ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعدّ الاضطرابات العصبية من أكثر المشكلات التي تُؤثّر بعمق في تطور الإنسان منذ مراحل حياته الأولى، فهي لا تمسّ قدرته على التواصل فحسب، بل تمتدّ لتشمل طريقة تفاعله الاجتماعي وسلوكه وانسجامه مع البيئة المحيطة. ومن بين هذه الاضطرابات، يبرز اضطراب طيف التوحد كأحد أكثر الاضطرابات تعقيداً وتنوعاً في مظاهره، إذ يؤثر على مساحات متعددة من حياة الفرد اليومية، من التواصل اللفظي وغير اللفظي، مروراً بالاهتمامات الضيقة والسلوكيات التكرارية، وصولاً إلى التفاعل الاجتماعي والقدرة على تفسير الإشارات الحسية والوجدانية.
وعلى الرغم من أن اضطراب طيف التوحد ليس مرضاً قابلاً للشفاء، إلا أن التدخل المبكر يظل أحد أهم العوامل التي يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في مسار تطور الطفل على المدى الطويل. فكلما اكتُشف الاضطراب في وقت مبكر، ازدادت فرص تقديم برامج علاجية مناسبة تُسهم في تنمية المهارات الاجتماعية واللغوية، وتعزيز قدرة الطفل على التكيف مع حياته اليومية. ومع ذلك، يبقى التشخيص المبكر تحدياً كبيراً تواجهه الأنظمة الصحية حول العالم، خصوصاً أن الأساليب التشخيصية التقليدية تعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة الإكلينيكية والملاحظة السلوكية المطوّلة، مما يجعل العملية مرتبطة بعوامل ذاتية قد تختلف من مختص لآخر، كما أنها تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين.
ومن هنا، بدأ العلماء والباحثون بالبحث عن طرق تشخيصية أكثر دقة وموضوعية تعتمد على المؤشرات البيولوجية وليس فقط على تقييم السلوك. وفي هذا السياق، برز مخطط كهربائية الدماغ EEG كخيار مهم؛ فهو تقنية آمنة وغير مؤلمة، تسمح بقياس النشاط الكهربائي للدماغ بطريقة دقيقة. وتكمن أهميته في قدرته على التقاط التغيّرات العصبية الدقيقة التي قد تكون مرتبطة باضطراب طيف التوحد، وهو ما جعله مرشحاً قوياً ليكون إحدى العلامات الحيوية التي تعزز عملية التشخيص وتدعمها، خصوصاً في السنوات الأخيرة التي زاد فيها انتشار الاضطراب على مستوى العالم.
ومع التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصاً تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق، أصبح بالإمكان تحليل إشارات الدماغ الهائلة والمعقدة باستخدام نماذج قادرة على رصد أنماط دقيقة للغاية. وقد ساهمت هذه التقنيات في تطوير خوارزميات تتعرّف على الاختلافات العصبية التي قد لا يستطيع الإنسان ملاحظتها حتى لو كان مختصاً. ولذا، أصبحت هذه التقنيات اليوم جزءاً لا يتجزأ من الأبحاث الحديثة التي تسعى إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر كفاءة وفعالية.
وقد استعرضت الورقة عدداً كبيراً من الدراسات العلمية التي تجاوزت المئات، وشملت أبحاثاً من دور نشر عالمية مرموقة. وركّزت هذه الدراسات على تحليل إشارات EEG باستخدام تقنيات متقدمة لاستخراج الخصائص، واعتمدت على نماذج مختلفة مثل الشبكات العصبية العميقة، وشبكات الالتفاف، وآلات الدعم الناقل، بالإضافة إلى نماذج أخرى تعتمد على التصنيف الذكي مثل خوارزميات الجار الأقرب KNN، ونماذج ResNet، والأنظمة العصبية الضبابية. وقد استخدمت هذه الدراسات مجموعات بيانات متعددة ومتنوعة تم جمعها من مراكز بحثية مختلفة حول العالم، مما يعكس اتساع نطاق البحث وثراء مصادره.
ورغم تنوع الأساليب والنماذج المستخدمة، إلا أن جميع النتائج اتفقت على أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل إشارات EEG يُعد خطوة واعدة نحو تحسين تشخيص اضطراب طيف التوحد. فبعض النماذج استطاعت الوصول إلى مستويات عالية من الدقة، مما يعكس قدرتها على اكتشاف الفروق العصبية المرتبطة بالاضطراب. وهذا يشير إلى احتمالية أن يكون الدمج بين EEG والذكاء الاصطناعي إحدى الطرق الأساسية المستخدمة مستقبلاً في التشخيص.
وإذا نظرنا إلى الصورة الأشمل لاضطراب طيف التوحد، نجد أنه حالة واسعة ومتنوعة، تختلف مظاهرها من شخص لآخر بشكل كبير. فهناك أطفال يواجهون صعوبات واضحة في التواصل واستخدام اللغة، بينما يُظهر آخرون قدرات معرفية متقدمة أو مهارات استثنائية في مجالات معينة. ولهذا، فإن التشخيص الدقيق لا يساعد فقط في فهم حالة الفرد، بل يساهم أيضاً في تحديد نوع الدعم والخدمات العلاجية المناسبة له، بما يضمن تحسين نوعية حياته وحياة أسرته.
ولا يزال الأطباء حول العالم يعتمدون على تقييمات سلوكية مفصلة للكشف عن الاضطراب، نظراً لعدم وجود فحص طبي واحد قادر على تحديده بشكل مباشر. وتشمل هذه التقييمات ملاحظة السلوكيات المتكررة، وطريقة التواصل، والقدرة على التفاعل الاجتماعي، بالإضافة إلى الاستجابة للمثيرات الحسية. وقد جاءت الإصدارات الحديثة من الأدلة التشخيصية لتوضّح مستويات الدعم التي يحتاجها الفرد، والتي تتراوح بين الحاجة إلى دعم بسيط، والحاجة إلى دعم كبير، وصولاً إلى الدعم المستمر والمكثف.
وتشير الأدلة المتاحة إلى أن انتشار اضطراب طيف التوحد قد شهد ارتفاعاً كبيراً خلال العقدين الأخيرين، وأن المعدلات الحالية تفوق كثيراً ما كان يُسجّل في الماضي. كما تظهر الأبحاث أن نسبة إصابة الذكور أعلى من الإناث بفارق واضح، رغم أن هذا التفاوت قد يكون مرتبطاً أحياناً بطرق التشخيص وليس فقط بالانتشار الفعلي. وعلى الرغم من استمرار الدراسات في محاولة فهم أسباب هذا الارتفاع، إلا أن العامل الأهم يبقى أن اضطراب طيف التوحد حالة تستمر مدى الحياة، وأن التدخل المبكر هو الوسيلة الأهم لتحسين نتائج الطفل على المدى البعيد.
وفي ظل التقدم العلمي الحالي، يبرز دور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل مستقبل التشخيص والعلاج. فمحاولات دمج EEG مع الخوارزميات الذكية تهدف إلى توفير تشخيص أكثر سرعة وموضوعية ودقة، وقد أثبتت نجاحاً أولياً مشجعاً. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة لإجراء مزيد من الدراسات التي تراعي تنوع البيانات، وتضم عينات أكبر وأكثر تمثيلاً لمختلف الفئات. كما تتطلب النماذج المعتمدة اختبارات سريرية موسعة قبل اعتمادها رسمياً في الممارسة الطبية.
وفي المستقبل، من المتوقع أن تنجح الأبحاث في إيجاد توازن مثالي بين التحليل العصبي والسلوكي، بحيث يصبح التشخيص أكثر شمولاً وعدالة، ويعتمد على مؤشرات متعددة بدلاً من التركيز على جانب واحد. وإذا تحققت هذه الرؤية، فقد نصل إلى مرحلة يصبح فيها تشخيص التوحد أسرع، وأكثر دقة، وأكثر قدرة على خدمة الأطفال وأسرهم، مما يسهم في تحسين جودة حياتهم بشكل أعمق وأكثر استدامة.
ومع تطور هذا المجال، يتجه الباحثون بشكل متزايد إلى تعزيز التعاون بين التخصصات المختلفة، مثل علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي والطب الإكلينيكي، بهدف بناء أدوات تشخيصية أكثر شمولية وموثوقية. ويُتوقع أن تسهم هذه الشراكات في تطوير نماذج قادرة على تفسير البيانات العصبية بشكل أدق وأكثر عمقاً، خاصة مع تحسن تقنيات تسجيل الإشارات وزيادة حجم قواعد البيانات العالمية. ومن المحتمل أن تفتح هذه التطورات المجال أمام تصميم برامج تدخل فردية أكثر دقة، تعتمد على فهم متكامل للأنماط العصبية والسلوكية الخاصة بكل طفل، مما يدعم عملية التشخيص ويُحسّن من فعالية التدخل العلاجي في المستقبل
المرجع:
A recent advances on autism spectrum disorders in
diagnosing based on machine learning and deep learning
https://link.springer.com/content/pdf/10.1007/s10462-025-11302-x.pdf





