ترجمة: أ. سوار الماجري
يُعدّ تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) أحد أكثر المناهج التدخلية استخدامًا في مجال التربية الخاصة وعلم النفس التطبيقي، خاصة في دعم الأطفال والأفراد ذوي اضطراب طيف التوحّد، إلى جانب فئات أخرى من ذوي الإعاقة النمائية مثل الأفراد المشخَّصين بـ اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، وصعوبات التعلّم، واضطرابات اللغة، إضافة إلى بعض الحالات التي تترافق مع متلازمة داون. وقد حظي هذا المنهج بانتشار واسع على المستوى العالمي، مدعومًا بكمّ كبير من الدراسات التجريبية، كما أصبح جزءًا من السياسات التعليمية والصحية في العديد من الدول، في إطار قوانين وتشريعات تنظّم خدمات التربية الخاصة والتدخل المبكر.
أولًا: الخلفية النظرية لتحليل السلوك التطبيقي
يرتكز تحليل السلوك التطبيقي على مبادئ السلوكية التجريبية، التي تنطلق من افتراض أساسي مفاده أن السلوك الإنساني ظاهرة قابلة للدراسة العلمية الموضوعية، ويمكن فهمها وتفسيرها من خلال تحليل العلاقات الوظيفية التي تربط بين السلوك والبيئة المحيطة بالفرد، دون الاعتماد على افتراضات داخلية غير قابلة للملاحظة أو القياس المباشر. ووفق هذا المنظور، لا يُنظر إلى السلوك بوصفه حدثًا عشوائيًا أو معزولًا، بل باعتباره نتيجة مباشرة لتفاعل مستمر وديناميكي بين الفرد والمثيرات البيئية المختلفة التي يتعرض لها في سياقه اليومي.
ويؤكد هذا الاتجاه أن العواقب البيئية التي تلي السلوك تؤدي دورًا محوريًا في تحديد احتمالية تكراره أو انخفاضه في المستقبل؛ والسلوكيات التي تعقبها عواقب إيجابية تميل إلى الزيادة، في حين أن السلوكيات التي لا تلقى تعزيزًا أو ترتبط بعواقب غير مرغوبة قد تتناقص تدريجيًا. وبناءً على ذلك، يسعى تحليل السلوك التطبيقي إلى تحديد العوامل البيئية التي تحافظ على السلوك أو تثيره، من خلال إجراءات تقييم منهجية تهدف إلى فهم وظيفة السلوك ضمن سياقه الطبيعي.
وفي إطار هذه الفلسفة العلمية، يتم توظيف مجموعة متكاملة من الاستراتيجيات والتدخلات السلوكية المصمّمة بعناية، بهدف إحداث تغيير السلوك بصورة منظمة وقابلة للقياس، وبما يتوافق مع احتياجات الفرد وقدراته. وتعتمد هذه التدخلات على التخطيط المسبق، وتحديد أهداف سلوكية واضحة، قابلة للتقييم، مع مراعاة الفروق الفردية والظروف البيئية التي قد تؤثر في فعالية التدخل.
ويتميّز تحليل السلوك التطبيقي كذلك بتركيزه على جمع البيانات بصورة مستمرة ومنتظمة قبل التدخل وأثناءه وبعده، وذلك لقياس مدى التقدم المحرز، وتقييم فعالية الاستراتيجيات المستخدمة، وإجراء التعديلات اللازمة بناءً على النتائج الفعلية. وتُعدّ هذه الممارسة عنصرًا جوهريًا في اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة العلمية، بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو التقديرات غير الموضوعية، مما يمنح تحليل السلوك التطبيقي صفة المنهج العلمي التطبيقي القائم على الملاحظة الدقيقة، والتجريب المنظم، والتقييم المستمر.
وبناءً على ما سبق، يُنظر إلى تحليل السلوك التطبيقي بوصفه إطارًا منهجيًا يهدف إلى الربط بين النظرية والتطبيق، من خلال تحويل المبادئ السلوكية التجريبية إلى تدخلات عملية قابلة للتنفيذ في البيئات التربوية والعلاجية، مع التأكيد على ضرورة توظيفها بطريقة أخلاقية تراعي مصلحة الفرد وجودة حياته.
ثانيًا: تطبيق تحليل السلوك التطبيقي في اضطراب طيف التوحد
في سياق اضطراب طيف التوحّد، يُستخدم تحليل السلوك التطبيقي لدعم مجموعة واسعة من المهارات، من بينها مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي، والمهارات الاجتماعية، ومهارات الاستقلالية في الحياة اليومية، إضافة إلى دعم التعلّم الأكاديمي المبكر. وغالبًا ما تُقدَّم هذه التدخلات ضمن برامج فردية مكثّفة، يتم تصميمها بناءً على تقييم شامل لقدرات الفرد واحتياجاته.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن التدخل المبكر القائم على تحليل السلوك التطبيقي قد يسهم في تحسين بعض الجوانب الوظيفية لدى الأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحّد، خاصة عندما يتم تطبيقه ضمن بيئة تعليمية منظّمة، و بالتكامل مع الخدمات المساندة للبرنامج مثل العلاج الوظيفي، وعلاج النطق واللغة، والدعم النفسي الأسري.
ثالثًا: توسيع نطاق ABA ليشمل اضطرابات نمائية أخرى
لم يقتصر استخدام تحليل السلوك التطبيقي على اضطراب طيف التوحّد فقط، بل امتد ليشمل أفرادًا مشخَّصين بـ اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، حيث يُستخدم لدعم مهارات التنظيم الذاتي والانتباه، وتقليل السلوكيات الاندفاعية. كما يُطبّق مع الأفراد الذين لديهم صعوبات التعلّم، بهدف تعزيز مهارات القراءة، والكتابة، والحساب، من خلال تقسيم المهارات إلى خطوات صغيرة قابلة للتعلّم.
وفي حالات اضطرابات اللغة، يُستخدم تحليل السلوك التطبيقي لدعم اكتساب اللغة الوظيفية، سواء كانت لفظية أو بديلة، مع التركيز على استخدام اللغة في سياقات حياتية ذات معنى. كما يمكن أن يُستخدم مع بعض الأفراد الذين لديهم متلازمة داون، لا سيما عند وجود تحديات سلوكية أو تواصلية مترافقة.
رابعًا: الأدلة العلمية والفعالية التطبيقية
يُصنَّف تحليل السلوك التطبيقي في كثير من الأدبيات بوصفه أحد التدخلات القائمة على الدليل، نظرًا لاعتماده على تصميمات بحثية تجريبية، مثل دراسات الحالة الفردية، والتجارب المضبوطة. وقد أظهرت هذه الدراسات نتائج إيجابية في تحسين بعض السلوكيات المستهدفة، مما دفع المؤسسات التعليمية والصحية إلى اعتماده ضمن برامج التدخل المبكر والتربية الخاصة.
إلا أن المقال المرجعي يؤكد أن الفعالية السلوكية لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد لتقييم نجاح التدخل، بل يجب النظر أيضًا إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية طويلة المدى، وإلى مدى انعكاس هذه التدخلات على جودة حياة الفرد.
خامسًا: الانتقادات الأخلاقية لتحليل السلوك التطبيقي
يركّز المقال بشكل موسّع على الجوانب الأخلاقية المرتبطة بتطبيق تحليل السلوك التطبيقي، خاصة عندما يُستخدم مع الأطفال أو الأفراد ذوي الإعاقات التواصلية. ومن أبرز هذه الانتقادات أن بعض برامج ABA قد تسعى إلى تطبيع السلوك، أي جعل الفرد يتصرّف وفق المعايير السائدة اجتماعيًا، دون مراعاة كافية لخصوصيته العصبية أو لاحتياجاته الحسية والانفعالية.
كما يشير المقال إلى أن التركيز على السلوك الظاهر قد يُهمل التجربة الداخلية للفرد، مثل مشاعره، ومستوى القلق أو الضغط النفسي الذي قد يتعرّض له أثناء جلسات التدخل المكثفة. ويُحذّر من أن النجاح الظاهري في تغيير السلوك لا يعني بالضرورة تحسّن الرفاه النفسي.
سادسًا: الاستقلالية وحق تقرير المصير
تُعدّ مسألة الاستقلالية من القضايا المركزية في النقاش الأخلاقي حول تحليل السلوك التطبيقي. فغالبًا ما تتم إحالة الطفل إلى برامج ABA بقرار من الأسرة أو المؤسسات، في إطار قوانين وتشريعات تنظّم الخدمات المقدّمة لذوي الإعاقة. ومع ذلك، فإن قدرة الطفل أو الفرد ذاته على التعبير عن رأيه أو رفضه قد تكون محدودة.
ينبّه المقال إلى أن بعض أشكال التدريب القائمة على الامتثال قد تُضعف قدرة الفرد على الدفاع عن حدوده الشخصية، ما قد تكون له آثار سلبية مستقبلية. ومن هنا، يدعو إلى ضرورة إشراك الفرد، قدر الإمكان، في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدخله العلاجي.
سابعًا: منظور التنوع العصبي
يناقش المقال أيضًا تأثير حركة التنوع العصبي على إعادة تقييم تحليل السلوك التطبيقي. إذ ترى هذه الحركة أن اضطراب طيف التوحّد، واضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، وصعوبات التعلّم، ليست مجرد حالات مرضية، بل أشكال من التنوع العصبي الطبيعي. ووفق هذا المنظور، ينبغي أن تركّز التدخلات على تعديل البيئة وتوفير الدعم، بدلًا من محاولة تغيير الفرد ليتوافق مع نموذج واحد “طبيعي”.
ثامنًا: نحو مقاربة تكاملية أكثر إنسانية
في ضوء ما سبق، لا يدعو المقال إلى إلغاء تحليل السلوك التطبيقي، بل إلى إعادة توجيهه ضمن إطار أكثر إنسانية وأخلاقية. ويشمل ذلك:
احترام كرامة الأفراد ذوي الإعاقة،
التركيز على جودة الحياة لا على السلوك فقط،
الدمج بين ABA والخدمات المساندة للبرنامج،
والاستماع إلى تجارب الأفراد المشخَّصين أنفسهم.
خاتمة
يخلص التحليل إلى أن تحليل السلوك التطبيقي يمثّل أداة علمية قوية، لكنها ليست محايدة أخلاقيًا بطبيعتها. ففعاليته الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرته على إحداث تغيير السلوك، بل بمدى مساهمته في تمكين الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحّد والاضطرابات النمائية الأخرى من عيش حياة كريمة، ذات معنى، وفي بيئة تحترم اختلافهم العصبي.
.
المرجع :
Ethical Concerns with Applied Behavior Analysis for Autism Spectrum “Disorder”
https://spaces-cdn.owlstown.com/blobs/hng5luuvkmi49vgzj2fhn3pk9tgo





