقة التي تؤثر بها التباينات الحسية على ظهور وصيانة الصعوبات المرتبطة بالمهارات الاجتماعية لا تزال غير معروفة تمامًا. إلا أن دراسة العلاقة بين معالجة الحواس والوظائف الاجتماعية قد تساعد في تحسين التدخلات العلاجية، بحيث يمكن تصميم برامج تركز على تعزيز القدرة على التفاعل الاجتماعي والاندماج في البيئة المحيطة، مع مراعاة الاحتياجات الحسية الفردية لكل طفل.
باختصار، تشير الأدلة إلى أن المشاكل الحسية ليست مجرد جانب ثانوي من أعراض اضطراب طيف التوحد، بل قد تكون عاملًا أساسيًا في تطوير الصعوبات الاجتماعية والسلوكيات المتكررة. إن فهم كيفية تأثير التباينات الحسية على تطور المهارات الاجتماعية والقدرة التكيفية يمكن أن يقدم رؤى مهمة لتحسين برامج التدخل المبكر، وتقليل الأثر السلبي لاضطراب طيف التوحد على حياة الأطفال وعائلاتهم، وتحسين جودة التفاعل الاجتماعي والتكيف في المجتمع.
المرجع:
Sensory Processing Issues and Their Association with Social Difficulties in Children with Autism Spectrum Disorders
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6833094/





