الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاج الطبيعي واضطراب طيف التوحد: كيف تُحدِث التدخلات الحركية فرقًا في تطور الطفل؟

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يُعدّ اضطراب طيف التوحد واحداً من أكثر الاضطرابات النمائية تعقيداً، ليس فقط بسبب تنوّع أعراضه، بل أيضًا لكونه يؤثّر في كل طفل بطريقة مميزة ومستقلّة. فالأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد يواجهون عادةً صعوبات واضحة في التواصل والتفاعل الاجتماعي، ويظهرون أنماطًا سلوكية متكررة أو نمطية، إضافةً إلى مشكلات حسية وحركية يمكن أن تنعكس بشكل مباشر على أنشطة حياتهم اليومية وقدرتهم على التكيّف مع البيئة المحيطة. ولهذا السبب يُنظر إلى اضطراب طيف التوحد باعتباره “طيفًا” واسعًا، تتفاوت شدّته وأعراضه بشكل كبير بين طفل وآخر، مما يجعل عملية التدخل العلاجي بحاجة دائمة إلى التخصيص والتكييف وفق احتياجات كل حالة.

ورغم التقدّم الكبير في فهم هذا الاضطراب خلال العقود الأخيرة، فإن أسبابه الدقيقة ما تزال غير محسومة بشكل كامل. إذ تشير الأدبيات إلى أن معظم الحالات تُصنّف ضمن اضطراب طيف التوحد مجهول السبب، بينما يرتبط عدد أقل بعوامل جينية معينة، أو تأثيرات بيئية قبل الولادة وبعدها، أو بحالات طبية محددة قد تسهم في ظهور الأعراض. ويؤدي هذا التنوع في الأسباب المحتملة إلى تعقيد عملية التشخيص، حيث يعتمد الأطباء بشكل رئيسي على ملاحظة سلوك الطفل وتاريخه التطوري، في حين تُستخدم الفحوصات الإضافية عند الحاجة فقط للتأكد من عدم وجود اضطرابات أخرى قد تفسّر الأعراض أو تتداخل معها.

ويجمع الباحثون على أن التشخيص المبكر يُعدّ حجر الأساس لتحسين نتائج التدخل العلاجي لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. فالتعرف المبكر على العلامات الأولى—مثل ضعف التواصل البصري، غياب الاستجابة للاسم، أو وجود أنماط لعب غير معتادة—يتيح بدء التدخل في مرحلة حرجة من النمو يكون فيها الدماغ أكثر قدرة على التعلم وإعادة التنظيم. وتشير تقارير منظمات الصحة الدولية إلى أن اضطراب طيف التوحد حالة شائعة عالميًا، وتتزايد معدلات تشخيصه تدريجيًا نتيجة تحسّن آليات الكشف وزيادة الوعي بين الأهالي والمعالجين. كما تظهر الإحصاءات أن الاضطراب أكثر انتشارًا بين الذكور مقارنة بالإناث، رغم أن الأعراض قد تكون أشد أو أكثر خفاءً لدى بعض الفتيات، مما يؤثر أحيانًا على سرعة التشخيص.

ونظرًا لتعدد الجوانب التي يتأثر بها الطفل المشخّص باضطراب طيف التوحد، فإن الرعاية المثلى تتطلب وجود فريق متعدد التخصصات يعمل بتناغم لتحقيق أفضل النتائج. ويضم هذا الفريق عادةً اختصاصيي طب الأطفال، وعلم النفس، وعلوم السلوك، وعلاج النطق، والعلاج الوظيفي، إلى جانب التربويين وأخصائيي العلاج الطبيعي. ومن بين هذه الفئات، يبرز الدور المحوري لأخصائي العلاج الطبيعي، إذ يُعدّ طرفًا أساسيًا في تحسين القدرات الحركية والوظيفية وتعزيز استقلالية الطفل. ولا يقتصر دور أخصائي العلاج الطبيعي على تدريب العضلات أو تحسين الحركة فحسب، بل يمتدّ ليشمل دعم قدرة الطفل على الاندماج الاجتماعي، وتعزيز مهارات التركيز والانتباه، وتحسين الوعي الجسدي، وتنظيم الجهاز الحسي، وتطوير قدرات التخطيط الحركي التي يعاني كثير من الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد من صعوبة في اكتسابها. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن التدخل المبكر في مجال العلاج الطبيعي يساهم في تسريع نمو المهارات الأساسية، مستفيدًا من مرونة الدماغ في السنوات الأولى من العمر.

ومع تزايد الاهتمام العلمي بتدخلات العلاج الطبيعي للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، جاءت هذه المراجعة لتسليط الضوء على أبرز الأساليب العلاجية الحديثة. واعتمدت الدراسة على تحليل مجموعة من الأبحاث الموثوقة المنشورة في قواعد بيانات علمية، بهدف استعراض التقنيات الأكثر فاعلية وتحديد الفوائد المتوقعة منها، وتزويد المختصين بمرجع يساعدهم على وضع خطط تدخّل مبنية على أساس علمي. وأظهر تحليل الدراسات المختارة أن مجموعة من التدخلات العلاجية قد برزت كخيارات فعّالة، من أهمها: العلاج بالتحريك المائي (الهيدروثيرابي)، الذي يوفر بيئة آمنة وسهلة للحركة تساعد على تخفيف التوتر العضلي وتحسين التوازن وزيادة الوعي الجسدي، إضافةً إلى دوره المحتمل في تقليل السلوكيات النمطية وتعزيز التفاعل الاجتماعي. وهناك أيضًا العلاج بالركوب العلاجي (الهيبودرابيا)، حيث تساهم الحركة الإيقاعية للحصان في تنشيط عضلات الجذع وتحسين التوازن والتناغم الحركي، إلى جانب تأثير العلاقة العاطفية التي تتشكل بين الطفل والحصان في رفع الدافعية وتحفيز التواصل. كما تبرز التمارين الهوائية التي تساعد في تقليل فرط النشاط والاندفاعية، وتحسين الانتباه وتنظيم الجهاز الحسي. ويضاف إلى ذلك التدريب الحسّي–الحركي متعدد المكونات، الذي يستهدف الدمج بين أنشطة التوازن والتخطيط الحركي والتنسيق، مما ينعكس إيجابًا على قدرات الطفل السلوكية والتفاعلية. وتشمل التدخلات الفعّالة أيضًا تقنيات إعادة التأهيل الخاصة بالتحكم في الوضعية، والتي تركز على تحسين استقرار الجذع وتنسيق حركة الأطراف وزيادة الوعي بوضعيات الجسم، الأمر الذي يؤدي إلى تطور ملحوظ في المشي والمهارات الحركية الدقيقة.

وأظهرت نتائج الدراسات أن جميع هذه التدخلات على اختلاف أساليبها حققت أشكالًا متنوعة من التحسن لدى الأطفال، سواء في الجوانب المعرفية أو الحركية أو الحسية. وقد شملت التحسينات زيادة في القدرة على التركيز، وتطورًا في التوازن والمشي، وانخفاضًا في المشكلات الحسية، وتحسنًا عامًا في جودة الحياة. وإضافةً إلى ذلك، تُظهر الأدلة أن فعالية هذه التدخلات لا تعتمد فقط على نوع العلاج المستخدم، بل تتأثر أيضًا بعوامل مثل انتظام الجلسات، ودرجة تعاون الأسرة، وخبرة الفريق العلاجي، ومدى دمج الأنشطة العلاجية في الروتين اليومي للطفل. فالتدخلات التي تُطبّق في بيئة منظمة وتُعزَّز في المنزل والمدرسة تميل إلى تحقيق نتائج أقوى وأكثر استدامة. كما تشير الأبحاث إلى أن استجابة الأطفال للتدخلات تختلف بحسب احتياجاتهم الحسية والمعرفية، مما يؤكد أهمية التقييم الشامل قبل البدء بالبرنامج العلاجي لضمان اختيار الأنشطة الأنسب.

وتبرز كذلك أهمية إشراك الأسرة في العملية العلاجية، حيث تلعب دورًا محوريًا في تعزيز المهارات المكتسبة داخل المنزل وتوفير بيئة داعمة. فالتدريب الأسري يمكّن الأهالي من فهم طبيعة الاضطراب والتعامل مع السلوكيات الصعبة، مما يقلل التوتر ويُسهم في تحسين علاقة الطفل بمحيطه. ومن منظور طويل الأمد، يظهر أن الرعاية الشمولية التي تجمع بين الجهود المهنية ودعم الأسرة هي النهج الأكثر نجاحًا، لأنها لا تركز فقط على المهارة نفسها، بل على أثرها في حياة الطفل اليومية ومستقبله الاجتماعي والوظيفي.

وفي الختام، توضّح هذه المراجعة أن دمج العلاج الطبيعي ضمن خطة التدخل الشامل للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يُعدّ خطوة ضرورية وفعّالة. فالتدخلات العلاجية المبنية على الأدلة، عندما تُطبّق بمرونة وتخصيص، قادرة على تعزيز التطور الحركي والمعرفي والاجتماعي، وزيادة فرص الطفل في تحقيق استقلالية وظيفية واندماج مجتمعي أفضل على المدى الطويل.

 

المرجع:

Physiotherapeutic interventions in the treatment of Autism Spectrum Disorder: An integrative review

https://rsdjournal.org/rsd/article/view/45998?utm_source=chatgpt.com