ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُصنَّف اضطراب طيف التوحد ضمن الاضطرابات النمائية العصبية، وهو مفهوم واسع يضم طيفًا متنوعًا من الخصائص والأنماط المختلفة. ومن بين أكثر الجوانب التي أُسيء فهمها وأُهملت لفترات طويلة ما يُعرف بالفروق أو الفروق الحسية، والتي غالبًا ما يُشار إليها بمصطلحات مثل اضطراب المعالجة الحسية أو اضطراب التكامل الحسي. ورغم شيوع هذه الفروق لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي خارج نطاق تخصص العلاج الوظيفي، على الرغم من تأثيرها العميق والمباشر في حياة الفرد اليومية.
يهدف هذا المقال إلى تعميق الفهم العلمي والإنساني للاختلافات الحسية المرتبطة باضطراب طيف التوحد، وتسليط الضوء على دلالاتها وتأثيراتها الممتدة على مختلف جوانب النمو والسلوك والتفاعل الاجتماعي. وقد اعتمدت هذه الدراسة على منهج نوعي، شمل الملاحظة المباشرة، والسرديات الشخصية، ومراجعة الأبحاث المستمرة في هذا المجال، بما يسمح بتكوين صورة شاملة تتجاوز التفسيرات السطحية أو الاختزالية.
في الوقت الحاضر، أصبحت الاستجابات غير المعتادة للمثيرات الحسية معترفًا بها على نطاق واسع من قِبل الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد أنفسهم، وأسرهم، والمهنيين العاملين معهم، خصوصًا في مجال العلاج الوظيفي. ومع ذلك، لا يزال هذا الجانب يُهمَّش أو يُساء تفسيره من قِبل متخصصين في مجالات أخرى، حيث تُعزى هذه السلوكيات أحيانًا إلى مشكلات سلوكية بحتة أو صعوبات تواصل، دون الالتفات إلى جذورها الحسية العصبية.
تُظهر الأدبيات التاريخية أن أهمية الحواس في التطور الإنساني كانت معروفة منذ قرون. فقد أشار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إلى أن المعرفة الإنسانية تبدأ بالحواس، ثم تنتقل إلى الفهم، وتنتهي بالعقل. هذا التصور الفلسفي يجد صداه في الملاحظات الطبية والتربوية التي ظهرت لاحقًا، حيث عمل عدد من الأطباء والباحثين مع أطفال لديهم إعاقات تعلم أو إعاقات حسية مثل الصمم والعمى، ولاحظوا التأثير العميق للفروق الحسية في الإدراك والسلوك والتعلم.
كان هؤلاء الرواد يتميزون بدقة الملاحظة وعمق الفهم، وهو ما يظهر جليًا في كتاباتهم وتقاريرهم. فقد لاحظ بعضهم وجود فئات مختلفة من الأطفال، بعضهم يمتلك مهارات استثنائية، وآخرون يظهرون أنماطًا سلوكية وحركية نربطها اليوم باضطراب طيف التوحد. وقد أُشير مبكرًا إلى أن فقدان أو تشوه المدخلات الحسية لا يؤثر فقط في كمية المعلومات التي يتلقاها الطفل، بل في نوعية فهمه للعالم من حوله.
ومع تطور البحث العلمي في القرن العشرين، بدأت الفروق الحسية تُطرح بوضوح أكبر كعنصر محوري في فهم اضطراب طيف التوحد. فقد وُصفت حالات لأطفال يُظهرون حساسية مفرطة تجاه الضوء، والأصوات، والملمس، والروائح، ودرجات الحرارة، حيث كانت هذه المثيرات تُحدث لديهم تأثيرًا بالغ الشدة منذ مراحل مبكرة من العمر. ولم تكن هذه الاستجابات مجرد تفضيلات حسية، بل تجارب إدراكية مكثفة قد تصل إلى حد الألم أو الارتباك الشديد.
كما أشار عدد من الباحثين إلى أن بعض الأطفال قد يبدون وكأنهم لا يرون رغم سلامة البصر، أو لا يسمعون رغم سلامة السمع، وهو ما يعكس خللًا في معالجة المدخلات الحسية وليس في الأعضاء الحسية ذاتها. وقد أدى ذلك إلى إعادة التفكير في طبيعة السلوكيات النمطية والمتكررة التي تظهر لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث اعتُبرت هذه السلوكيات محاولات ذاتية لتنظيم المدخلات الحسية أو تهدئة الجهاز العصبي.
وفي هذا السياق، طُرحت تصنيفات مختلفة للفروق الحسية، شملت فرط الحساسية، ونقص الحساسية، ونمطًا مختلطًا تتداخل فيه الاستجابات المتناقضة. وقد وُجد أن هذه الأنماط ترتبط بشكل مباشر بنوعية السلوكيات الظاهرة، مثل الانسحاب، أو التكرار الحركي، أو البحث المفرط عن التحفيز. وبذلك لم تعد هذه السلوكيات تُفسَّر بوصفها مظاهر اضطراب بحد ذاتها، بل بوصفها استجابات تكيفية لعالم حسي غير متوازن.
ساهمت الشهادات الشخصية للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد في إغناء هذا الفهم، حيث وصف كثيرون تجاربهم الحسية بوصفها مربكة ومخيفة، ومليئة بمثيرات لا يمكن السيطرة عليها. وقد تحدث بعضهم عن أصوات مؤلمة، ولمسات غير محتملة، وأضواء خانقة، جعلت التفاعل مع البيئة أمرًا مرهقًا نفسيًا وجسديًا. هذه الروايات لم تكن مجرد انطباعات ذاتية، بل توافقت مع نتائج أبحاث علمية لاحقة أكدت وجود أنماط غير نمطية في المعالجة الحسية.
كما أظهرت الدراسات الحديثة وجود ارتباط وثيق بين التأخر النمائي العصبي وظهور ما يُعرف بالعلامات العصبية اللينة، والتي تشمل انعكاسات عصبية غير نمطية، واضطرابات في التكامل الحسي، تؤثر في التوازن، والتناسق الحركي، والانتباه، والتواصل. وقد تبين أن الاضطرابات السمعية والبصرية على وجه الخصوص تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل السلوك والتفاعل الاجتماعي.
وفيما يتعلق بالرؤية، تشير الأبحاث إلى أن كثيرًا من الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد يعانون من إجهاد بصري شديد، يجعل العالم يبدو مجزأً أو مشوهًا، وقد يؤثر ذلك في إدراك الوجوه وتعابيرها، وبالتالي في فهم الإشارات الاجتماعية. ومع تراكم الشهادات العائلية والتقارير الذاتية، بدأ هذا الجانب يحظى باعتراف علمي متزايد، مدعومًا بدراسات منهجية رصينة.
وقد طُرحت نظريات حديثة، من أبرزها ما يُعرف بمتلازمة العالم المكثف، والتي تفترض أن فرط الحساسية الحسية يؤدي إلى تحميل مفرط للجهاز العصبي، مما يعرقل التواصل الاجتماعي وتطور اللغة، ويدفع الفرد إلى الانخراط في سلوكيات متكررة بحثًا عن النظام والتوقع. ورغم أهمية هذه النظرية، إلا أن الاقتصار على فرط الحساسية وحده يُعد تبسيطًا مخلًا، نظرًا لتعقيد الأنماط الحسية وتنوعها.
في الختام، أصبح الارتباط بين الفروق الحسية واضطراب طيف التوحد أوضح من أي وقت مضى. فقد أكدت الأبحاث الحديثة، إلى جانب التجارب المعيشة للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد حول العالم، أن هذه الفروق ليست جوانب ثانوية، بل عناصر جوهرية تؤثر في كل جانب من جوانب الحياة اليومية، من الإدراك والتواصل إلى التفاعل الاجتماعي وتنظيم المشاعر. ومن هنا، فإن فهم اضطراب طيف التوحد فهمًا حقيقيًا لا يكتمل دون الاعتراف العميق بالدور المحوري للحواس في تشكيل التجربة الإنسانية لهؤلاء الأفراد.
وتتضح أهمية هذا الطرح عند النظر إلى التدخلات التعليمية والعلاجية المقدمة للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث إن تجاهل الفروق الحسية قد يؤدي إلى سوء تفسير السلوكيات، ووضع خطط غير ملائمة تزيد من الضغط النفسي بدل تخفيفه. إن إدراك أن الصعوبات في الانتباه أو التفاعل أو التعلم قد تكون ناتجة عن إرهاق حسي أو تشوش إدراكي يغيّر جذريًا طريقة التعامل مع الفرد. لذلك، فإن تبني منظور شمولي يدمج الفهم الحسي مع الجوانب النمائية والمعرفية يُعد خطوة أساسية نحو ممارسات أكثر إنصافًا وفعالية، تعزز جودة الحياة وتدعم الاستقلال الوظيفي للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد.
المرجع:
The Significance of sensory Disorders in Autism
https://researchopenworld.com/the-significance-of-sensory-disorders-in-autism/





