ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
إذا كان أطفالكم قد حصلوا مؤخراً على تشخيص اضطراب طيف التوحد، فمن المرجح أنكم قد اكتشفتم قدراً كبيراً من المعلومات المتعلقة بالتشخيص، والأعراض، والموارد المتاحة، وخيارات العلاج المحتملة لتجربتها معهم. وبما أنه لا يوجد طفلان من المشخصين باضطراب طيف التوحد متشابهان تماماً، فإن ذلك يجعل عملية تحديد وتطبيق العلاج المناسب لـ الأفراد عملية تعتمد نوعاً ما على التجربة والتعلم.
بينما يخضع العديد من الأطفال لبرامج تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، إلا أن هناك مجموعة متنوعة من العلاجات المختلفة التي يمكن استخدامها بالإضافة إلى (ABA) لمساعدة أطفالكم على تحقيق تقدم حقيقي ومستدام. سنأخذكم في هذا المنشور عبر القواعد الأساسية للعلاج الوظيفي، والذي يُعد جزءاً مفيداً من التدخلات الموجهة للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد، كما سنوضح أهمية التكامل الحسي ضمن برنامج العلاج الوظيفي المخصص لـ الأفراد.
ما هو العلاج الوظيفي للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد؟
يُعد العلاج الوظيفي أحد أكثر العلاجات استخداماً ونفعاً للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد. يهدف العلاج الوظيفي إلى تزويد الأطفال بالقدرة على تطوير وتحسين المهارات الحياتية اليومية اللازمة لزيادة استقلاليتهم. يركز أخصائيو العلاج الوظيفي الذين يعملون مع الأطفال على مهارات العناية الذاتية، والتكامل الحسي (مثل التخطيط الحركي والتنظيم الذاتي، على سبيل المثال لا الحصر)، واختلافات التعلم، والتحديات الاجتماعية والعاطفية المتعلقة باللعب، والتأخر النمائي، والمهارات الحركية الكبرى والدقيقة (مثل التآزر، والقوة، واجتياز خط منتصف الجسم، وغيرها)، بالإضافة إلى مهارات الإدراك والمعالجة البصرية لـ الأفراد.
يعاني العديد من الأطفال من صعوبات في المهارات المذكورة أعلاه. وقد يدرك أولياء الأمور في مجتمع التوحد أن أطفالهم يواجهون تحديات في معالجة المدخلات الحسية، وهذه الصعوبات تجعل من التفاعل مع العالم من حولهم بشكل يومي أمراً في غاية التحدي؛ مما يؤثر بدوره على معظم المهارات التي يتم تناولها في جلسات العلاج الوظيفي المخصصة لـ الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد.
ما هو التكامل الحسي في العلاج الوظيفي؟
تحدد دراسة جديدة نُشرت في مجلة اضطرابات طيف التوحد والنمو (Journal of Autism and Developmental Disorders) وجود رابط بين التكامل الحسي أثناء جلسات العلاج الوظيفي وتحسن قدرة الأطفال على المشاركة في الأنشطة والتفاعلات اليومية.
غالباً ما يواجه الأطفال صعوبة في معالجة المعلومات الحسية بسرعة وكفاءة؛ وبناءً عليه، يواجه هؤلاء الأطفال تحدي دمج هذه المعلومات الحسية بشكل مناسب في حياتهم اليومية، مما يؤدي إلى ظهور حواجز تمنعهم من المشاركة بسهولة في تفاصيل الحياة اليومية. وقد أظهرت هذه الدراسة، التي تضمنت تجربة عشوائية محكومة، أن دمج استراتيجيات التكامل الحسي أثناء العلاج الوظيفي يخفف من بعض هذه التحديات التي يواجهها الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد.
كيف يتلاءم التكامل الحسي مع العلاج الوظيفي؟
عندما يعاني الأطفال من صعوبات في المعالجة الحسية، فقد يعني ذلك أنهم يختبرون حساسية مفرطة تجاه أشياء مثل الأصوات العالية، والألوان الزاهية، والحركات السريعة، من بين مدخلات حسية أخرى. تسبب هذه الضغوطات للأطفال حالة من القلق وعدم الاستقرار، وقد تؤدي إلى ظهور سلوكيات سلبية أو غير مرغوب فيها.
إذًا، كيف يبدو التكامل الحسي والعمل على المعالجة الحسية في الجلسات العلاجية للأطفال؟ يعتمد ذلك على ما إذا كان الطفل يعاني من “فرط استجابة”، أو “نقص استجابة”، أو “رغبة ملحة” في الحصول على المدخلات الحسية:
- فرط الاستجابة للمدخلات الحسية: قد يشعر الأطفال بالذعر والقلق ويرفضون المشاركة في المهام التي تبدو شديدة الحدة بالنسبة لهم. وغالبًا ما يُظهرون استجابة عاطفية أو نوبات غضب (Meltdowns)، مما قد يدفعهم لتجنب المدخلات الحسية لأنها تبدو مربكة للغاية بالنسبة لهم.
- نقص الاستجابة للمدخلات الحسية: غالبًا ما يكون هؤلاء الأطفال هادئين وسلبيين، ولا يستجيبون للمثيرات التي يستجيب لها الآخرون عادةً؛ حيث يتجاهلون التحفيز من خلال عدم إبداء أي رد فعل.
- الرغبة الملحة (البحث عن المدخلات الحسية): يسعى هؤلاء الأطفال بنشاط للحصول على المدخلات الحسية (وهي وظيفة طبيعية)، لكنهم يطلبون أحاسيس لا يبدو أنها تشبع رغبتهم أبدًا، وقد يظهر الطفل وكأنه مهووس بالمدخلات الحسية. ومن الغريب أنه كلما حصل الطفل “الباحث عن الحس” على المزيد من الأحاسيس، أصبح أكثر تشتتًا وعدم تنظيم، وهو ما يميز الرغبة الحسية الملحة عن القدر الطبيعي من المدخلات الحسية المطلوبة لدى الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد.
يمكن أن يُظهر الأطفال مستويات متفاوتة من العتبات الحسية؛ ولذلك يستخدم أخصائيو العلاج الوظيفي تقييمات مقننة وملاحظات/ استدلالات إكلينيكية لتحديد التدخلات المناسبة لكل طفل. على سبيل المثال، الأطفال الذين يظهرون “نقصاً في الاستجابة” يكونون في حالة من ضعف الاستثارة والخمول، مما يتطلب المزيد من التحفيز الحسي خلال الجلسة. وفي المقابل، يجب على الطفل الذي لديه “رغبة حسية ملحة” أو “فرط استجابة” أن يتعلم كيفية تحمل المثيرات الحسية المكثفة دون الحصول على مدخلات زائدة تؤدي به إلى حالة من فرط الاستثارة. يتطلب العلاج بالتكامل الحسي توازناً دقيقاً في المدخلات الحسية، وهو ما يقوم به أخصائيو العلاج الوظيفي المهرة لـ الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد.
يتضمن التكامل الحسي أثناء العلاج الوظيفي تعريض الأطفال الذين يعانون من مشكلات في المعالجة الحسية لمثيرات حسية ضمن بيئة منظمة، كما يتسم هذا التعريض بكونه تكرارياً. ويُعتقد أن هذه العملية تساعد أدمغة الأطفال على التكيف بمرور الوقت، مما يتيح لـ الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد معالجة المثيرات والأحاسيس المختلفة والاستجابة لها بكفاءة أكبر.
دور اللعب في التكامل الحسي
كما هو الحال في العلاجات الأخرى التي قد يتلقاها الأطفال، يُعد اللعب عاملاً جوهرياً في العمل على المعالجة الحسية أثناء جلسات العلاج الوظيفي. إن استخدام اللعب لا يقتصر فقط على تعريف أطفالكم بمجموعة متنوعة من المثيرات، بل يساعد أيضاً في زيادة قدرتهم على تجاهل المشتتات والأحاسيس التي قد تسبب لهم ردود فعل سلبية.
سيختار أخصائي العلاج الوظيفي الخاص بأطفالكم ألعاباً أو أنشطة تتناسب بشكل فريد مع احتياجاتهم خلال الجلسة العلاجية. وأثناء العلاج الوظيفي، قد يلعب الأطفال في “حوض الكرات”، أو يستخدمون “النادي الرياضي الحسي” (Sensory Gym)، أو يلعبون بألعاب ذات أحجام وأنسجة مختلفة. سيقوم الأخصائي بإعطاء الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد إشارات لفظية لضمان أن اللعب يتطلب منهم الحركة، ولمس الأشياء، وإصدار الأصوات، وإشراك جميع حواسهم بطريقة هادفة.
عند القيام بهذا العمل المتعلق بالمعالجة الحسية بشكل مستمر، فإنه يساعد على تحسين الوعي المكاني لدى أطفالكم، وجعل تجربتهم مع المدخلات الحسية المختلفة تبدو طبيعية. كما يمكن أن يساعد ذلك الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد في تحسين التفاعلات الاجتماعية والقدرة على التنظيم الانفعالي.
الفوائد الاجتماعية والعاطفية للتكامل الحسي
يميل الأطفال الذين يعانون من صعوبات في المعالجة الحسية إلى مواجهة تحديات في فهم العالم والتفاعل معه على المستوى الاجتماعي. وللحماية من المدخلات الحسية غير المتوقعة -مثل الضحك العالي، أو اللمسة المفاجئة، أو الاصطدام العرضي- قد يميل أطفالكم إلى التراجع وتجنب التواصل البصري. قد يكون من الصعب على الأطفال الذين يواجهون صعوبات في المعالجة الحسية معرفة كيفية الاستجابة بشكل مناسب أثناء المحادثة، أو كيفية تفسير الإشارات الاجتماعية ولغة الجسد لدى الآخرين.
لذلك، يساعد العمل على التكامل الحسي الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد على الشعور بمزيد من الأمان والراحة في بيئاتهم، مما يمهد الطريق لتطوير مهارات تواصل اجتماعي أكثر ثباتاً وثقة.
يمكن أن يساعد التكامل الحسي في بناء قدرة أطفالكم على التنظيم الذاتي أثناء التفاعلات الاجتماعية؛ مما يتيح لهم إدارة عواطفهم وسلوكياتهم وحركات جسدهم بشكل أفضل في المواقف التي قد تسبب لهم القلق. إن ممارسة التفاعلات الاجتماعية المعتادة أثناء الجلسات العلاجية تساعد في جعل التواصل الاجتماعي أمراً طبيعياً بالنسبة لأطفالكم، وتزود الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد بالأدوات التي يحتاجونها للشعور بالثقة عند التفاعل مع الآخرين.
دوركم كأولياء أمور في التكامل الحسي
بصفتكم أولياء أمور لأطفال مشخصين باضطراب طيف التوحد، فإنكم ستؤدون أدواراً عديدة في حياة أطفالكم؛ بدءاً من دور مقدم الرعاية، وصولاً إلى دور الداعم والمدافع عن حقوقهم، وحتى دور المعالج في المنزل. وبغض النظر عن نوع العلاجات التي يتلقاها أطفالكم، فإن مشاركتكم الفعالة هي المفتاح الأساسي لتقدمهم؛ حيث إن تعزيز المهارات والسلوكيات التي يتعلمها أطفالكم مع أخصائييهم يُعد أمراً حاسماً لقدرة الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد على النمو والتطور.
من غير المحتمل أن تحتاجوا لحضور كل جلسة علاج وظيفي يخضع لها أطفالكم؛ ومع ذلك، ستحتاجون للمشاركة في بعض الجلسات لفهم “النظام الحسي” (Sensory Diet) الذي يتلقاه أطفالكم، ومعرفة أفضل السبل لتطبيق تدخلات المعالجة الحسية في المنزل. ستحتاجون إلى تشجيع أطفالكم عندما يؤدون سلوكاً متعلماً بنجاح، كما يجب عليكم دمج بعض الأنشطة التي يمارسها الأطفال أثناء العلاج في روتينهم اليومي، وذلك لتوفير الاستمرارية والاتساق في الجدول الزمني لـ الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد.
إن إدخال العلاج الوظيفي والتكامل الحسي ضمن الخطة العلاجية لأطفالكم لن يساعدهم فقط على تحسين مهاراتهم الحركية الدقيقة والكبرى، بل سيعزز أيضاً مهارات التنظيم الذاتي لديهم. فكلما زاد التعزيز الذي يتلقاه الأطفال في المنزل، زاد احتمال تحقيقهم لتغيير سلوكي و انفعالي إيجابي ومستدام لدى الأفراد المشخصين باضطراب طيف التوحد.
المرجع:
The Role of Sensory Integration and Occupational Therapy for Autistic Children
https://blossomchildrenscenter.com/sensory-integration-and-autism-in-occupational-therapy/





