ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
الفرق بين اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون: دليل معلوماتي واضح
إذا سبق لك أن تساءلت: “هل اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون هما الشيء نفسه؟”، فأنت لست وحدك؛ حيث يخلط الكثيرون بين هذين المصطلحين، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتباطهما بنمو وتطور الأفراد.
ومع ذلك، فإن الفرق بين اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون فرق جوهري، ومعرفة هذا الفرق تساعد العائلات، والمعلمين، والمجتمع على دعم الأفراد بشكل أكثر فعالية.
في هذا الدليل، سأقوم بتوضيح كل شيء بشكل شامل ودقيق.
لماذا يُعد الفهم أمراً حيوياً؟
عندما بدأت في التعرف على الاختلافات النمائية لأول مرة، كنت أسمع الناس يتساءلون كثيراً: “متلازمة داون مقابل اضطراب طيف التوحد — هل هناك فرق؟. إنه سؤال مشروع؛ فكلا الحالتين تعتبران من الحالات المصاحبة لـ الفرد مدى الحياة و تؤثران على نموه وتطوره، ومع ذلك، فإن أسبابهما وخصائصهما واحتياجات الدعم الخاصة بكل منهما تختلف تماماً. ومع ذلك، فإنهما يشتركان في بعض التشابهات التي نكتشفها أيضاً.
بحلول نهاية هذه المقالة، ستفهم بوضوح:
- ما هو اضطراب طيف التوحد (ASD)؟
- ما هي متلازمة داون؟
- كيف يقوم المختصون بتشخيص كل منهما؟
- أين تكمن نقاط التقاطع بينهما؟
- والأهم من ذلك، كيف يمكننا دعم الأفراد بكل حب واحترام.
ما هو اضطراب طيف التوحد (ASD)؟
يُعد اضطراب طيف التوحد (ASD) — حالة نمائية عصبية؛ حيث تؤثر على كيفية معالجة الدماغ للتفاعل الاجتماعي، والتواصل، والسلوك، و المدخلات الحسية. وغالباً ما ستجد وصفاً لـ (ASD) بأنه “طيف” لأن الأعراض وشدتها تختلف بشكل واسع بين الأفراد.
الخصائص الرئيسية لاضطراب طيف التوحد:
- التفاعل الاجتماعي: أحد أبرز سمات اضطراب طيف التوحد هو الصعوبة في التفاعلات الاجتماعية؛ حيث قد يواجه الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد تحديات في فهم الإيماءات الاجتماعية، مثل تعبيرات الوجه أو لغة الجسد. كما قد يواجهون صعوبة في تكوين العلاقات والمحافظة عليها، وغالباً ما يفضلون الأنشطة الانفرادية.
- التواصل: تُعد صعوبات التواصل جانباً رئيسياً آخر؛ فبينما قد يكون لدى بعض الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد نطق محدود أو متأخر، قد يمتلك آخرون مهارات لغوية متقدمة، ومع ذلك يجدون صعوبة في الانخراط في المحادثات أو فهم الفروق الدقيقة (Nuances) في التواصل.
- السلوكيات التكرارية: تُعد السلوكيات التكرارية، مثل رفرفة اليدين، والتأرجح، أو تكرار كلمات أو جمل معينة (المصاداة/Echolalia)، شائعة بين الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد. ويمكن أن تعمل هذه السلوكيات كوسيلة لتهدئة الذات أو إدارة القلق.
- الحساسية الحسية: يواجه العديد من الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد حساسية حسية، مما يعني أنهم قد يكونون مفرطي الحساسية أو محدودي الحساسية تجاه المثيرات الحسية مثل الضوء، أو الصوت، أو اللمس، أو التذوق. وهذا يمكن أن يجعل بيئات معينة تبدو مربكة أو غير مريحة بالنسبة لهم.
- الاهتمامات الخاصة: من الخصائص الأخرى لاضطراب طيف التوحد وجود اهتمامات مكثفة ومركزة؛ حيث قد يصبح الأفراد خبراء في موضوعات أو هوايات محددة، وغالباً ما يظهرون مواهب استثنائية فيها.
يتحدث بعض الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد بطلاقة، بينما قد يستخدم آخرون طرق تواصل بديلة مثل الإيماءات أو الأجهزة اللوحية. لا يتم تعريف اضطراب طيف التوحد من خلال القدرة الذهنية وحدها، فالعديد من المشخصين لديهم ذكاء متوسط أو مرتفع.
ما هي متلازمة داون؟
متلازمة داون هي حالة جينية تحدث عندما يولد الطفل ومعه نسخة إضافية من الكروموسوم رقم 21، وتسمى أيضاً بـ “التثالث الصبغي 21” (Trisomy 21). وتؤثر هذه الحالة على النمو البدني، والتطور المعرفي، ويمكن أن تؤثر على الصحة بطرق أخرى متنوعة.
السمات الشائعة لمتلازمة داون:
- الخصائص الجسدية: غالباً ما يمتلك الأفراد ذوي متلازمة داون سمات جسدية مميزة، مثل العيون اللوزية، ووجود طية واحدة عبر كف اليد (الثنية الراحية الوحيدة)، وبروفيل وجه مسطح. وتتفاوت شدة هذه السمات بشكل كبير بين فرد وآخر.
- التطور المعرفي: ترتبط متلازمة داون بإعاقات ذهنية تتفاوت في درجاتها. وبينما يستطيع الأفراد ذوو متلازمة داون التعلم والتطور، إلا أنهم غالباً ما يواجهون تحديات معرفية قد تؤثر على قدراتهم التعليمية.
- المخاوف الصحية: قد يواجه الأفراد ذوو متلازمة داون خطراً متزايداً للإصابة ببعض الحالات الصحية، بما في ذلك عيوب القلب، ومشكلات الجهاز الهضمي، والمشكلات التنفسية. لذا، تُعد الفحوصات الطبية المنتظمة والتدخل المبكر ضروريين لضمان جودة حياتهم وسلامتهم.
- التطور الاجتماعي والعاطفي: غالباً ما يُظهر الأفراد ذوو متلازمة داون دفئاً ومودة في تفاعلاتهم الاجتماعية. وعلى الرغم من أنهم قد يواجهون تأخراً في تطور النطق واللغة، إلا أنهم قادرون على بناء علاقات ذات معنى من خلال الدعم والتشجيع المناسبين.
- الدمج والتعليم: يمكن للكثير من الأفراد ذوي متلازمة داون الازدهار في البيئات التعليمية الشاملة (الدمج) عند توفر الدعم الملائم. كما تساعد البرامج التعليمية المصممة خصيصاً في تمكينهم من الوصول إلى أقصى إمكاناتهم.
ورغم أن ذوي متلازمة داون قد يستغرقون وقتاً أطول لتحقيق الأهداف النمائية، إلا أن الكثيرين منهم يحققون نجاحات كبيرة من خلال التدخل المبكر والتعليم الشامل.
المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون
يُعد فهم عملية التشخيص أمراً بالغ الأهمية، فهي الوسيلة التي ندرك من خلالها أن هاتين الحالتين مختلفتان تماماً.
تشخيص اضطراب طيف التوحد (Autism Diagnosis)
يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد عن طريق مراقبة السلوك وأنماط التطور والنمو؛ حيث لا يوجد اختبار معملي واحد لتحديده. ويبحث الأطباء والمختصون عن وجود تحديات مستمرة في المجالات التالية:
- التواصل الاجتماعي: صعوبات في التفاعل اللفظي وغير اللفظي.
- السلوكيات المقيدة أو التكرارية: وجود أنماط محددة من السلوك والاهتمامات.
- الاستجابات الحسية: تفاوت في معالجة المثيرات الحسية من حولهم.
تكون الأعراض ملحوظة عادةً بحلول سن الثانية أو الثالثة، ويشترط لتشخيص الحالة أن تؤثر هذه الأعراض بشكل كبير على الأداء الوظيفي اليومي للأفراد.
تشخيص متلازمة داون (Down Syndrome Diagnosis)
يتم تحديد متلازمة داون من خلال الاختبارات الجينية، ويمكن الكشف عنها في المرحلتين التاليتين:
- قبل الولادة: (من خلال فحوصات ما قبل الولادة).
- عند الولادة: (من خلال تحليل الكروموسومات).
يُعد التشخيص هنا قاطعاً وواضحاً لأنه مرتبط بتغير محدد وملموس في الكروموسومات (وجود كروموسوم إضافي في الزوج رقم 21).
مقارنة جانبية: متلازمة داون مقابل اضطراب طيف التوحد
دعونا نقارن بين هاتين الحالتين مباشرة لمعرفة أوجه الاختلاف ومواضع التقاطع المحتملة بينهما.
الجانب | اضطراب طيف التوحد (ASD) | |
السبب | اختلافات نمائية عصبية (عوامل جينية معقدة + البيئة) | حالة جينية (كروموسوم إضافي في الزوج 21) |
التشخيص | تقييم سلوكي ونمائي | اختبارات جينية (تحليل كروموسومات) |
السمات الجسدية | لا يوجد مظهر جسدي محدد يميز الحالة | سمات جسدية مميزة ومعروفة |
التفاعل الاجتماعي | قد يمثل تحدياً، خاصة في تفسير الإيماءات | غالباً ما يتسم بتفاعلات اجتماعية دافئة ومودة |
التواصل | تأخر أو اختلافات تواصلية شائعة | نمط تأخر نمطي ومعروف |
الاحتياجات الطبية | دعم حسي، وسلوكي، ونمائي | فحوصات صحة بدنية + دعم نمائي |
التقاطع | قد يكون بعض الأفراد مشخصين بكليهما | قد يستوفي بعض ذوي متلازمة داون معايير (ASD) |
ما هي أوجه التشابه بين اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون؟
على الرغم من كونهما حالتين منفصلتين، إلا أن هناك مجالات قد تبدو فيها هذه الحالات متشابهة إلى حد ما — خاصة للأشخاص غير المطلعين عليها. وتشمل هذه الأوجه:
- التأخر النمائي: يمكن أن تظهر كلتا المجموعتين تأخراً في النطق، أو المهارات الحركية، أو معالم التعلم. وعلى الرغم من اختلاف الأسباب، إلا أن أنماط النمو الملحوظة قد تتقاطع أحياناً.
- تحديات التواصل: قد يواجه الأطفال في كلتا الحالتين صعوبة في التعبير عن أنفسهم أو فهم الآخرين. ويستفيد الكثيرون من التدخل المبكر وعلاج النطق واللغة.
- اختلافات التفاعل الاجتماعي: قد يجد الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد صعوبة في تفسير الإيماءات الاجتماعية. وبالمثل، قد يواجه بعض الأطفال ذوي متلازمة داون صعوبات في المواقف الاجتماعية الأكثر تعقيداً، حتى وإن كانوا ودودين بطبعهم.
- الأنماط السلوكية: يمكن أن تظهر كلتا المجموعتين سلوكيات تكرارية أو تفضيلاً للروتين. في اضطراب طيف التوحد، يُعد هذا جزءاً جوهرياً من التشخيص؛ أما في متلازمة داون، فقد تنبع التكرارية من الحاجة إلى الشعور بالراحة والقدرة على التنبؤ بما سيحدث.
هل يمكن للفرد أن يكون مشخصاً باضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون معاً؟
نعم — وهذه نقطة في غاية الأهمية؛ حيث يتم تشخيص بعض الأفراد بكلتا الحالتين (اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون) معاً. تشير الدراسات إلى أن حوالي 16-18% من ذوي متلازمة داون يظهرون سمات توحد واضحة بما يكفي لاستيفاء معايير تشخيص اضطراب طيف التوحد ( ASD ).
وعندما يحدث هذا التشخيص المزدوج:
- تصبح عملية التقييم أكثر تعقيداً ودقة.
- قد تتطلب احتياجات الدعم دمج استراتيجيات من كلا المجالين (السلوكي والنمائي).
- يساهم الوعي بهذا التقاطع في تصميم خطط تعليمية وعلاجية أفضل وأكثر ملاءمة لاحتياجات الأفراد.
دعم الأفراد: ما الذي يمكنك فعله؟
إن فهم الفرق بين اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون ليس سوى الخطوة الأولى؛ فما يهم حقاً هو كيفية دعمنا لـ الأفراد الذين يعانون من هذه الحالات.
- التدخل المبكر (Early Intervention): سواء كان طفلك مشخصاً باضطراب طيف التوحد، أو متلازمة داون، أو كليهما معاً، فإن الدعم المبكر يساعد بشكل هائل. ويمكن لجلسات نطق اللغة، والعلاج الوظيفي، والدعم السلوكي أن تحسن النتائج المستقبلية بشكل كبير.
- التعليم الشامل (Inclusive Education): إن التعلم في بيئات تقدر التنوع والاختلاف يعزز الثقة بالنفس ويطور المهارات لدى الفرد.
- دعم الأسرة والمجتمع: يستفيد الآباء ومقدمي الرعاية والأقران من المصادر التعليمية، ومجموعات الدعم، والتحلي بالصبر. إن القبول والتقبل المجتمعي يحدث فرقاً شاسعاً في جودة حياة الأفراد.
الخاتمة
لذا، هل اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون هما الشيء نفسه؟ الإجابة هي: لا. فهما حالتان منفصلتان تختلفان في الأسباب والخصائص، ومع ذلك، فإنهما يشتركان في بعض النقاط التي قد تؤدي أحياناً إلى حدوث لبس أو خلط.
من خلال فهم الفرق بين اضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون، يمكنك تقديم دعم أفضل لـ الأفراد، والحد من سوء الفهم، والمساهمة في تعزيز القبول والتقبل المجتمعي.
إن رحلة كل شخص فريدة من نوعها؛ فالتشخيص بـ اضطراب طيف التوحد أو متلازمة داون لا يحدد هوية الشخص — بل هو مجرد جزء واحد مما هو عليه. و بالدعم المناسب، والتشجيع، والتواصل الفعال، يمكن للأفراد الازدهار وتحقيق إمكاناتهم.
شكراً لك على القراءة — وشكراً لك على اهتمامك.
المرجع:
Understanding The Difference Between Autism and Down Syndrome





