ترجمة: أ. أماني أبوالعينين
في عالم يزداد تنوعًا وشمولًا، لا يُعدّ تهيئة بيئات عمل داعمة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد مجرد مسعى نبيل، بل ضرورة عملية. يؤثر هذا الاضطراب على ملايين الأشخاص حول العالم، ويمتلك الكثير منهم مهارات ووجهات نظر فريدة تُعدّ قيّمة في بيئة العمل. مع ذلك، غالبًا ما تفشل بيئات العمل التقليدية في تلبية احتياجات هؤلاء الأشخاص ، مما يؤدي إلى عدم استغلال مواهبهم بالشكل الأمثل. تستكشف هذه المقالة أهمية تهيئة بيئات عمل داعمة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، والاستراتيجيات اللازمة لتحقيق ذلك، كما تُسلّط الضوء على عدد من الشركات الكبرى التي أنشأت مجموعات دعم للموظفين ذوي اضطراب طيف التوحد.
فهم الحاجة إلى أماكن عمل صديقة للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد
تتمثل الخطوة الأولى في تهيئة بيئة عمل ملائمة للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد في فهم التحديات الفريدة التي يواجهونها. تشمل هذه التحديات صعوبات في التفاعل الاجتماعي، وحساسية حسية، وحاجة إلى الروتين والاستقرار. قد تكون بيئات العمل التقليدية، بتصاميمها المفتوحة وجداولها غير المنتظمة وتوقعاتها الاجتماعية، مرهقة للموظفين ذوي التنوع العصبي. غالبًا ما يؤدي ذلك إلى التوتر، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع معدلات دوران الموظفين.
إن تهيئة بيئة عمل شاملة لا تفيد الموظفين ذوي التنوع العصبي فحسب، بل تعزز أيضاً ثقافة مكان العمل بشكل عام. فمن المعروف أن فرق العمل المتنوعة أكثر ابتكاراً وأفضل في حل المشكلات. ومن خلال تلبية احتياجات الموظفين المشخصين باضطراب طيف التوحد ، تستطيع الشركات الاستفادة من كفاءات غالباً ما يتم تجاهلها. علاوة على ذلك، تعزز بيئة العمل الشاملة ثقافة التعاطف والتفاهم والاحترام المتبادل، مما يُحسّن رضا الموظفين واستبقائهم على نطاق واسع.
استراتيجيات لإنشاء أماكن عمل صديقة للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد
لخلق بيئة ملائمة للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد ، تحتاج الشركات إلى تطبيق العديد من الاستراتيجيات الرئيسية:
مساحات مُهيأة للحواس: تُعدّ الحساسية الحسية من أكثر التحديات شيوعًا لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد . يُمكن للشركات إنشاء مناطق هادئة أو توفير سماعات رأس عازلة للضوضاء لمساعدة الموظفين على إدارة التحفيز الحسي الزائد. كما يُمكن للإضاءة القابلة للتعديل والأثاث المريح أن تجعل مكان العمل أكثر راحة. وتُعدّ المساحات المُهيأة للحواس مفيدة أيضًا للموظفين غير المشخصين باضطراب طيف التوحد .
التواصل الواضح: يُعدّ التواصل الواضح والمباشر أمراً بالغ الأهمية. ويمكن أن يساعد تقديم التعليمات المكتوبة واستخدام الوسائل البصرية الموظفين ذوي الاحتياجات الخاصة على فهم مهامهم بشكل أفضل. كما يمكن أن تضمن التغذية الراجعة المنتظمة والاجتماعات الفردية سيرهم على المسار الصحيح.
ترتيبات العمل المرنة: يمكن أن تكون مرونة ساعات العمل وخيار العمل من المنزل مفيدة للموظفين المشخصين باضطراب طيف التوحد . فهذا يسمح لهم بوضع روتين يناسب احتياجاتهم ويقلل من التوتر المرتبط بالتنقل والتعامل مع بيئة مكتبية مزدحمة.
التدريب والتوعية: يُمكن لتثقيف جميع الموظفين حول اضطراب طيف التوحد والتنوع العصبي أن يُعزز ثقافة أكثر شمولاً. تُساعد الدورات التدريبية زملاء العمل على فهم التحديات التي يواجهها زملاؤهم من ذوي التنوع العصبي، وكيفية تقديم الدعم لهم. شاركوا معلومات عن اضطراب طيف التوحد واحتفلوا بشهر التوعية به.
شبكات الإرشاد والدعم: يمكن لبرامج الإرشاد وإنشاء مجموعات دعم للموظفين ذوي التنوع العصبي أن توفر لهم شبكة دعم وشعورًا بالانتماء. كما يمكن لهذه المجموعات أن تكون منصةً للموظفين لتبادل خبراتهم والدعوة إلى التغييرات الضرورية. غالبًا ما يكون أصحاب العمل على استعداد تام للدعم، كل ما عليك فعله هو السؤال. سألتُ مديرًا ومديرًا تقنيًا في وظيفتي، وقد أبديا دعمهما الكامل لمجموعة دعم اضطراب طيف التوحد.
الشركات الرائدة في هذا المجال
أدركت العديد من الشركات الكبرى أهمية دعم الموظفين ذوي التنوع العصبي، وقامت بإنشاء مجموعات دعم الموظفين لتعزيز بيئة شاملة:
مايكروسوفت: لدى مايكروسوفت برنامج توظيف خاص بالأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد ومجموعة موارد للموظفين تسمى “Neurodiversity@Microsoft” والتي توفر الدعم والمناصرة للموظفين ذوي التنوع العصبي.
شركة SAP: يهدف برنامج “اضطراب طيف التوحد في مكان العمل” التابع لشركة SAP إلى توظيف الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد وتزويدهم بالدعم اللازم لتحقيق النجاح. وقد حققت الشركة نجاحاً ملحوظاً في هذه المبادرة، حيث لوحظ ارتفاع في الإنتاجية والابتكار.
جي بي مورغان تشيس: يركز برنامج الشركة “اضطراب طيف التوحد في مكان العمل” على توظيف ودعم الموظفين المشخصين باضطراب طيف التوحد . كما أنشأت جي بي مورغان تشيس مجموعة دعم للموظفين لتوفير بيئة داعمة لهم.
إرنست ويونغ (EY): لدى إرنست ويونغ برنامج مراكز التميز للتنوع العصبي ، والذي يركز على توظيف ودعم الأشخاص ذوي التنوع العصبي. وقد وجدت الشركة أن الموظفين ذوي التنوع العصبي يتمتعون بمهارات فريدة في حل المشكلات ودقة متناهية في التفاصيل.
جوجل: لدى جوجل مجموعة موارد للموظفين تسمى ” Neurodiversity@Google ” والتي توفر الدعم والموارد للموظفين ذوي التنوع العصبي، مما يعزز بيئة عمل شاملة.
خاتمة
يُعدّ تهيئة بيئات عمل مُلائمة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز الشمولية والاستفادة من المواهب الفريدة للأفراد ذوي التنوع العصبي. ومن خلال تطبيق استراتيجيات مثل توفير مساحات مُلائمة للحواس، والتواصل الواضح، وترتيبات العمل المرنة، والتدريب، وشبكات الدعم، تستطيع الشركات خلق بيئة عمل أكثر شمولية وإنتاجية. وتقود شركات كبرى مثل مايكروسوفت، وساب، وجي بي مورغان تشيس، وإرنست ويونغ، وجوجل، هذا التوجه من خلال إنشاء مجموعات وبرامج دعم للموظفين مصممة خصيصًا لدعم الموظفين ذوي التنوع العصبي. ولا تقتصر فوائد هذه المبادرات على الموظفين فحسب، بل تُعزز أيضًا ثقافة مكان العمل بشكل عام، مما يدفع عجلة الابتكار والنجاح. ومع ازدياد عدد الشركات التي تحذو حذوها، سيصبح مستقبل العمل أكثر شمولية وتنوعًا، مما يعود بالنفع على جميع الأطراف المعنية.
المراجع
Creating Autism-Friendly Environments for Workplace Inclusivity
https://autismspectrumnews.org/creating-autism-friendly-environments-for-workplace-inclusivity





