الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التدخلات المعتمدة على المعالجة الحسية لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يُعد اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية التي غالبًا ما تترافق مع صعوبات واضحة في المعالجة الحسية، حيث يُظهر عدد كبير من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد استجابات غير نمطية للمثيرات الحسية المختلفة. هذه الصعوبات قد تتجلى على شكل فرط استجابة للمثيرات الحسية، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات أو اللمس، أو نقص الاستجابة، حيث يبدو الطفل غير مدرك للمثيرات التي يلاحظها الآخرون بسهولة. كما يظهر لدى بعض الأطفال سلوك البحث الحسي، كالسعي المستمر للحركة أو اللمس أو الدوران، بهدف تنظيم مستوى الاستثارة لديهم.

تشير الأدبيات الحديثة إلى أن صعوبات المعالجة الحسية لم تعد مجرد سمة ثانوية، بل أصبحت جزءًا من المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد، نظرًا لتأثيرها المباشر في سلوك الطفل، وقدرته على التكيف، وأدائه الوظيفي اليومي. فالاستجابات الحسية غير المتوازنة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمشكلات التنظيم الذاتي، والانتباه، والسلوكيات النمطية، والقلق، بل وحتى الأنشطة الأساسية مثل الأكل والنوم والروتين اليومي.

المعالجة الحسية والسلوك لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

يعاني الأطفال الذين لديهم فرط حساسية من استجابات انفعالية وسلوكية قوية تجاه مثيرات حسية عادية، كالأصوات العالية أو اللمس المفاجئ أو الحركة. وقد تشمل هذه الاستجابات الانسحاب، أو البكاء، أو تجنب المواقف، أو حالة من التوتر المستمر. في المقابل، قد يبدو الأطفال ذوو نقص الحساسية غير منتبهين أو غير متفاعلين مع المثيرات البيئية، وقد يسعون إلى تعويض ذلك من خلال سلوكيات حركية متكررة أو بحث حسي مفرط.

وقد فسّر الباحثون السلوكيات النمطية والمتكررة، مثل التأرجح أو الدوران أو تكرار الحركات، على أنها محاولات من الطفل لتنظيم مستوى الاستثارة العصبية، إما لتهدئة نفسه أو لزيادة تنبيهه. كما تشير دراسات أخرى إلى أن الجمود السلوكي، وصعوبة الانتقال بين الأنشطة، والتشبث بالروتين، قد تكون مرتبطة أيضًا بصعوبات في المعالجة الحسية.

لا يقتصر تأثير هذه الصعوبات على السلوك فقط، بل يمتد ليشمل الأداء الوظيفي اليومي. فمشكلات الأكل الانتقائي، مثل رفض أنواع معينة من الطعام، غالبًا ما تكون مرتبطة بحساسية مفرطة للطعوم أو الروائح أو القوام. كما ترتبط اضطرابات النوم لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد بمشكلات في التنظيم الحسي، حيث يواجه الطفل صعوبة في الاسترخاء أو الانتقال إلى حالة النوم. كذلك، أظهرت الدراسات وجود علاقة وثيقة بين فرط الحساسية الحسية ومستويات القلق المرتفعة، خاصة لدى الأطفال غير القادرين على التعبير اللفظي عن مشاعرهم.

التدخلات القائمة على المعالجة الحسية

رغم الانتشار الواسع لمشكلات المعالجة الحسية، فإن التدخلات الحسية المستخدمة مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تتسم بتباين كبير في التعريف والتطبيق. فبعض التدخلات تستند إلى أطر نظرية مختلفة، وتستخدم وسائل حسية متعددة، وتُطبّق في بيئات متنوعة، كما تختلف في درجة مشاركة الطفل فيها بين تدخلات نشطة وأخرى سلبية.

وقد أدى هذا التنوع، إلى جانب عدم الدقة في استخدام المصطلحات، إلى حالة من الارتباك لدى الأسر والممارسين والباحثين على حد سواء. ومع ذلك، تظل التدخلات الحسية من أكثر الخدمات التي يطلبها أولياء أمور الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وغالبًا ما تُستخدم جنبًا إلى جنب مع تدخلات علاجية أخرى.

تُميز هذه المراجعة المنهجية بين نوعين رئيسيين من التدخلات الحسية:

علاج التكامل الحسي، والتدخلات الحسية القائمة على الاستراتيجيات.

علاج التكامل الحسي (SIT)

يُعد علاج التكامل الحسي تدخلًا علاجيًا يتم عادة في العيادات، ويعتمد على أنشطة لعب موجهة من الطفل نفسه، وغنية بالخبرات الحسية، بهدف تعزيز الاستجابات التكيفية. يقوم المعالج بتصميم أنشطة تتحدى قدرات الطفل الحسية والحركية ضمن ما يُعرف بـ”التحدي المناسب”، أي نشاط لا يكون سهلًا جدًا ولا صعبًا جدًا، بل يدفع الطفل لاستخدام أقصى إمكاناته النمائية المتاحة.

يركز هذا النوع من العلاج على تنشيط الأنظمة الحسية الأساسية، خاصة الجهاز الدهليزي والجهاز الحسي الجسدي، من خلال أنشطة مثل التأرجح، والتسلق، والقفز، والدفع، والسحب، ضمن سياق لعب ممتع وهادف. ويهدف العلاج إلى تحسين تنظيم السلوك، والتخطيط الحركي، والانتباه المشترك، والتفاعل الاجتماعي.

كما يتضمن علاج التكامل الحسي بناء علاقة علاجية إيجابية بين الطفل والمعالج، ودعم الدافعية الداخلية للطفل، وضمان شعوره بالنجاح أثناء النشاط. إضافة إلى ذلك، يلعب المعالج دورًا مهمًا في توعية الوالدين وتفسير سلوكيات الطفل من منظور حسي، واقتراح تعديلات بيئية وروتينية تدعم التنظيم الذاتي والمشاركة اليومية.

التدخلات الحسية القائمة على الاستراتيجيات (SBI)

على عكس علاج التكامل الحسي، تُعد التدخلات الحسية القائمة على الاستراتيجيات تدخلات موجهة من البالغين، وتُطبّق عادة في البيئات الطبيعية للطفل، مثل المنزل أو المدرسة. وتهدف هذه التدخلات إلى التأثير في مستوى الاستثارة وتنظيم السلوك من خلال استخدام مدخلات حسية محددة، مثل الضغط العميق، أو الجلوس على كرة علاجية، أو استخدام السترات الثقيلة، أو التأرجح.

تتميز هذه التدخلات بأنها أقل اعتمادًا على مشاركة الطفل النشطة، وغالبًا ما تُدمج ضمن الروتين اليومي. ويقوم بتطبيقها الوالدان أو المعلمون أو المساعدون، وليس بالضرورة الأخصائي العلاجي. وعلى الرغم من انتشار استخدامها، إلا أن هذه التدخلات تفتقر إلى بروتوكولات واضحة أو معايير التزام محددة، كما أن الأدلة العلمية الداعمة لفعاليتها ما تزال محدودة.

نتائج المراجعة المنهجية

استعرضت هذه الدراسة مجموعة من الأبحاث التي تناولت فعالية علاج التكامل الحسي والتدخلات الحسية القائمة على الاستراتيجيات لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد الذين يعانون من صعوبات حسية. وأظهرت النتائج أن علاج التكامل الحسي، عند تطبيقه وفق نموذج منظم ومعايير واضحة، قد يسهم في تحسين الأداء الوظيفي وتقليل السلوكيات المرتبطة بالمشكلات الحسية. في المقابل، لم تُظهر معظم الدراسات المتعلقة بالتدخلات الحسية القائمة على الاستراتيجيات نتائج إيجابية واضحة، وغالبًا ما عانت من مشكلات منهجية، مثل غياب القياس الدقيق للمعالجة الحسية أو عدم الالتزام بإجراءات تطبيق ثابتة.

الخلاصة

تشير هذه المراجعة إلى أن التدخلات الحسية ليست جميعها على درجة واحدة من الفعالية، وأن التمييز بين علاج التكامل الحسي والتدخلات الحسية القائمة على الاستراتيجيات أمر ضروري لفهم النتائج البحثية. وبينما تظهر بعض الأدلة المشجعة لعلاج التكامل الحسي، لا تزال هناك حاجة إلى دراسات أكثر صرامة ومنهجية، تعتمد على بروتوكولات واضحة، وتقيس نتائج وظيفية طويلة المدى، لتحديد فعالية هذه التدخلات بشكل أدق لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.

 

المرجع:

 

A systematic review of sensory processing

interventions for children with autism

spectrum disorders

https://scispace.com/pdf/a-systematic-review-of-sensory-processing-interventions-for-4048unofrl.pdf